محطـات

mht_qtr.jpg

هاشم صالح :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

يا هذا..النملة تسير بمحاذاة الحافلة التي تقلني ، الطريق ممل جداً ، والطقس حانق ، حتى أحالني إلى كومة ماء نتنة . أما السيدة التي لا تكف عن إلقاء رأسها الثقيل على كتفي ، وشخيرها يملأ المقاعد الضيقة ، تحمل بيدها حقيبة بها كيس فضولي ، يطل كقطة مدللة .

المهم تلصصت عليه ، لأني لوهلة شعرت بأنه قطع سكر لهذه العجوز ، ويجب أن أجد خطة لفتحه أو اختراقه، ومن ثم أخذ شيء منه ، ونثره من النافذة حتى أريح النملة البطيئة من مشوار البحث والتنقيب.

وكم وقتها سأبدو سعيداً عندما تلوح لي فرحة ، وهي تتدحرج لمخبئها فرحة بقطعة السكر ، وأطفالها الجياع الذين طال بهم الانتظار .

لكني فعلاً فشلت في استدراج يدي، وأجبرت على أن أصبر ، أو أن أشغل نفسي بهكذا طريقة، وكل الطرق تؤدي إلى الجلوس مقرفصا، بضيق وتزمت ، من صنع هذا المقعد غبي ، من قام باستيراد هذه المركبة لا يهمه سوى المكاسب، من فتح لهم باب البلاد المنهكة هذه ليفعلوا بنا ما يشاءون كأن هاهنا موطن أقزام ؟

يااه من سفلت هذه الطرق ؟ ومن خلق هذا الاعوجاج ، الانحدار المقيت ، الكاسر لعظم الجسد هذا؟ وكيف لا يكسر جسد بات يتآكل من شدة التفكير والتدبير ؟

*

من ﺗﺮﻙ ﺣﺒﺎﺋﻞ ﺍﻟﺜﺮﺛﺮﺓ ﺗﻤﻸ ﺍﻟﻤﺮﻛﺒﺎﺕ ﻭﺃﺭﺻﻔﺔ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ؟ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﺪﻭ ﻛﺎﻟﺤﺔ و ﺟﺎﺋﻌﺔ ، حتى تظن أن كل ﺍلأﻓﻮاﻩ ﺗﻜﺎﺩ ﺗﻠﺘﻬﻢ ﺍﻟﻘﻮﻝ ، ﺇﺫ ﻻ ﺃﺣﺪ ﻳﺼﻐﻲ . ﺍﻟﻄﻨﻴﻦ ﻳﻌﺒﺊ ﺍﻟﻄﺮﻗﺎﺕ ﻀﺠﺮا ،ً ﺍﻟﺼﺪى ﻳﻜﺎﺩ ﻳﻬﺰ هذه الغابة الإسمنتية .

ﺧﻄﻮﺕُ ﻭﺳﻂ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻮﻗﺔ ، أُﺭﺗﻞ ﺻﻤتاً ﻣﻜﺒلاً , أﻣﺎ ﺃﺫﻧﺎﻱ ﻓﻘد ﺗﺮﻛﺘﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺖ ، ﻭبدا لي كأن ﺍﻟﺤﺸﻮﺩ ﺗﺘﺮﺻﺪﻧﻲ … ﻧﻌﻢ ﺃﺣﺲ ﺫﻟﻚ ,ﺍﻟﻤﻬﻢ أﻧﻲ ﻭاﺻﻠﺖ ﺑاﺗﺠﺎﻩ ﻣﺎ أﺭﻳﺪ ، ﺃﻗﺎﻭﻡ ﺍﻟﺘﺨﺒﻂ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺪﺙ ، ﺍﻟﺘﺬﺑﺬﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻴﻖ الخطى وكأني أﺳﺒﺢ ﺿﺪ ﺗﻴﺎﺭ جارف ، ﺍﻟﺬﻫﺐ ﻳﺒﺮﻕ ﻓﻲ ﻭﺟﻬﻲ ، ﺍﻟﺤﻔﺎﺓ ﻳﺤﺎﻭﻟﻮﻥ ﺍﻹﺣﺘﻴﺎﻝ ﻋﻠﻲ , ﺍﻟﺠﻤﻴﻼﺕ ﺃﺭﺩﻥ أن ﻳﻈﻔﺮﻥ بابتسامة , ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍلأﺷﻘﻴﺎﺀ اﻟﺘﻔﻮا ﺣﻮﻟﻲ ﺣتى ﻳنالوا عطفي ؛ الممحو من قِبل الزمن . ﺃﻛﺮﻩ ﻣﻦ ﻳﺴﻮﺱ ﻫﺬا ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ، ﻣﻦ ﻳُﻄﻠﻖ ﻋﻨﺎﻥ ﺍﻷﻛﺎﺫﻳﺐ ويضع مساحيق أمل باهتة على أحلام هؤلاء ، ﺛﻢ ﻳﺠﻌﻠﻬﺎ ﺗﺴﺒﺢ ﺧﺎﺋﺮﺓ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﺎﺋﺮﻳﻦ ، ﺍﻟﺒﺎحثون ﻋﻦ فسحة بطاقات صبر لا تحتمل ، ﻋﻦ ﺷﻲﺀ ﻳﺨﻔﻒ ﻋﺐﺀ ﻫﻤﻬﻢ .

ﺟﺎﻝ ﻧﻈﺮﻱ ، ﺑﻮﺟﻞ ﻣﻦ ﻭﻋلى ﻫﺆﻻﺀ ، حتى ﺗﻤﺰﻕ ﻗﻠﺒﻲ ، ﻭﺍﺑﺘﻞ ﻭﺟﻬﻲ ، ﻭﺛﻘﻠﺖ ﺧﻄﻮﺗﻲ ، ﻭﺗﻀﺨﻢ جسدي ، تضخم الحزن ، تضخم الحرف .

*

كانت تتسكع في طرقات وأزقة سوق المدينة ، تمد يد الحوجة للعابرين والجالسين ، تلك البنت اليافعة مثلها مثل آلاف الذين يمارسون عادة التسول حتى احتجب عطف الناس عنهم ، لفـتت نظري ؛ ذات فستان قـديم وخمار باهت ، إذ تنتعل جـزمة رجاليـة تبدو أكبر مقاساً ، تلمـع رغم الأتربة والغبار الذي تولده الأقدام المتـدافعـة ، كانت تنحني بين الفينة والأخرى لتمسح ما علق عليه ، حتى أني بدأت ألحظ فيه بريقاً غير عادي ،حيث بدا الحذاء كما المرآة، يعكس في صفحته أقدام كل من حوله – أولئك الثرثارين في حركتهم الدءوبة. هذا ما جعلني أدخـل يدي في جيبـي وأفديها من جنيهاتي المحسوبة مسبقاً ..

تناولتها مسرعة كقطة جائعة تنقض على قطعة لحم ، لم تشكرني أو تمنحني دعوة صالحة ، إلا أنها انحنت لحذائها البراق ومسحته بخرقة قماش في يدها.

بدا لي هذا كأنه مجرد هوس كانت مصابة به. لكن ربما هي أدركت إعجابي بنفضها الحذاء بين كل رأس خطوة وأخرى ، ابتسمتُ وغادرتها.

*

لفتني رجل يـدنو بوجهه على الأرض ، مظهره أغبـر ذا ثيـاب رثـة يوحي بأنه فاقد لصوابه أو ما هو أصح “مجنـون”

المهم في كل ذلك انه كان كظمآن آتى من صحراء ، كان يشرب من مـاء مجري وسط سوق المدينة التي تعج بالأتربة وأدخنـة عـوادم السيارات وفوضى الأرجل التي تحس أنها متناحرة عندما تلاحظ لخُطي العابـرين والمتقاطعين فوق هذا المجنون

وهو لا يكترث بكل زخم المكان ودهشة الجمع إذ كيف يطفئ عطشه بمـاء آسن كهذا..؟

بالفعل استغربت أنا كذلك مثلي مثل الكل،لكنه عندما أحس بالارتواء نهض دون حتى أن ينفض التراب الذي التصق به وواصل هائماً ،تابعت خطواته المترنحة حتى ابتلعته الزحمة،وتوقعي للحظة سقوطه متسمما ، ثم ومشدوداً والحشود كما الموج الهادر الممزوج ، من الصعب أن تحدد ملامح احدهم أو إحداهن ، قلت : جدوى الحياة مكتسبة من جدوى الأشياء وهم، جدوى المكان فكرة،صحة الأشياء كذلك صنعة ، والاعتياد هو كل شيء من أي شيء

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً