الرئيسية / العدد السادس والعشرون / ما بين شهـريار و شهْرزاد

ما بين شهـريار و شهْرزاد

shahrazad1-813x999

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لم تكن يومًا حكاية رجل وإمرأة، بل كانت حكاية أزلية بين الإنسان وحياته على الأرض، أسعدني القدر يومًا بقراءة نقدية لمسرحية “شهرزاد” للكاتب الكبير رحمه الله توفيق الحكيم..لم أنس ما قرأت، ظل في ذاكرتي حتى أسعدني القدر ثانية بقراءة المسرحية نفسها..

المسرحية تتناول الحياة بينهما بعد الليالي الألف، بعد الحكايات وعالم المعرفة الذي دخله شهريار على يد شهرزاد،  شخصيته التي تغيرت وتطورت. هل اختلف شهريار هل أصبح إنسانًا آخر؟؟

 لقد تحول شهريار على يد شهر زاد من مجرد إنسان يسجنه الجسد إلى إنسان ذو عقل مفكر يفتش دائمًا وينقب ليبحث عن المجهول.. انتقل من حالة الطفل اللاًّهي اللاعب بالأشياء إلى حالة المفكر في الأشياء، وظل صراع الرجل والمرأة التي ليست ككل النساء فهي كالطبيعة لم تأتي بالمصادفة..أو كما قال عنها توفيق الحكيم على لسان شهريار: ” هي السجينة في خدرها طول حياتها تعلم بكل ما في الأرض كأنها الأرض! هي التي ما غادرت خميلتها قط تعرف مصر والهند والصين! هي البكر تعرف الرجال كامرأة عاشت ألف عام بين الرجال. وتدرك طبائع الإنسان من سامية وسافلة. هي الصغيرة التي لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء تتحدث عن تدبيرها وغيبها كأنها ربيبة الملائكة وهبطت إلى أعماق الأرض تحكي عن مردتها وشياطينها وممالكهم السفلى العجيبة كأنها بنت الجن. من تكون تلك التي لم تبلغ العشرين قضتها كأترابها في حجرة مسدلة السجف ! ما سرها ! أعمرها عشرون عامًا. أم ليس لها عمر؟ أكانت محبوسة في مكان أم وٌجِدت في كل مكان؟ إن عقلي ليغلي في وعائه يريد أن يعرف… أهي امرأة تلك تلك التي تعلم ما في الطبيعة كأنها الطبيعة؟؟”

لقد حاول أن يفهمها ومن يحاول أن يفهم المرأة يتعب ويحتار.. كان يكره غموضها ويمجه..يضايقه ذلك الحجاب المسدل بينهما.. ولم تزد هي عن أن تسأل باستنكار وهل تحسبك لو زال الحجاب تطيق عشرتي لحظة؟؟؟ إنه سؤال لكل زمان ومكان.. سؤال سيبقى حتى نهاية الزمان.. وتبقى إجابته معلقة بين رجل وامرأة.. هي مثل الطبيعة في فلسفة الحكيم على لسان شهريار.. تلك الطبيعة التي تبدي لنا حسنها وتحجب عنا سرها.

ظل شهريار في حالة التخبط والحيرة يريد أن يعرف من هي تلك المرأة التي غيرت حياته وحولته من “رجل” إلى “إنسان” تخطى حب شهريار لشهرزاد الحب بين الرجل والمرأة وتحول إلى حب إنسان..

بينما على الجانب الآخر كان وزيره قمر وصديقه المقرب إلى نفسه يحب شهرزاد حبًا صامتًا قويًا ولكنه حب “رجل” لامرأة !! كحب القمر للشمس !! هو حب القلب.. هو النصف الآخر لحب شهريار الذي أصبح حب العقل.. هو اكتمال إنسان ينقصه دومًا شيء ما !! ألسنا جميعًا هكذا؟؟ نحتكم إلى أحدهما أكثر العقل أو القلب !! وننسى أننا بكلاهما إنسان كما قال الدوس هكسلي من قبل ( تعلم أن تكون “إنسان” )

وتمضي المسرحية في صراع متصل بين ذلك الباحث عن الحقيقة وذلك العاشق وتلك الغامضة التي يراها قمر إمرأة.. ويراها شهريار كالطبيعة الغامضة !!

يسافر شهريار ويرتحل ليحرر جسده من عقال المكان.. أصابه مرض الرحيل ويريد أن يجوب الأرض حتى يكتشف الأسرار وألا يحبس ذاتيته في حدود المكان.. يغادر الأرض التي هي كالسجن الذي يدور أو كالطبيعة التي لا تفصح عن سرها إلا باللف والدوران..

رأى نفسه كما قال لشهرزاد ” كنت أشعر ولم أكن أعي والآن أنا أعي ولا أشعر بالروح”..

ويرتحل معه قمر الذي يرهقه أن يهجر شهريار شهرزاد التي تتأثر قطعًا لفراقه والانفصال عنه…ولكن شهريار يرى أن تأثر شهرزاد يأتي لانفصال الجسد وابتعاد صاحبه عن المكان.. ولكنه ليس افتقاد الروح أو الحاجة للإدراك. ويرى شهريار أن قمر يُمثل القلب الذي يحب, ولكنه يؤكد له أنه حبه هو لها أكثر رغم جمود قلبه فحب قمر لها مثل حب الفراش للنار التي تلسعه ولا يهرب منها أو يستقل عنها..

ونعود لنرى شهرزاد وقد دبرت حيلة لتكتشف بها لأي مدى تغير شهريار.. فتأتي بعبد أسود! توهمه بالحب وتنتظر اللحظة المناسبة لعودة شهريار حتى يجده في مخدعها.. هي تريد أن تعلم كيف سيتصرف! هل سيقتله ويقتلها كما فعل مع زوجته الأولى.. أم؟؟؟

ولم يدرك العبد أنه جزء من خطتها إلا في النهاية وفي لحظات الختام.. عندما عاد شهريار وقمر من السفر.. واختبأ العبد وراء الستار.. و يجري بين شهريار الذي علم بالمصادفة أن شهرزاد تخونه مع العبد الأسود.. وبعد حوار شائق بينهما يكتشف شهريار وجود العبد.. ويخرج العبد الخائف الذي ينتظر القتل.. ولكن !!!  لا فلقد تغير شهريار لم يقتله.. بل ويطلب منه ألا يمتهن شهرزاد ويطلب العبد منه أن يقتلهما معا فهي من أغوته .. لأنه لا يحب أن يمتهنها أحد!! ربما أدرك شهريار أن في الأمر خدعة!! وربما هو قد تغير بحق, ولكن إلى ماذا؟؟ أهو رجل هالك؟؟ أم إنسان معلق بين السماء والأرض!!

أما قمر فقد قتل نفسه بسيف الجلاد! عندما رأى العبد يخرج من مخدع شهرزاد لأنه رجل لم يتحمل خيانة إمرأة يحبها !! وارتحل شهريار ذلك “الإنسان” التعس من جديد..

وتشرح شهرزاد للعبد ما لا يفهمه فتقول أن شهريار هو ذلك الآدمي الذي استنفذ كل ما في كلمة “جسد” وكل ما في كلمة “مادة” واستحال إلى إنسان يريد الهرب من كل ما هو مادة وجسد ويريد الهرب وهجر الأرض وبلوغ السماء فبقي معلقاً بينهما .. هو نهاية دورة التي تليها بداية جديدة..

الإنسان شعرة في رأس الطبيعة كلما ابيضت نزعتها لأنها تكره الهِرَم كي تعود من جديد فتية قوية، أما قمر فلم يعد يؤمن بشهرزاد فمات.. لقد كان قمر مجرد “رجل”

أما شهريار فهو “إنسان” معلق بين السماء والأرض.. رحل ليولد من جديد غضًا نديًا.. لأن القديم هو مجرد شعرة بيضاء قد نُزِعَت..

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً