الرئيسية / العدد الأربعون / مداخل حول سؤال التغيير

مداخل حول سؤال التغيير

revolution

هيثم كيرياي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

مدخل أول :

أعتقد أن العبور نحو الأجوبة يتطلب تصحيح فرضية السؤال أولاً باعتبار البحث عن علل التغيير ؛ فالتغيير هو إزاحة وإحلال وإبدال على المستويات الأفقية ؛ أي إحداث فرض جديد على شكلية الإدارة دون تغيير بنيوي كامل يشمل منظومة المجتمع التقليدية والمنمطة على نسق مشوه يظل متمترس بثوابته وعلاقاته الانتاجية ومشاريعه المغلقة . 

وهذا التغيير الحقيقي الذي نذهب إليه في الاجابة على التساؤل وهو ما يسمى بالثورة .

الثورة علي كل نسق متعارف عليه يغير البنية الاجتماعية ويخلق شكل حداثوي يكون انتماءه الأول والأخير للدولة الحديثة كعقد اجتماعي يتساوى فيه أفراده على كل الأصعدة الحقوقية والاقتصادية والعدلية .

دولة مبنية علي مفهوم المواطنة أولاً وأخيراً والأنسنة هي الرابط بين كل أطيافه ، لإحداث ذاك المفهوم كان لابد من وجود ظروف موضوعية لخلق ثورة جمعية تنسف دولة الحزب الواحد والنظام الشمولي المتمترس منذ  1989 .

 

مدخل ثاني :

يبقي المدخل الثاني هو تشريح أسباب تأخر هذا التغيير في ظل توفر كل المعطيات الموضوعية لإحداثه ، وأعتقد أن جملة من الأسباب ساهمت في تغييب اللحظة الثورية منها :

 

أولاً : غياب الوعي الجمعي لدى الشعوب السودانية بأن المخرج الحقيقي للأزمة السودانية يبدأ بتفكيك دولة المركز التي ظلت مسيطرة على شكل الدولة السودانية منذ الاستقلال ، غياب الوعي هذا ساهم في تكريس الدولة البوليسية لفزاعة الأخر، أو البديل وأعتقد أن مفهوم البديل القادم كان عصاة سحرية استخدمته الطغمة الحاكمة بجدارة نتاج ثغرات في مشروع القوى الحية في الضفة الأخرى .

 

ثانياً : تجزئة القضايا والحلول الفردية للشعوب السودانية ببحث كل مجتمع على انفراد لإقامة تفاهمات مع النظام في اطار المصلحة الذاتية .

ثالثاً : غياب الخطاب الثوري الملهم الجامع للشعوب السودانية خلق حالة من الاحباطات هنا وهناك وذاك يرجع لما ذكرناه من غياب الوعي فالإحباطات تأتي دوما في ظل قصر نظر الأفراد في قراءة الواقع السياسي .

رابعاً : محاولة البعض من المهتمين بقضايا التغيير ربط الواقع السوداني بالربيع العربي دون الاعتبار لخصوصية كل شعب بذاتيته وواقعه المجتمعي وتركيبته الاقتصادية والجغرافية .

خامساً : استثمار بعض المؤسسات الحزبية المعارضة للحظة الثورية ومحاولة تجييرها لمكاسب سياسية رخيصة تخلق منها فقاعات إعلامية دون السعي بكل نكران ذات نحو تفعيل الواقع والظرف الثوري لوجهته الصحيحة .

رغم قتامة المشهد الآن وبعيداً عن الهتافية تظل مسألة التغيير حتمية تاريخية تنتجها ظروفها الموضوعية وتراكمات حقيقية تؤدي في النهاية إلى إحداث الثورة المتكاملة ليست التي تسقط النظام فحسب بل تسقط كل المفاهيم والعلائق المجتمعية التقليدية منتجة دولة العدالة المنشودة .

إن الحتميات التي ذهبنا إلى تأكيدها نتاج فروض علمية بدأت تتضح نتائجها هنا وهنالك من شاكلة التفاهمات التي وصلت إليها الشعوب السودانية بان المشهد الراهن قد استنفذ كل طاقة الاحتمال لديهم ، يبقي فقط الآن ترتيب مواعين الوعي وتفتيت الحاضنة الاجتماعية القديمة المسبطة وتفعيل اللحظة الثورية التي ينشئها فعل تراكمي حقيقي في الوقت الراهن ، إضافة الى البعد عن استنساخ نماذج خارجية شكلها الربيع خلال حشد الشعب يريد اسقاط النظام … فهنا لا شعب بل شعوب وهنا لا حل بإسقاط النظام وإنتاج انتفاضة مماثلة لأبريل وأكتوبر بل هنا الحوجة ماسة لتغيير بنية الدولة ككل وليس النظام وانتاج فخ آخر يظل امتداد للدولة المركزية .

 

مدخل أخير :

( لا فائدة من ثورات تنقل الشعوب من الظلم الي الظلمات )

” علي شريعتي “

كان الوقت لا يسمح بالانتظار قليلاً فتسارعت حوافر الأحداث صوب اللحظة الافتراضية وكانت الفرضية وقتها ليست حاسمة فعادت الخيول منهكة تجر ذيل الخيبة ، استعجال التغيير والطرق على بوابات صلدة دون مفاتيح للقلعة من أجل الدخول الجمعي هو كمن يأتي دون استئذان دياراً غريبة لا يعي دروبها ولا أزقتها

ما أردت إضافته في هذا المدخل الأخير هو أن المسالة الثورية لن تأتي من خلال ” إذا هبت رياحك فأغتنمها ” بل بجاهزية عميقة تحمل كل أدوات الفعل الثوري الجمعي الذي لا يستثني أحدا ولا يزيح أحد ،  فالثورة لا تخلق فجأة بل تتخلق من رحم المعاناة والتراكم الدؤوب العلمي ثم حين يحين مخاضها لن تكون جنيناً مشوهاً يسمى انتفاضة فوقية بل حقيقة منطقية إنشاءاتها ثوابت وجهد متواصل لحين نموه داخل رحم الشعوب السودانية باكتماله تمام اللحظة الحاسمة .

ليس استجابة لرافعه خارج الخارطة ولا ربيعاً  يجول في خطوط الاستواء دون هوية بل صيفاً حارقاً تلتحم عنده إرادة جمعية فاعلة تنشئ ثورة تستوي عندها كل الفروض لتنقل الجميع من الظلمات إلى النور .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً