الرئيسية / العدد الأربعون / لماذا لم تقُم الثورة في السودان حتى الآن ؟

لماذا لم تقُم الثورة في السودان حتى الآن ؟

imgid256939.jpg

حليم عباس : 

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الإجابة العامة على هذا السؤال هي أن شروط الثورة لم تكمل بعد. و هي تقودنا إلى سؤال أكثر دقة : ما هي شروط الثورة، و لماذا لم تكتمل حتى الآن ؟        

أولاً : يجب أن نميز بين شروط الثورة و دواعي الثورة و دواعي الإصلاح أو التغيير. إن الواقع الاجتماعي بالمعنى الشامل لهذه الكلمة يستدعي تغييراً أو إصلاحاً أو ثورةً تبعاً للمنظور الذي ينظر منه كل طرف من الأطراف الساعية للتغير/الإصلاح/الثورة . و هذا هو أول شرط من شروط الثورة غير المتوفرة حتى الآن….

فليس هناك إجماع شعبي على ضرورة القيام بثورة. هناك اتفاق و إجماع واسع على ضرورة إصلاح الأوضاع سياسياً و اقتصاديّاً و ثقافياً، هناك إجماع على و جود مشاكل و أزمات بل و مآسي، و لكن آلية مواجهة هذه المشاكل و الأزمات و المآسي غير متفق حولها .                                          

إذاً، يجب أن نطرح السؤال التالي و نجيب عليه : لماذا ليس هناك إجماع على آلية التغيير، أو بشكل أكثر حصراً، و لأننا بصدد الثورة، لماذا ليس هناك إجماع على الثورة ؟      

هنا الأسباب كثيرة، أهمها و أخطرها الانقسام الاجتماعي جهويّاً، فالشعب السوداني ليس على قلب رجلٍ واحد . فئة واسعة من المجتمع تؤيد تغيير النظام بشكل غير ثوري، و ترى في الثورة خطراً ليس على النظام و حسب و إنما عليها هي و على سلامتها و أمنها .                                                   

فئاتٌ أخرى لا تعتبر أن الثورة تهدد وجودها بشكل مباشر و لكنها تتوجس من الصراعات ذات الطبيعة الجهوية و القبلية التي يمكن أن تعصف بوحدة البلاد. أي أن هذه الفئة مدركة للانقسامات التي يعيشها الواقع الاجتماعي ، و ترى فيها مهدداً للبلاد و إن لم تكن تعتبر نفسها جزءاً من هذا الصراع .                  

أضف إلى ذلك ما انتهت اليه البلدان التي شهدت ثورات في “الربيع العربي” ، فقد أثار ذلك مخاوف كبيرة ليس لدى عامة الشعب فقط، بل أيضاً و سط النخبة السياسية، و ذلك بسبب التناقضات و الانقسامات الكبيرة الموجودة في المجتمع .

هناك أيضاً الانقسام الأيديولوجي الكبير بين الإسلاميين من جهة و القوى اليسارية و العلمانية من جهةٍ أُخرى. تقريباً الآن كل القوى الإسلامية ليست في صف الثورة، مع بعض الاستثناءات و التي لا تشكل تياراً كبيراً ولا مؤثراً في الشارع من الإسلاميين. فبالنسبة لعامة الشعب – و بسبب الدور الذي تلعبه دعاية النظام، و أيضاً دعاية و خطاب اليسار و العلمانيين – فالثورة يسارية علمانية ، و هذا يثير مخاوف قطاعات كبيرة جداً من الشعب. و أكبر دليل على ذلك عدم انحياز المساجد لنداءات التظاهر ضد النظام المتكررة، هذا يؤكد وجود فئة تكاد تكون هي سواد الشعب الأعظم خارج صف الثورة .                              

بالطبع هذه الفئة الأخيرة ليست محسوبة على التيار الإسلامي، و هي لا تؤيد النظام في الغالب، و لا ننسى الفئات المذكورة كلها متداخلة و متقاطعة، و أن العوامل المؤثرة على المجموع بالتالي متداخلة و متقاطعة .                      

القوى الطائفية أحياناً مشاركة في خط الثورة، و لكنها أحياناً كثيرة وقفت في صف المهادنة و الحوار مع النظام بل المشاركة و المساندة و الدعم. و يمكن القول إجمالاً أن الشعب لا يثق في الأحزاب المعارضة عموماً، بنفس القدر الذي لا يثق به في النظام و ربما أكبر. و لهذا فإن أحزاب المعارضة غير قادرة على تحريك الشارع في اتجاه الثورة، رغم الغضب الشعبي على النظام. و هذا عامل آخر مهم، و هو غياب البديل المقنع بالنسبة للشعب. فسؤال البديل على الرغم من سذاجته للوهلة الأولى، بل و على الرغم من ما كان ينطوي عليه من جبن و تردد و خبث عندما اندلعت المظاهرات لأول مرة ضد النظام. إلا أنه قد عاد من جديد ليس في أذهان العامة و أنصار النظام و حسب، بل و بكل موضوعية و قوة في أذهان المثقفين أيضاً. فسؤال البديل بات يشمل المعارضة أيضاً إلى جانب النظام !     

لقد برزت إلى الساحة بعض القوى الشبابية و لكنها تعاني من نقص الخبرات بل تعاني من نقص في الكادر البشري كذلك. فقد أثرت هجرات الشباب الكبيرة إلى الخارج في الحراك الشبابي بشكل كبير. القوى الموجودة داخل السودان تعاني من انعدام التنظيم و التخطيط و غياب الرؤية بالتالي. بالإضافة إلى الضغط عليها من قبل الأجهزة الأمنية .

و لما كان تسليط الضوء على الأسباب التي تمنع قيام الثورة كان بغرض معرفتها من أجل الوصول إلى الثورة فإن البحث عن المخرج من هذا الوضع هو الخطوة التالية .                                                                         

إن التغيير أو الإصلاح أو الثورة أيا كان المسمى لن يكون إلا من خلال كل فئات المجتمع و مكوناته. بمعنى أننا لا يمكن أن ندعو إلى تجاوز القوى السياسية أو الاجتماعية التي لا تقف في صف ، أو التي تعيق، الثورة من أجل الوصول للثورة.

في رأيي الخطوة الأولى هي الوصول إلى الكتلة الكافية لقيام أي تغيير أو ثورة كطرف أول كبير و عريض و قوي و متماسك، و في الطرف الآخر بقف النظام و من يتحالف معه. و اذا كان النظام متمترساً في طغيانه و جبروته لا يرى لا يسمع و لا يريد، فإن الطريق مفتوح بين فصائل الشعب و المعارضة المختلفة للحوار و الوقوف صفاً و احداً في مواجهة النظام، فهذا هو الشرط الضروري و الكافي للتغير و الإصلاح أو الثورة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً