ليلة رأس السنة

10857959_380463865456036_6941082135892153067_n

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

آخر أنفاس العام الماضي و أول أنفاس العام الجديد، لحظات يموت فيها زمن و يولد أخر، حيث يحتفل الجميع بفناء سنة و ولادة أخرى، تحت غطاء من الأماني المتبادلة بحظ أوفر و أفضل من الذي أصابهم في العام المنصرم. “زمردة”، رغم أنها وحيدة, لا زوج و لا أهل, فقط هي و شاشة التلفزيون، إلا أنها لم تنقطع يوماَ عن عادة التبضع في ليلة رأس السنة، قطعة الحلوى الكبيرة المزينة بالتوت و عبارة “سنة سعيدة” المكتوبة في منتصفها، بعض من الزينة الملونة، و بالونات. في خضم كل هذا، كثيراً ما تستمتع بمشاهدة بعض الأهالي السعداء و شجرة عيد الميلاد المزينة في وسط المدينة، كل ذلك كان كفيلاً بإبهاجها، ولو قليلاً، رغم أنها لا تعرف ما الحكمة من توشح الشجرة بالكثير من المصابيح الملونة التي تومض بانتظام، و كأنها تراقص الظل الذي ينسحب إلى ما وراء الأحياء المهملة على الجانب الأخر من المدينة.

في ظل لحظات هادئة و بهجة خفية تعم الأماكن، رن هاتفها معلناً وصول رسالة لها تقول:

حبيبتي الغالية, أنا آسف لتركي لك كل هذه المدة, تذكرين أن زوجتي كانت مريضة ( السرطان )، للأسف لقد توفيت و أنا الآن أشعر بالحزن و الوحدة, أنا أحتاج لك كصديقة، أعلم أنني لم أقدم لك الكثير، لكنني لم أنساك أبدًا يا “مرمر” .

لم تدرٍ لم كانت هذه الكلمات ذات وقع سيء عليها، حاولت تناسي الأمر و أكملت ليلتها بشكل عادي، أعدت العصير و أطلقت الموسيقى و حاولت أن تنسى الجميع.

 في غمرت احتفال محتشم مع الذات بالسنة الجديدة، دق جرس الباب، كانت تتوقع كل شيء إلا أن تجده واقفاً خلفه.

-مالذي تفعله هنا؟ سألته بنبرة مرتبكة.

– هل بإمكاني الدخول؟ كان ينظر نحوها بخجل يخالطه التعب.

– هيا ادخل بسرعة قبل أن يلمحك أحد.

شق طريقه نحو الصالة التي تزينت ببعض البالونات و الزينة.

-تحتفلين؟ هل هنالك أحد ما؟ هل جئت في وقت غير مناسب؟

– لا أحد هنا غيري، أزاحت رأسها نحو التلفاز، الرفيق الدائم.

حملق قليلاً حوله, تفحص الأركان و الأثاث، لم يتغير كثيرًا، بعد أكثر من سنتين لازال كل شيء على حاله.

-هل تواعدين أحداً؟ كم واعدتي من رجل بعدي؟ هل…

– و هل أنت هنا لتحقق معي؟ محدقةً فيه بأقسى ما توفرت عليه من نظرات.

جلس و هو يعتذر و يتأسف على حماقته ليعاود تذكيرها بالأيام الخوالي و ما كان…

-أنا حقاً أحبك يا مرمر، و لكنني مذنب، أعلم أنني تركتك بدون أي خبر أو اتصال.. ولكن..ولكن أنا فعلاً..

 جمع كفيه بحيث تشابكت أصبعه مخفيةً فمه، ثم صمت قليلاً، ليعاود الحديث.

 -أنا.. أنا فعلاً أحبك.

– لا يهم، ما دمت هنا، دعنا نحتفل برأس السنة.

*****

طيلة الليلة، كانت تراقبه بعيون حذرة، و ترى كم هُشم وجوده بغياب زوجته. رأت صورتهما معاً في أحد الأيام، كان يريها لها بكل فخر.

لم تكن علاقتها به عبثية، بل مدروسة و معروفة الحدود، كاتفاقية بين دولتين، لم تكن تحفل بحبه لها أو عدمه، لكن سماع كلمة “أحبك” دائمًا ما ترضي غرورها الأنثوي، ربما وجود رجل مثله في حياتها كان يشعرها بالأمان الذي افتقدته دائماً. رغم تعلقها به فلقد كان لوجود زوجته الرمزي بينهما تأثير بالغ، ربما منح لعلاقتهما اتزانًا خاصًا، فلا هما حبيبين و لا هما زوجين. يرتويان من بعضهما حتى آخر نقطة و قبل أن يتخطى أحدهما خط العشق يرن منبه قلبيهما ليعود كليهما إلى حالتهما الأولى من جديد.

 مجرد علاقة عابرة..

“تباً، لماذا أشعر بالحزن عليها وأنا التي كانت تتمنى موتها منذ زمن، لطالما حسدتها على كل شيء تملكه. عملها و تفوقها فيه، زوج ناجح و وسيم، أولاد ناجحون، حياة مثالية. لماذا تموت هي و أنا لازلت على قيد الحياة.. و أي حياة “

  تجتاحها ببطء صورة زوجته صاحبة الابتسامة اللافتة، و هي تجمع الصحون و بقايا العشاء، بينما “مخلص” يغير ملابسه في غرفة النوم، أمعنت و انهمكت في ترتيب الأشياء، و كأنها لا تريد أن تشاركه الفراش مجدداً، بعد أن انتهت من كل شيء لم يكن أمامها إلا الالتحاق به.

كان يبدو رث الثياب، على غير عادته، و رغم ارتدائه منامته التي لم تتبلل بعرقه كثيرًا، إلا أنه يبدو مختلفًا عن ما عهدته، وجهه شاحب و ذقنه غير حليقة، يبدو كعجوز هرم. لا تدري لما شعرت بنفور غير عادي منه.

جلست بجانبه، و بعد تردد، بدأت في مداعبة شعره الأبيض، و كأنها تصففه. أمسك يدها، ثم بدأت بعض الدموع تنساب من عينيه الذابلتين، يحكي و يفرغ كل همه عليها، كاد يجهش بالبكاء عندما ذكر لها كل ما حصل، رحلت العلاج، و الفراغ الذي تركته زوجته بعد موتها، ثم ألقى بنفسه على صدرها باكيًا، كطفل صغير تائه عن والدته.

لطالما نادى زوجته ب”ماما”.

بالكاد سمعت صوتها عندما كانا معا في أحد الأيام، كانت سيارتها معطلة في الطريق السيار، فنبهته بأنها ستتأخر، و بينما يحادث زوجته، كان يلاعب “زمردة” و كأنها طفلته المدللة.

الآن، تنظر نحوه و كأنها لا تعرفه، يبدو مثيراً للشفقة و قد احمرت عيناه من كثرة البكاء.

“لماذا؟ لماذا؟ لماذا أشعر بالضيق؟ إنها فرصتي الذهبية لكي أحصل عليه، لماذا؟”

كان شعورها بالضيق يتعاظم كلما تحققت ظنونها من سبب عودته، تائهة بين أفكار و دوامات من الأحاسيس المتضاربة.

حتى نطق بما كانت تخشاه..

-… و لما لا نتزوج، لطالما أحببت أن تكوني زوجتي.

ساد صمت رهيب، و اتسعت عينيها بنظرات رعب لا ترمش بالسعادة مطلقاً.

-هل أنت جاد؟

– طبعاً!

لاحقاً، اتخذ موضعه من الفراش، ثم غط في نوم عميق تاركاً وراءه زمردته لعاصفة من الأفكار المتضاربة.

*****

الليلة الأولى في السنة الجديدة كان نائماً إلى جانبها كالرضيع، لا يشعر بما حوله، تراقبه كسنور خائف، و تسأل نفسها:

“هل أنا أحب هذا الرجل؟ هو على أعتاب الستين، و أنا في بحر عقدي الثالث، هو أثار الكِبر تزداد عليه و أنا لم يتغير شكلي، و لن يتغير عن قريب، يبدو كوالدي عندما نمشي معاً، حتى زوجته كانت أصغر سناً منه و رغم ذلك كانت تحبه كثيراً.

 سحقاً.. لم أشعر بنيران تلفني و تحرق كل ما حلمت به، أستطيع أن أحل محلها، بل إنني في طريقي نحو اعتلاء عرشها ذو البريق الخاص”

كانت أحياناً لا تعي حوارها الداخلي الذي أخد صوتًا عاليًا و كان بالإمكان أن يسمعه كل من في الغرفة.

في ساعات الفجر الأولى كانت تستسلم لفكرة لم تستطع أن تلفظها خارج دماغها، تحدق بقوة نحو ذاتها في المرآة، و نحو الرجل الهرم النائم في سريرها، كانت تحدق و تستغرق في التحديق، فكرتها مجنونة و لا تمت لعقلها بصلة، لكنها فكرة مغرية، و عندما تزرع فكرة في عقل مضطرب، فغالباً ما تستبد تلك الفكرة بالشخص و تتطور أكثر في كيانه.

في الصباح الباكر، و بينما معظم الناس نائمون في بيوتهم، مرت سحب  رمادية لتملئ الأفق و تزاحم سحب أخرى ذات لون أزرق داكن، كانت “زمردة” في محطة الباص، بدون حقائب، و بتذكرة سفر نحو الجنوب. احتلت مكانها في أحد المقاعد، ممسكةً بتذكرة السفر بقوة، ابتسمت حينما بدأ المطر ينهمر بلطف على المدينة، و قد أخذها الفضول عندما جلس شاب وسيم بجانبها، كان اهتمامه منصب على كتاب بين يديه، عندما سقطت تذكرة سفره و انحنى لالتقطها، تسنى لها معرفة اسم الكتاب و ابتسمت أكثر حينما قرأتها بصوت مسموع..

 “بداية و نهاية”

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً