الرئيسية / احدث التدوينات / ماضغي الرصاص

ماضغي الرصاص

ايمن

      عندما جاء العرب مجتازين الصحراء العظيمة، لم ينتبه أحد إلى حريق حمرتهم، وإلى أعينهم الضيقة وأسنانهم الرصاصية التي غطتها عمامات “الكدمول”. حدث ذلك حينما ظهرت نجمة حمراء من إتجاه الشمال، تبرق بدموية سيتذكرونها فيما بعد على أنها روح الشيخ الأكبر التي دلتهم إلى النهر، حيث نجوا من سلاح المشاة التركي في الحملة الإنتقامية الأولى، والتي من شدة حماقتها قضت على متسابقين يمتطون الحمير بالخلف، كانوا في طريقها بمنتهى البراءة والسذاجة.

      كانت أجسادهم المنهكة تلفظ أضلعهم للخارج، حتى ثنيات عروقهم إمتلأت بالغبار، بإمكانك زراعة ذرة الفتريته بين شقوق أرجلهم، إختبروا السلاح الناري وظنوه فرقعة طبول، بالزغاريد والعوي والعرق في القِرب. كانوا يقفزون على تشكيلات الجند كعرسان جدد، فتتمزق أجسادهم. لقد حظوا بميتات سريعة في الطريق المتأجج بلمعة الذخيرة، خفيفين، مبللين بالأحمر القاني، بعظامهم الناتئة والتي هشمتها المدافع.

     مرت الطلقات النارية من بنادق الباشبوزق، وواصلت في مسار مستقيم، وتجنبت جسد عامر “المسكون”، كان يقف في منتصف الطريق، ثملاً وتلمع عيناه كعيني هر في الظلام، يداه مقيدتين بتمائم، وقيدت قدميه بخوف بالغ، سيتذكره على كل حال عندما يعاقر الخمر، وسيتذكره الجنود بالرجل الذي لا يموت.

     عندما حطت القبيلة ما تبقى منها، بعد أن منيت بالهزيمة في الصحراء، القصة التي يتحاشاها الجميع، بدأت مخاوف عامر تتفتق من كل مكان في جسده، كانت ستصيبه رصاصة في ليلة الشهب المتساقطة، وصار يتحسس جسده كما لو أن كل رصاصة ستنبت فيه كأصيص لحمي.

     في اليوم الأول عندما نصبت الخيام في وادي الجن كانت الرصاصة الأولى في بطنه تنمو كجنين صغير، لدرجة تركته يتصرف كإمرأة حبلى، يشتهي أشياء غير منطقية، كان يرغب في المادة الرمادية اللون، التي في قطع الحديد الصغيرة، الزفرة التي في الدم، إشتهى البارود لدرجة منعه من النوم، في الليل عندما أسرج جمله، غنى للعلب الحديدية القاتلة، فلم يكن يشم شئ غيره. داهم نقطة تفتيش مليئة بالجنود، وأعمل فيهم بسكينه حتى أن صوت الرصاصات المتقطع أوقف نقيق الضفادع وسرق من الليل لمعات سريعة، عُرف فيما بعد بالهمباتي، وكان أول تمرد ضد الغزاة الجدد، سُجل في المحاضر الرسمية.

     كان حقده يصبغ يديه المدميتين كورق الحناء يزداد، الشئ الوحيد الذي لم يتوقف عنه هو إنتزاع أحشاء الرصاص ومضغها، كان يزوي أمام سطوتها، الأصابع النحاسية القادرة على إعادته للحياة، كانت بداخله.

     على الدوام كان يتساءل لماذا لم يمت، قال لعمه المصاب برصاصة في يده: كيف هي؟ بماذا نحس؟، قال عمه العائد من الموت بأعجوبة وهو يشتعل بالحمى: إنها مثل دغدغة مؤلمة.
      في إحدى الليالي، في الفترة التي شفي فيها عمه، وعندما كان ينام عند ربوة قرن الشيطان، رأى بريق نجمة الشمال، كانت النجوم تهوي عند الفجر، إنتابته يقظة تامة وأحس بحكة في حلقه، برغبة في البارود، تذكر شهوته المميتة، والتي خاف أن تنتقل بين خيام القبيلة. إنفك القيد من رجليه وطار من مكانه وحط عند مدخل وادي الجن، شجاعته تلك أوقعت الكثيرين في سحر واقع تخيلي، إخترعوه بأنفسهم و زأرو خلفه، حتى جنود الباشبوزق بدا لهم أنه أكثر راحة لهم الإعتقاد بأنه لا يوجد أشخاص يسكنون وادي الجن، وأنها محض مأمورية ليلية كبيسة إنتابتهم بعد سُكر. في ظلمة تلك الليلة والتي عرفت فيما بعد بماضغي الرصاص، وكمية الرصاص المسكوب وعندما إنبلج الصبح، كان الأطفال والكبار يمصون مفتونين أعقاب الرصاص اللذيذة.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان