الرئيسية / العدد الثالث والثلاثون / مخاض تحت شجرة الفراولة

مخاض تحت شجرة الفراولة

11846413_460381804142540_1772328841_n (1)

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

لن  أحدثكم  عن  طفولتي  أقصد  كنت  فتاة  بيضاء  شقراء  وطيبة , كنت جميلة كحبة ثلج  , (كفراشة تحلق قرب نافذتي في الصباح) وهذا وصف أول  من أحببته , أتذكر  عبارته هذه , همس لي بها  بالقرب من سيارته كاديلاك ديفيل ,التي  جربت  فيها الحب للأول مرة . لن أحدثكم عن طفولتي ؛ لأنها  كانت طفولة عادية أب  يحبني , أم تقرأ  لي  قصة عن أمير  وسيم  يهزم  تنين  بشع  هائل  له  عشرات الأنياب بالإضافة  لكرات  اللهب  وليس  للأمير  إلا  سيفه  ودرعه  الحديدي  .

سوف أحدثكم  عن أشياء موجودة  في عقلي بالكاد  تخرج  لحتفها ,بمعنى تخرج  للضوء  فهي  كائنات تخشى النور  كالخفافيش , و  لها  ضجيج  عال  في عقلي , أحياناً  أشعر  بأن رأسي عبارة عن كهوف  مليئة  بخفافيش الفاكهة المزعجة والجبانة .

منذ  الأن  , أنا أشعر  بالصداع  , ولا أعرف  من أين  أبدأ  في البدء كانت الكلمة  وأنا  أحب  الكلمة  ولكني  أكره المدرسة التي تعلمت فيها الكلمات ،أكره  أثاثها  , لون الكتب , تسريحات الصبيان الغبية , ملابس زميلتي  الغير مواكبة  للموضة , المعلمون حين ينظرون إلينا  ويتذكرون ماضيهم .

أكرهها  ولكني  أحبها  , فقد  أتاحت  لي أن أكون مشهورة  فيها .فما أن أدخل إليها حتى  يسود الصمت  في المكان  فالجميع  مشغولين  برؤيتي وأنا أمشي  في  الرواق , من  كان  يتكلم  يصمت  ومن كان يصمت  يتكلم ومن كان منتبها  يلفت الذي لم  يكن منتبها  .! باختصار  كنت صبية جميلة  والجميع يرغب في صحبتي .

 ولكني  لم أكن غبية  أيضاً , فلم  يلفت انتباهي ,  إلا هو كان  شرساً  شريراً  وغد حقيقي .لكني  أحببته  وكان  قبيحاً  أيضاً  ورغم  ذلك  أحببته  . كان  يسيء  معاملتي  ورغم  ذلك  أحبه . الحب  ضرب من الجنون  كما أخبرني  هو  . أنت مجنونة  أتركيني وشأني !

لكني  أعلم  بأني  لو  تركته فإنه  لن  يتركني . كان الرجل الوحيد الذي إذا  رأيته  تزداد  ضربات  قلبي , الرجل  الوحيد  الذي أشعر  كلما  إقتربت منه  بأني  خفيفة  مثل  غمامة  .

أذكر  أول  مرة رأيته  فيها  , كان  يعبث بخزانتي , قلت  له  :  ماذا تفعل  هذه  خزانتي  ؟، قال  وهو  يرتب  حاجياته من غير أن  ينظر  إلي : السكرتيرة التافهة أعطتني  مفتاح  هذه الخزنة ؟

ولما  صرخت : لكنها  خزانتي أنا  .! أغلق  بابها  بعنف وشتمني   بشدة ,ثم  بصق على الأرض بقرف , شعرت وكأني  تلك  البصقة اللعينة  . ثم إكتشفت  بأن قلبي يخفق بشدة من الخوف . ثم  بدأت أتحاشى  أن أنظر  إليه !

 عندما يمشي   بالقرب مني   بسترته الجلدية الخضراء  وحذائه  الكبير  أخفض  بصري  حتى  لا أرى عينيه الشرستين مثل عيني كلب .

ثم ذات  يوم   صادفته في السوق  , كنت أقف على رؤوس أصابعي  أحاول أن أصل  لرف فيه نوع رخيص من الصابون .ثم  شعرت  به  يقف خلفي تماماً ,غمرني  بحضوره الثقيل , كففت عن أي  حركة , وخفت أن يسمع دقات  قلبي ,لم أكن  خائفة  لكن  مثارة ,مثارة مثل حمامة ! تمنيت  لو  يضع يده الكبيرة  على كتفي ,و أن يعضني من الخلف كمصاص دماء .

لكنه أنزل  لي  الصابون . قلت  له  :  شكراً.  إلتفت  إلي  باسماُ . كانت  تلك  أجمل  ابتسامة  رأيتها  في  حياتي  . ابتسامته  جعلتني  أنسى كل ما فعله  !  وأصبحت أشتري  من  نفس  المتجر  الذي  يشتري  منه  علب السجائر والعلكة  وصحف خاصة  بالسيارات . ذات  يوم صبغت  شعري  بالأسود  , أظافري  بالأسود , اشتريت  فستاناً أسود , حذاء أسود , وكنت أمسك  بيدي  كتاب أسود , كان  ذلك  في عيد  الهالوين  . فنظر  إلي  وقال : تعجبينني  !

ثم دعاني  لرفقته  . كان أكبر مني  سناً , يحب الكلمات كثيراً , يقرأ  باستمرار ,يكره المدرسة مثلي ,يكره  كل  شيء  فيها  إلا المكتبة  .من أجله  أصبحت أحب المكتبة  .

أخبرني  أنه  يخطط   لأن  يعيش  حراً . الحياة أقصر من أن  أضيعها  في  مؤسسات التعليم  الحكومي  . سوف أتعلم  ما  أحتاجه  . وأخذ المال الذي  يكفيني ليومي  فقط  .

كنت دائماُ معه ؛أرافقه كظله , أصبحنا  مزيجاُ من كلينا , أخذت منه فوضاه وأخذ مني  لطفه , لم يعد ذلك الرجل الذي  يلعن  كل شيء !

وأصبحنا  ناضجين  إلى  الحد  الذي نساعد فيه  أبوينا لتناول أدويتهم .رغم حضورنا المثالي واللطيف نوعاً ما كحضور إنسان نباتي في مزرعة للخراف , لم  نكن اجتماعيين  أبداً. ليس بسبب قصور  في التواصل  بل ؛لأن  كل  منا  لم يسمح  للأخر  بتكوين صدقات جديدة  , كنت كل شيء حوله وكذلك  كان هو  .

كنت أتبعه كظله كما أخبرتكم , أنام  معه  في الشارع  , أتناول معه الطعام في  مطعم  بسيط , أقرأ  ما يشتريه من كتب , ألبس ما يرتديه من ملابس , أحياناُ كنت أرتدي أقمصته فيقول : هي  عليك أجمل  .!

كان كلما  ابتسمت في وجه طفل  يقول لي : حبيبتي  لسنا  مستعدين لتربية طفل  .!  كان من الصعب  علي  أن أحبل  باستمرار  وأن أجهض باستمرار ذلك كان  يرهقني  جسدياً ونفسياً  .

لم يكن المال  يهمنا  كثيراُ , فنحن  لا نحتاج  إلى الكثير, لا نحتاج  لأن  نشتري  تلفازاُ أو مذياعاُ , ولا نقرأ الصحف . لا نحتاج  لأن  نستأجر غرفة  , في  الصيف  ننام  بجوار السيارة وفي الشتاء  ننام  داخلها  .

لماذا  نفعل  ذلك  ؟ هل  نحن  فقراء , هل  نحن  مجانين . حقا لا أعلم الإجابة  ربما  نفعل ذلك  حتى  نثبت  لأنفسنا بأننا أقوياء  نستطيع أن نعيش وفقا  لتصوراتنا   .

ذات مرة رأى  بطني  وضع أذنه عليها . قال لي  : حبيبتي  أظن  بأنك حامل .!

كانت  له  هذه  القدرة  أو هذه  الحاسة كان دائماً يستطيع أن يعرف إن كنت حاملاً أو لا  , حتى وإن كذبته  أجهزة كشف الحمل  .!

عندما  تكونين  حاملاً أشعر بذلك في عينيك , وأسمع  ذلك  في  صوتك ، بعد  ذلك  خلع سترته الجلدية  وجلس  بالقرب من فأسه الذي يقطع  به الخشب  للمدفأة  وقال : إن كان الأمر  يجعلك  سعيدة …أقصد  أنا  سعيد من  أجلك أيضاُ.

إنتفخت  بطني , إنتفخت كمنطاد أخضر , في  الشتاء وفي  يده  زجاجة بيرة وعلى  صدره  رواية ( الحارس في  حقل الشوفان ) روايته المفضلة والتي  كان  يقرأها مراراً وتكراراً مات  .

 في  تلك  اللحظة  بدا  لي  مثل  قط  ميت  وأنا  بدوت مثل  قطة مات حبيبها , أقصد  لم  أتعود على  الحزن ,لم يعلمني  أن أحزن  أبداً, كان دائماً يعلمني  أن أفرح  لحد الجنون . لم  يعلمني  طقوس الحزن  للأسف  .!

وضعت فخذي فوق ساقيه وبقليل  من الجهد شاركته الكنبة وأخذت أقرأ  له ما تبقى من  الرواية  ( أين يذهب  البط في  الشتاء ؟ )  ربما  يهاجر  نحو أماكن دافئة  عزيزي !

ببطن  منتفخة أخذت أحفر له قبراً ,وراء الكوخ  بالقرب  من أشجار الفراولة , كانت أشجار الصنوبر والبلوط  العملاقة تحضر جنازته ,ترتدي ملابس خضراء أنيقة تقيها  من المطر  البارد   . 

مع أول ضربة  بالمعول  على الأرض  شعرت  بوخزة في  بطني , فصرخت صرخة أيقظت الدموع النائمة , لكني  لم أتوقف أبداً. وأخذت أحفر  وأحفر  حتى صنعت  قبراُ واسعا  شاسعاُ يليق  به  .

جررت  جثته على الأرض فتلطخت  أجمل  ملابسه  : حذاء  بني , بنطال جينز كان يرتديه  عندما صافح جون لينون , قميص أبيض إشتراه  من  تكساس عندما  كان  يعمل  راعياً للبقر  , وقبعة كلاسيكية اشتراها من نيويورك عندما  كان يعمل  ساقياً في  بار , وفي  معصمه ساعة مزيفة اشتراها من ديترويت عندما  كان يعمل في مصنع للسيارات  .

ولم أنسى أن أضع في صدره  زجاجة  بيرة , وقبلتين  فوق  عينيه . وداعاً حبيبي  وأخذت  أدفنه  !

بعدها  وقعت  على الأرض وأخذت أشعر  بكهرباء الولادة , مخلوق أخر ينطلق نحو النور , وبينما  أنا  أصرخ  كنت أرى أسراب البط  تطير  بعيداً, السناجب  بفضولها الطريف  تطلع وتدخل  إلى  بيوتها  في كل  مرة .

حلزون  لم  يأبه  بصراخي وأخذ يواصل سيره الرتيب كم  شعرت  بالغيظ  منه 

وبجوار قبره  أنجبت  بنته  , بنتنا

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

تعليق واحد

  1. Low price, best quality and 100% guarantee. Wholesale 2013 Authentic nfl jerseys directly from China factory.

أضف تعليقاً