الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: ما هي القيم التي ستشكل الوضع الجديد في الشرق الأوسط؟

ترجمات خاصة: ما هي القيم التي ستشكل الوضع الجديد في الشرق الأوسط؟

الشرق الوسط

بقلم: زكريا كورشون*

ترجمها عن التركية: صبحي آدم

      في الآونة الأخيرة كل الأبحاث والتحليلات المناقشة للشرق الأوسط صارت تتمركزت حول أدعاء أن هنالك نظام جديد يتشكل،  لكن بدلاً من مناقشة تشكل نظام جديد من عدمه في الشرق الأوسط، ينبغي الوقوف عند حقيقة أن بناة النظام القديم في الشرق الأوسط كانوا قد اعتمدوا تدابير خشنة، ومارسوا سياسة منتجة للنزاعات، وكانوا أكثر ميلاً لتقسيم المنطقة لوحدات جزئية صغيرة، في الواقع عند النظر بمنظور تاريخي يُلاحظ أن منطقة الشرق الأوسط مع كل أزمة يتم تشكيلها من جديد، لكن بين كل هذه التشكلات الجديدة هنالك عناصر جيوسياسية ثابتة ومحافظة على إستمراريتها.

      ربما لم يفكر الجنرال الأمريكي ماهان حين ابتدع مصطلح الشرق الأوسط في بدايات القرن العشرين أن المصطلح سيحوز هذه الأهمية مستقبلاً، ولكن بريطانيا الكبرى كانت قد ربطت مستقبلها بجغرافية الشرق الأوسط. ويمكن القول أنه لفترة معينة كان الأمر كذلك. بعد استحداث ماهان لهذا المصطلح، كانت الدولة العثمانية التي حكمت المنطقة لعصور صارت تاريخاً، وأصبحت المنطقة فريسة هنية أمام منافع بناة النظام الجديد آنذاك، وفقدت تلك الجغرافية  وحدتها السياسية التي استمرت لعصور وأصبحت منطقة تشارك لبناة النظام الجديد، لكن رغم كل هذه التغييرات بدأت بريطانيا بالإنسحاب تدريجياً من المنطقة قبل أن يبلغ وجودها الفعلي هناك نصف القرن.

      هذه المنطقة التي تمثل مولد الحضارات وتتقاطع فيها منابع المياه وتوجد بها موارد الطاقة التي تغذي النظام الصناعي العالمي هي نعمة لا يمكن الإستغناء عنها بالنسبة لعالم مبني على أساس القيم المادية، لكن ليست هي باللقمة السائغة لهذه الدرجة كما يظن، حتى لو كان عيون الجميع منصوب نحو منطقة الشرق الأوسط وخيراتها إلا أن هنالك إرث تاريخي يشكل البنية الجيوسياسية للإقليم. لا سيما مع تزايد الإدعاءات حول المنطقة في القرن الأخير نلاحظ أن جغرافية الشرق الأوسط تتشكل من جديد في كل ربع قرن.

البنية الجيوسياسية المتغيرة في الشرق الأوسط

      في ربع الأول من القرن العشرين وضعت تقريباً كل المنطقة بإستثناء العربية السعودية وتركيا تحت الحماية والانتداب الإنجيلزي وقسماً الفرنسي، وكان هذه الوضع هو المرحلة الأولى لفترة ما بعد الدولة العثمانية في المنطقة، والذي سيستمر إلى الحرب العالمية الثانية. وكانت تلك الفترة فترة ترويض سكان المنطقة للإستعباد والسعي لتغيير البنية الإجتماعية للمنطقة. ما بعد الحرب العالمية الثانية في الوقت الذي كان يتشارك فيه العالم ذو القطبين المنطقة، ومع تأسيس إسرائيل أخذت المنطقة شكلها الجيوسياسي الثاني. حيث يتصادف تأسيس إسرائيل مع إنسحاب الإنجيلز من المنطقة وترك الساحة للأمريكان. وهذه الفترة الجديدة جلبت معها عدد من الإجراءات المتناقضة.

      كانت شعوب المنطقة والتي تخلصت من الإنتداب ونالت إستقلالها إسمياً قد فُصمت من تاريخها، ووقع على عاتقهم تحمل تغييرات القرن التالي. وبعد خروج الإنتداب وتقلص الحماية الخارجية، وجد شعوب المنطقة أنفسهم في صلب الصراع العربي – الإسرائيلي. حيث كانت هذه هي المرحلة الثالثة والتي استمرت لربع قرن شهدت حرب الـ 67 والـ 73 ونتيجة للهزائم في تلك الحربين تم الدخول في مرحلة جديدة. وهذه المرحلة توَجت بإتفاقية كامب ديفيد والتي صاغت مشروعية إسرائيل لكنها مع ذلك خلقت معها وضعاً جديداً.

      منذ ذلك التاريخ لم تعد قضية فلسطين مجرد قضية عربية بل صارت قضية كل المسلمين، وايضاً نمت فكرة أن السلام العالمي مرتبط بهذه المسألة إرتباطاً وثيقاً. مناقشة ومراجعة هذه البنيات والقيم المتعشعشة في المنطقة لربع قرن من الزمان تحتاج لربع قرن آخر، فكل القرارات الدولية المرتبطة بالمسألة والادعاءات المتعلقة بها يجب مراجعتها من جديد.

القيم الجيوسياسية غير المتغيرة والنظام الجديد

      دخل النظام العالمي القرن الـ21 بعدة مشاكل, مع سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الشرقي لم يكن هنالك من يحول بين المعسكر الغربي واستخدام القوة كما أنه لم يكن هناك حلاً آخر، حيث أن أكبر هزة ضربت جغرافية الشرق الأوسط كانت إحتلال العراق الظالم. لكن هذا الوضع على عكس ما هو منتظر، تسبب في ضعف الهالة والاعتبار الأمريكيين، وسقطت أحلام السيطرة الإمريكية في الماء، ومن هنا بدأت المرحلة الرابعة. هذا يعني أن البريستيج الأمريكي لم يستمر أكثر من البريطاني في المنطقة. لذلك تم العمل على بناء الوضع الجديد ليس على أساس توحيد المنطقة بل على أساس الصراع والتنازع.

      الأعمدة المكونة للمنطقة من اثنيات وأديان ومذاهب وأيضاً المكونات الإيدولوجيا الحديثة، تم استخدامها كبدائل لبعض وتم دعم بعضها ضد الآخر مما خلق الوضع المتصارع الذي نعيشه اليوم. بالمقابل تم استهداف تركيا التي تؤمن أن الحل في توحيد المنطقة وليس في الإنقسام والتحارب، وعلينا أن ننظر إلى حزب العمال الكردستاني المدعوم من الخارج وامتدادته وداعش وتحركاتها وتحريضاتها ضد تركيا وتلك الإجراءات شمال العراق من هذه الزواية.

      نعم نحن نمر بمرحلة صعبة وحرجة، حيث يتم تجهيز المنطقة لوضع جديد، لكن في منطقة الشرق الأوسط رغم كل التغييرات هنالك وضع جيوسياسي لا يتغير. وهذا ليس على إرتباط فقط بالجغرافيا والتاريخ ولكن في نفس الوقت على صلة بالبنية الإجتماعية للمنطقة.

      البنيات القديمة للمنطقة والتي هي منبع الحضارات فيها وما أنتجته من واقع جيوسياسي غير متغير هي السبب الرئيسي في فشل النظام المبني في القرن الأخير في أن يتطور لحضارة بديلة تنتج إستقراراً, ويمكن أن نلخص ذلك في عبارات أحمد عبد المجيد متصرف القدس العثماني في رسالة كتبها لنظارة الداخلية في إسطنبول في سنة 1913. حينما كان يوضح أسباب تركيز العالم على هذه المنطقة بعيداً عن كل المتغيرات قال هذه العبارة “هنا معبر موسى، هنا مهد عيسي، هنا مكان معرج محمد”

     بإختصار فليبنى ما يبنى من نظام، فلتطبق ما تطبق من إستراتيجيات فإن مستقبل منطقة الشرق الأوسط مرتبط بالقيم التي ذكَرنا إياها عبد المجيد، والمنطقة سوف تبنى من جديد على يد المؤمنين بهذه القيم، رغم كل هذه المشاهد السالبة والظروف الصعبة فإن الـ 15 عام المقبل حبلى بذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب ومؤرخ تركي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة