الرئيسية / احدث التدوينات / متاهة اللغة: الفلسفة الساحقة – فتجنشتاين (3)

متاهة اللغة: الفلسفة الساحقة – فتجنشتاين (3)

محمد حامد

الصندوق بلا تخفيضِ يضيع…

هل يوجد متسع لمتاهة اللغة؟ هل لكل لغة حية قوة ساحقة؟

حين تشعر بالضيقِ من التحدث تبادر بالفرار، تتجنب الكلام وتعاشر الإصغاء مراراً وتكراراً، ولعله السبب غير المشروح لعقلنا الواعي في كوننا نمتلك فم واحد وأذنين اثنتين لنمتهن الإصغاء والاستماع أكثر.

الحديث ابتكار تلاحقي يأتي بعد ميلاد الأحرف وتناسلها بداهة مع المعاني، والكلام هو ملحمة الصانعين لفن التعبيرِ، أما الغاية المشروعة فهي وجود الرغبة الراصنة في ابتداع الكتابة لنخيط لما نستخدم اللغة بإمكانياتها الكبيرة لنصنع مساراً يتيح لنا فسحة التواصلِ معنا ومع غيرنا من المحيط الخارجي.

وكلما شاع وكبر الاستخدام لكتائب اللغة كلما تعاظمت قوتها وغدت ساحقة وقوية بداخلنا، وما التواصل الحق إلا حقيقة الموقف بين الإنسان الحي والآخر الصامت كيفية التعرف على تطويع مسابير اللغة لتصبح قادرة على تصوير ما يضخ بجوفنا من أهازيج وأفراح وأحزان خرقة.

حتى عمدية الفرار لا تصبح إلا ممكنة إلا بالكلمات.

لكل لغة قالب فجائي محمول على المعاني، وهو ما هو يرتكز على مبدأ الإفصاح بمكنون اللغة، القالب لا يستتر ولا يتغير إلا بفعل لغوي عادل ما بين الهجائية باللغة ومعانيها، وكل لغة غير ثابتة في وسطية المعاني، إذ لا يوجد ما يسمى بالبعد اللغوي، وإنما المعنى اللغوي وهو الخام الصرف لأي لغة إذ يتحكم في كل أجزاء القالب المحدد، وكما تم التعريف به والتسليم بحقيقته فإن كل لغة لا تستطيع الازدهار إلا بقوالبها النحوية.

متــــــاهة اللغة هي حيز اللغة..

ولعل قوة اللغة تكمن في بهاء معانيها وتعددية الاستخدام المتاح لها..

هل يمكن استهلاك اللغة دونما إزعاج؟

هل تتجاوز اللغة الحواجز؟

أسئلة حائرة ثرة بمحتواها الفضولي، كل سؤال يخلف ورائه محنة متجددة، يستحث على الصمت المتقن لإيجاد الإجابة عليه، بعض التساؤلات مهلكة وكريهة ويستحسن تركها بلا إجابة على طول المدى.

المعنى هو ماعون اللغة…

لنتفق فقط على أنه توجد لغة أخرى تخالف المفردة العادية…

لغة وحيدة عارية وفاضحة…

لغة حبلى بيّ وبكم وبكل الصفات الغيبية..

لغة مغامرة وجريئة لحد الشهقة الخارجة من لهاة الحلق..

اختناق..

صراع..

تفككٌ ونزاعُ أبدي ما بين التشكيل والرتبة الأحادية من اللون..

لغة الفلسفة الوحيدة..

العالم الافتراضي يهلك حدوده ويطمس أفكاره في قبو المجهول من العدم…

فهل ما يقصده العالم اللغوي هو نشوء المتاهة في غياب الفلسفة اللغوية؟

حين لا توجد إلا معالم أحادية الجانب والمظهر والنمط والصوت والنبرة واللهجة والملمح وموت القادم من بعد فوات اللغة..

إذاً ما هي علاقة فلسفة اللغة بمنطقها؟

ماعون الكلمة هو المحتوى اللغوي لها، بمختلف طرائق الاستخدام وذرائع التنويع المتاحة، فقد يختلف الأسلوب المستخدم وبذا يتغير النمط اللغوي، وكل ذلك بمنطق مغاير لكل فلسفة معهودة لتلك اللغة، لكن القالب العام هو ما يظل موجوداً ومعاشاً ومتغلفاً بمحتوى المعنى العام لكل كلمة دارجة ومعمول بها.

وكمفهوم عام داخلي لفتجنشتاين رغم المعارضة الشديدة والامتعاض المعروف الذي تلقاه فيلسوفنا وكذلك فلسفته داخل انجلترا من فلاسفة كبار على شاكلة الفيلسوف المعروف كارل بوبر Karl popper ، وكمدخل لفهم هذه الفلسفة اللغوية الخاصة يمكن القول بأن نقطة البداية فيها هي على النحو التالي:

الرفض أو الإنكار التام لثلاث مسلمات أساسية في الذرية المنطقية (التي يمثلها برتراند رسل ولودفيج فنجشتين في المرحلة الأولى للفلسفة الحديثة). المسلمة الأولى هنا هي أن الغرض الأساسي وهو كمفهوم شائع ومقبول به في اللغة هو استخدامها لتقرير وقائع Facts عن العالم الحديث المعاصر، والثانية هي أن الجمل اللغوية تبدو كصور pictures لما يتواجد على أرضية الواقع والوقائع.

هذه القابلية في اللغة هي التي تعطيها القدرة على الإشارة إلى العلم، كجانبينِ يترافقا مع بعضهما بصورة ما أو بأخرى مسلم بها وبادئة في باقي الجوانب الافتراضية، أو هي التي تعطي الجمل معنى Meaning ، إذن فالجمل هنا بالشكل الداخلي كتركيب لغوي بحت ومحدد تأخذ معناها بطريقة واحدة وذلك بتصويرها لوقائع.

المسلمة الثالثة أن أية لغة لا بد أن تكون لها بُنية Structure تظهر هذه البنية وتبرز في أشكال القضايا التي نجدها في المنطق الرياضي الحديث.

البنيات التي نجدها في المنطق الحديث هي أساسًا البنية التي لأي لغة، في إنكاره للمسلمة الأولى يرى فتجنشتين أننا لو لاحظنا اللغة لوجدناها تستخدم لأداء أغراض متعددة. يستخدم الناس الكلمات للوصف وللتعبير عن رغبات ولإعطاء أوامر وللترجمة ولقص القصص وللتمثيل والسؤال والشكر والسباب والتحية والدعاء الخ…. هناك عدد لا يحصى من الجمل و أنواعها ، وعدد لا يحصى من استخداماتها . لكن هل هناك شيء مشترك بين كل هذه الاستخدامات ؟ أو هل هناك استخدام أساسي موجود فيها كلها في رأي فتجنشتاين ليس هناك عنصر مشترك بين استخدامات اللغة المتعددة ، و إن كانت هناك سلسلة من علاقات بينها.

ينكر فتجنشتاين المسلمة الثانية القائلة بأن الكلمات تأخذ معناها بتصويرها للوقائع، لعل هذا راجع لأن البعض يتصور تعلم اللغة بأنه عملية وضع أسماء للإشارة إلى موضوعات، لكن هناك ما لا يحصى من الكلمات التي لا يمكن أن تكون اسمًا لشيء ما حتى وإن لم يحمل أسماً أو وصفاً.

شرح المعنى لا يجول بخاطر القارئ النهم، الفيلسوف هو العين الأخرى للنظر في قالب جميع الأشياء.

كل ما يستخدم للتعبير هو مغلف بمنطق اللغة وداخل متاهتها الكبيرة، وكما قلنا سابقاً أن منطق اللغة يكمن في قالبها الواضح، أما خضابها المتلون بمعانيها فهو الوجه الحقيقي لها بما يحمله من ألوانها المنمقة، زراعة العبارات بداخل النص اللغوي، تسبقها عملية النثر اللغوي، بحيث يتم حفظ المعنى الحقيقي بجانب زخم اللغة أما حيز العبارات ذاتها فهو كالجلد المدبوغ بالألوان والرسمات البهيجة لمحتواها البارق بالشكل الخارجي لما يبدو عليه من فقه اللغة المستخدمة.

ولعل الحاجة هنا تبدو جلية لتعريف فقه اللغة، وهو ما يعرف بجميع ضوابط الحديث حيث لا بد من وضع ضوابط تربط المعنى بالكلام.

وكما يبدو فإن لكل لغة فقه يرتبط بقواعده الخاصة وفلسفته الواضحة حتى وإن غاب التفسير الأعم بين السطور أو بين ما حمله المعنى بقصد أو من غيره، ولذا فان اللغة هي جسم الحديث الحي، وكل ما يخرج منها هو لتصوير وتقريب المعنى من بعد الإفصاح بالفقه العام لمسار مخارج اللغة المستخدمة، هو كما يراه فتجنشتاين كتصوير حي ومثالي للقيمة اللغوية في واقع فلسفتها الحالية.

وكمثال محدود هنا كأن تقوم باستخدام ملايين الجمل والتراكيب اللغوية، لاستنباط عبارات المعنى في حلقات متصلة من مليارات المعاني المختلفة لكل جملة على حدا، وهو ما يتجدد الحديث عنه في مقال لاحق بإذن الله عن وجوب المنطق الثابت لكل لغة.

وحين تقول كتبت الحديث على ورقة ما بلا تحديد لغرض ذاك الحديثِ، فان القارئ يغدو محتاراً ومثاراً لتفهم الفكرة المحتملة لذلك الحديث حتى وإن بعد المعنى عن مخيلته أو أختفى تماماً عن خياله اللغوي. وغالباً فان الكاتب يعي غياب ذهنية المتابع لما يكتبه، ولذا تجد عموم الكتبة يبذلون الجهد الخام في توضيح لون ونمط وشكل وغرض كتابتهم للقاريء، وبذا فان الكاتب يكن قد وثق لفكرة بسيطة بملء التعبير المتاح له في فلسفته الذاتية، الا وهي التعبير بما تحمله الصورة في خيال المتابع.

ونختم مقالنا بجزئية هامة وهي أن فلسفة اللغة هي الاجتهاد البياني لعكس قالب المنطق اللغوي في الفلسفة الحديثة، وحتى لا يغيب الأمر عن ذهنية المتابع، فإن اللغة تسعى لربط خيال الكاتب بواقعه الحي، وهو السعي الأصلي لكل قوالب اللغات الحية المنتشرة في كل بقاع الكرة الأرضية، وكما يقول فتجنشتاين فإن اللغة هي المعنى، ونقول أن خضاب مراتب تكوين اللغة قد ينشأ بعيداً عن بيت اللغة لكنه يتطور وينمو في ظل كنفها وتحت سيقانها النحوية، وهو كما يبدو لنا كالمتاهة اللغوية حتى وإن لم نستوعب الأمر بمنطقه بكل أدواته وأشكاله.

الصندوق بلا تخفيضِ يضيع…

ولكل لغة قالب يحتل مساحة الصندوق ولا يحاصر معانيها، وإنما يخلق بداخله مساحة شائكة لمتاهة خفية تتسع لمنطقها.

فهل تغدو متــــــاهة اللغة هي حيز اللغة؟

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان