مذكرات البوهيمي

929328_1692360284350677_312783040_n

اليوم الأول :

حين طبعتُ على الكيبورد حروفها أخبرني قوقل بأنها : ” الأَرْضُ الوَاسِعَةُ الْمُضِلَّةُ الْمُهْلِكَةُ ” ، قلت لنفسي عندها مواسيًا : ” لا تطلق الأسماء بالضرورة إثباتًا للموجودات ” ، ولكن بعد أن وصلتُ إلى هنا في رحلة مرهقة للغاية مضغت أكثر من عشر ساعات من عمري ، كان علي التأكد من مقدار الحقيقة في هذا التعريف .

اليوم الثاني :

– ” نعناع .. نعناع ” ..

كان يصرخ بوتيرة زمنية ثابتة وحماس طازج مناديًا على بضاعته دون أن يعيره المسافرون في محطة الحافلات وهم بين واصلٍ منهك  وذاهب متحفز كثير اهتمام .

ظللت أراقبه من بعيد ، لم يكن يرمش له جفن أبدًا ، عيناه مفتوحتان للأبد ، والحدقتان المتجعدتان تتقِدان بتوهج قنوع خفف من قساوة الحال ؛ وكأنه يدرك أن القناعة هي أن ترضى من الحياة ما ﻻ تستطيع دفعه ، وأن ﻻ تقبل منها بأقل مما تستطيع أخذه .

وعندما هب واقفاً ليبدل من مكان عرض بضاعته ، هالني منظر مشيته المترنحة ، لم تكن به من عاهة ظاهرة في ساقه ، ومع ذلك بدت مشيته أقرب لمشية شخص ثمل ، لدرجة أنني كنت أنتظر أن يسقط على الأرض في خطوته التالية .

حين دنا وقت رحلتي شققت طريقي نحو الحافلة وقبل أن أصعد أخبرت مسؤول المكان عنه ، فأبتسم لي مؤكدًا أن العجوز بخير :

– هكذا هي مشيته منذ أن هجر عربة  الخضار بعد ربع قرن من الانحناء لدفعها .

شعرتُ بتقازم عظيم ووجدتني أحك مقدمة حذائي بعتبة الحافلة الأولى دون أن أصعد ، وحين ألقيت عليه نظرة أخيرة ، رأيت الجملة المكتوبة على طاولة عرضه والتي لم يسمح لي موقع جلوسي في صالة الانتظار من رؤيتها ، أحسستُ انه يخاطبني بها دون غيري ليخبرني أن القناعة الحقيقية في نظره هي :

” نحن والفقر أحباب “

اليوم الثالث :

كُنا في الباص متجهين نحو اللامكان ، مجموعة من مختلف الأجناس والسِحنات ، تتباين لهجاتها لكن ضحكاتها كانت متآلفة كما لو كانت جسداً واحدًا ، ثم فجأة أوقفتنا يد طويلة  .. طويلة بمقدار شاسع المسافة بين الوطن والغربة ، بين المواطن والمقيم ، وكما لو كان ضرسًا في فمِ موجوع انتزعته من بيننا بعزم ، تبادلنا النظرات بصمت فتوزع إحساس الذل علينا بالتساوي وواصلنا رحلتنا ، لكنني أدرك الآن أن هنالك شيئاً خفيًا بقي يقضم من بهجتنا ويطفئ نشوتنا .

وسيظل داخلنا حُزناً متخثراً يوجعنا بالأرق كلما عبرناه دون اكتراث عندما تًسكِرنا نشوة الفرح .

اليوم الرابع :

كان فكه يعلو ويهبط بالكلمات دون أن أعي ما يقول فقد كان تركيزي منصبًا على استكشاف المكان أكثر من اهتمامي بشرح آلية العمل التي كان يلقيها عليّ ونحن ندور بسيارته في الموقع .

– إنت معايا ياباش مهندس ؟

– نعم

– طيب ، إنت طبعا ..

وعاد لاستئناف حديثه ، بينما عدت أنا  لمواصلة نظرات الاستكشاف ، كان لا يمل من الحديث بالقدر نفسه الذي كانت لا تملُ فيه عيناي من التحديق .. ها هي البوابة العريضة المغلقة التي ولجت منها إلى الموقع .. الطرق الترابية غير المُعبدّة المتهادية أمامنا  بالتواء مزعج  .. ” الكسارة ” بالغبار الخانق المتصاعد منها بسبب الغرابيل المنصوبة بعشوائية في كل مكان ، قبل أن أشعر بصوت المدير مجددًا وانتبه لتوقف السيارة

–  ياباش مهندس ..

– نعم

– هو دة المصنع .. مكان شغلك

اليوم الخامس :

تحتاج أن تكون ذو نظرة أكثر شمولاً كي تضيء فيك صباحات الحياة

تحتاج أن ترى في ورقة التقويم حكمتها المكتوبة على ظهرها لا مجرد سقوطها .. والذبول !

كان هذا أول ما دونته على دفتر المذكرات الذي قررت أن يكون رفيق مناوباتي الليلة في صبيحة المناوبة الأولى .. أرجو ألا أندم على ذلك لاحقًا .

اليوم السادس :

  • مدير انت سوداني ؟

– ايوة

  • ما في سوداني سيم سيم

– لي ؟

  • في ممكن مصري ، هندي ، يمني ما في سوداني

– أنا سوداني بس أصل حضرمي

  • كيف سوداني حضرمي ؟

حينها أضطر لإعادة قص حكاية جدي الذي هاجر من حضرموت حتى أستقر بجوار البحر حيث عقيق القرية الرابضة بطمأنينة في شرق السودان .

  • أيوااا ، أنا الحين في معلوم مدير

– خلي ولي بس 

كلما دخلت في مثل هذا الحوار العبثي مع أحد أتذكر ما قاله إدواردو غاليانو عن الهوية :

” ليست الهوية قطعة متحفية توضع هادئة في صندوق للعرض ، وإنما التركيب  اللا متناهي الإدهاش لتناقضات الحياة اليومية . “

اليوم السابع :

الرابعة فجرًا .. القمر لم يكتمل بدرًا ، والسماء تبدو كفتاة تستعمل مزيل حب الشباب فلا أرى أي نجمة على خدها .

أجلس خلف نافذة المكتب الزجاجية الضخمة لأراقب الحيوان الحديدي المتوحش – يسمونه هنا ” الشويل ” وهي تسمية سخيفة على كل حال ، لكنه ليس الوقت المناسب لأعدد السخافات الموجودة هنا – بفكه الضخم وهو يقوم بملء أسطح الشاحنات بالرمل الأبيض ، وأتابع ما تقوم به بقية الغرابيل الموجودة في هذا المكان الذي نطلق عليه مصنع رغم أنه مجرد موقع لغربلة وغسيل الرمل لا أكثر .

أمامي كوب شاي يحمل من المدلول اسمه فقط ، وفي مستوى نظري كذلك العاملان معي في مناوبة الليل أحدهما يمني والأخر باكستاني ، كلاهما بالطبع ملثم تمامًا اتقاء الغبار الذي بإمكانه أن يدفنك لو بقيت واقفا في مكانك حتى الصباح ، وخوفاً من البرد الذي ترتجف بسببه كل عضلة في جسدي  أغمض عيناي المتعبة وأحاول تذكر طعم القهوة لأستجلب لصقيعي بعض الدفء ، وحين أفتحهما لا أجد أمامي إلا ” بقايا القهوة ” الرواية التي أكملتها قبل قليل لماريو بينيديتي .

اليوم الثامن :

هل أبدو في مثل هذا الوقت منطقة منخفضة ؛ فهذا وحده ما يفسر جريان سيل هذه الأفكار عبري ؟!

اليوم التاسع :

لكل منّا قدرته الخاصة على التحمل ؛ لذا طالما كانت مسألة اختزال آلامنا الخاصة حين نقارنها بآلام الآخرين مسألة في غاية السذاجة ولن أكون قاسيًا إن قلت أنها تحمل شيئًا من المازوشية ؛ إذ أنها لا تفضي إلا لمزيد من الخنوع والاستسلام لما نحن فيه .

كنا نتحرك بصعوبة في المكان ، غاصت قدمه في الرمل ، استلها ممتعضًا ثم هزها كي تتساقط حبات الرمل العالقة بحذائه ، أراد أن يقول شيئاً لكنه صمت وواصل المسير ، قلت :

– مبروك الحذاء الجديد

– لم يعد كذلك الآن

أجاب وهو يواصل الهز ، أردت أن أقول شيئاً لكنني أيضاً لم أفعل ، هذه المرة أردف هو :

– حين أردت المجيء إلى هذه البلاد كنت أتخيل أن كل ما فيها من زجاج

ضحكت بقوة ، إذ بدا لي أنه يملك خيالاً لاتينيًا ، أمتعني هذا الخاطر ففكرت أن أسأله عن الواقعية السحرية إن كان يعرفها ، ثم طردت الفكرة بسرعة فأنا أحادث عاملاً بسيطًا جاء من إحدى قرى تلك البلاد التي تقع في جنوب آسيا وليس حفيد بورخيس  .

كنت أعرف أن لديه ما يقوله ، فوجهه الهادئ كان يشي بوجود الكثير من القصص ، لم أكن أرغب في تقليب أوجاعه ، ولم أكن أريد أيضًا أن أفوِتَ فرصة الاستماع إليه ، لذا حين حانت الفرصة كانت كل حواسي حاضرة لتستمع ، حدّق بعيدًا – عرفت بعد ذلك أنها عادة لديه كلما أراد قول شيء يخصه كأنه يطلب الإذن أو المغفرة من جهة ما – :

– إنه عامي الثالث في هذا المكان ، أستيقظ وأنام على نفس المنظر ، بتُ أعرف هذه الجبال كجوع بطني

أخرج صورة من جيبه العلوي ، كانت لطفلة صغيرة أخذ يتحسسها بإصبعه :

– زوجتي تفتقدني ، وطفلتي التي تبلغ الآن أربعة أعوام ، وأبي وأمي غاضبان جدًا ، ومع ذلك لا أستطيع العودة .

– لما

 كان يتحدث كما لو أنه يخاف على كلماته التي يقولها من كل شيء ، حتى من الريح أن تطوح بها بعيدًا :

– الأمر مادي بحت ، لقد أنفقت بعيدًا عنهم ثلاث سنوات كاملة ، لقد صبروا على ذلك وهم ينتظرون ثمار هذا الصبر ، وأنا لا أملك هذه الثمار كما ترى الغربة شجرة عاقر ، هذا ما تعلمته هنا .

اليوم العاشر :

وأنا في هذا المكان الحقيقي الواقعي القريب من هؤﻻء البعيد من أولئك ؛ أتساءل ما معنى أن تتحدث عن أحلامك دام أنك متأكد من أنها ستبقى أحلام ؟!

اليوم الحادي عشر :

أشعر أنني مثل هذه الغرابيل التي تدور طوال الوقت بجد مُلاحظ لكن دون تضحية حقيقية ، هل قلت تضحية ؟! أعتقد أن ” هنا ” ليس هو المكان المناسب لها .

فيما مضى كنتُ أستمتع بخلق صور شعرية لكل شيء .. أُشكلها في مخيلتي، أو أعيد خلقها من صور أخرى ، لم أكن أترك مشهدًا عابرًا دون أن أمنحه تلك الصبغة الغنائية للشعر ، لكن الآن  تغير كل شيء ، فأصبحت أميل لقول الأشياء مباشرة .. تفنيدها .. تحليلها ونقدها ، لقد اضمحلت تلك الرغبة الغابرة في البحث عن الجمال داخل مكنونات الأشياء ، إذ يبدو – وهذا ليس اكتشافا خاصًا بي – أن الجمال يحجب بتوهجه بعض الحقائق ، ألم يقل أحدهم من قبل أن النظريات التي تتفوه بها شفتان جميلتان لا يمكن تفنيدها ؟!

أعتقد أن علينا أن نرفع القبعة للقبح فهو لا يحمل أي مواساة مبطنة أو تعزية مُبكرة ، ولا يقوم بطمس النظرة النقدية التي يجب أن نمارسها على الأشياء في بعض الأحيان ، وهذا ما يصنع الفارق بين الواقع والحلم ، وفي هذه المنطقة الرمادية تحديدًا تتيه الكتابة متذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، لكن ليس هذا هو الوقت المناسب للحديث عن الكتابة ودورها ، ربما أعود لهذا لاحقًا وقد لا أعود ، أما الآن فعلي إيقاف أحد الغرابيل ؛ لأن هنالك برغي صغير فيه قد سقط ، فقرر هو ودونما أي تضحية .. التوقف عن العمل .

اليوم الثاني عشر :

لابُد وأن هذِه الأرض

غربالٌ كبير

علينا أن نعترِف بذلِك الآن

فهذا وحدهُ ما يمكِنُ

أن يُفسِر كوننا

نحنُ الذينّ لم

تُشظينّا السنواتُ بعد

إلى ذراتٍ من الغُبار

لازِلنا علىّ سطحِها

اليوم الثالث عشر :

كنت أتكئ على الكرسي بقنوط ، ألقيت عني رواية ألمانية سخيفة تحكي عن زوجان يعيشان حياة طبيعية ثم قررا بكل عبثية أن يفترقا ، لم تنطلي علي الحبكة ، ولم تقنعني الترجمة التي كانت أسوأ منها ، خاصة بعد ورود كلمة ” كمونية ” ضمن أصناف الوجبات !!

تناهىّ إلى سمعي صوت صديقي الباكستاني وهو يغني ، هدوء الليلة جعل صوته واضحًا وقريبًا ، لم أفهم كلمة مما يقوله ، لكن اللحن الشجي كان قادرًا على حقنك بتعاسة أبدية وحزن سرمدي ، بدا لي أنه لا يغني بقدر ما كان يمارس طقسًا تطهريًا يواسي فيه روحه ويعاتب أيامه ، تنهشني الآن رغبة مفترسة في الذهاب إليه وسؤاله عن كلمات الأغنية ما ألبث أن أطردها سريعاً لقناعتي أنه ما كان ليفعل ذلك بهذه الأريحية إلا لثقته المطلقة أنه لا يوجد من يقتحم عليه عزلته ويطلّع على حزنه .

اليوم الرابع عشر :

لماذا أكتب ؟

لا أريد أن أجيب على هذا السؤال من زاوية وضع تعريف خاص بالكتابة ، إذا أن تعريفها كتعريف الحب خاضع للتجربة الخاصة ، فإذا كان موليير يقول بكل غلظة أن :

” الكتابة مثل الدعارة ؛ في البدء تكتب من أجل الحب ، ثم من أجل الأصدقاء ، وفي النهاية من أجل المال “

فإن ماركيز كان أكثر وضوحاً فيما يبتغيه من وراء الكتابة حين قال :

” أكتب لكي يحبني أصدقائي “

لكنه مع ذلك كان قاسياً حين لمز أدعياء الكتابة بأنهم يكتبون لأنهم ببساطة لم يجدوا شيئاً آخر يفعلونه .

لكن الأمر أكثر تعقيدًا من مجرد تعريفات تطلق بناءًا على ذاتية محضة ، فالشخصيات القلقة والهشة والتي تدير حوارات طويلة بينها .. وبينها هي من تعاني حين تأخذ هذا العالم على محمل الجد أكثر مما ينبغي فيغدو تفاعلها معه عذابًا إضافيا لعذاب وجودها فيه وعدم قدرتها على تغييره فتلجأ للكتابة ، لكن ما يعنينني تحديدًا في كل هذا أن هناك أناس قد يكونوا بالمجموع الذي نراه فعلاً بدائيون للغاية حين نضعهم في فسيفساء هذا العالم المغرور إذ أنهم لا يجلسون ليحادثوا أنفسهم ، لا يطرحون الكثير من الأسئلة ، لكنهم مع ذلك أقوياء يجالدون أيامهم ويصبرون عليها ، وأمام المشاكل التي نتردد فيها نحن يجدون هم حلولاً مباشرة وواضحة ، إنني أراهم هنا بكثرة وأكن لهم احترامًا عظيمًا ؛ لأنهم يفعلون كل ذلك مع الحفاظ على دهشتهم طازجة تجاه الأشياء .

هل يكون هذا هو تعريف الكتابة الذي لم يكشف لنا أحد السابقين عنه :

” المقدرة على إبهات الدهشة ! ” 

اليوم الخامس عشر

أنا مجرد رأس يعمل كمسننة تدور طوال الوقت ، وجسد مرهق وجائع لو واصلت الحياة طرقها عليّ ستسمع صدى الفراغ داخلي .

اليوم السادس عشر

حين تتوالي الأحداث يسمك جلدنا ، يزداد خشونة وتقبُل ، هذا الطرق اليومي من الحياة يجعلنا قساة ربما بمعناها الايجابي أكثر .

اليوم السابع عشر

المجد للخاطئين .. المجد للمجانين ، المجد للموسيقيين .. للرسامين .. للاعبي الكرة إذ يثبتون لنا أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة .

اليوم الثامن عشر :

الثانية صباحاً أكتب مذكراتي مبكرًا هذه المرة على غير العادة ؛ لازالت هنالك أربع ساعات على انتهاء مناوبتي الليلية ، لكنني أشعر بنعاس شديد وأخشى أن أتكاسل عن التدوين .

الطقس دافئٌ جدًا ودون نسمة هواء عابرة من هنا ولو سهوًا ، وهذا ليس جيدًا ، صحيح أننا لن نضطر لقضاء الليلة وأسناننا تصطك من البرد ، لكننا سنعاني من كثافة الغبار الذي تنفثه هذه الغرابيل والذي لن يجد بُدًا من المكوث هنا وجعل الرؤية مستحيلة أثناء الحركة .

الروتين ينشب أظافره الطويلة على ظهر أيامي ويحيلها لجحيم ، ولا أجد اليوم ما يستحق الكتابة عنه  سوى ذلك العامل الذي رأيته أمامي فجأة . في البدء لم أستبن ملامحه لكنني تعرفت عليه من صوته الحلزوني ذو الصرير الحاد كأنه جرس قدّاس وهو يغني ، بدا سعيدًا ومبتهجًا ، وكأنها لحظة من لحظات الخلود البشرية القصيرة ، سألته :

– تبدو بخير ؟

– نعم ؛ لأنني راضي عن نفسي

– وكيف حصلت على هذا الرضا ؟

– يقولون أن الإنسان لا يملأ عينه إلا التراب لذا أشعر بالقناعة في هذا المكان المليء بالرمل .

ثم تركني ومضى ضاحكًا .

اليوم التاسع عشر :

هل كنت راضيًا عن نفسي يومًا ؟ ، هذا السؤال البسيط المباشر البالغ التعقيد كذلك لا يمكنني أن أجيب عليه دون القول أن علاقتي بي تبدو غريبة ، إذ أشعر دوماَ أن العلاقة بين روحي وجسدي هي علاقة شريكا سكن ، لم يتسنى لهما التناغم معاَ فأثرا العيش بسلام لا أكثر ، وهذا لأنه أقل كلفة بكثير من الحرب بينهما ، روحي تربة فانية ، كلما زرعت فيها الأيام شيئًا جديدًا ذبُل قبل أن يبلغ يانع دهشته ، ولجسدي رغباته والتي يجب أن أعترف أنه لا يحابي في الحصول عليها أبدًا ، لأنه وبالإضافة لموضوع العيش بسلام فهو أيضًا – وتحديدًا بالأرق – يدفع فاتورة الروح حين ترهقها الحياة وتصطاد سكينتها ، فتغدو كما لو أنها قطار قديم على سكة حديد بائسة ، وحين تتحرك الأفكار في رأسي بصوتها المزعج ، أشعر برهق آلاف الاحتمالات وأنا الذي لم أتحرك من مكاني شبرًا .

طوبى لمن كانت روحه وجسده تسيران في نفس الاتجاه .

 اليوم العشرون :

لاشيء يحدث ..

وكأن حياتك انتظار أمام إشارة مرور لا تبصر الحياة إلا بلونها الأحمر 

اليوم الحادي والعشرون :

هذه الصباحات الخاصة بغبشها الكسول واستيقاظها المنعش لا تعني لك شيئًا       

أنت الذي لم تجد في كل ما عشته حتى الآن ما يستثير داخلك الحنين إليه .

اليوم الثاني والعشرون :

لو كنت سِواي لكتبت في هذه الليلة التي أشعر فيها بتصالح غريب مع العالم :

” في تلك اللحظة التي تصفو فيها الأشياء فتبدو لك أرق وأقل عدائية تجاهك .. سيداهمك إحساس بأن الحياة أقصر من أن تضيعها في السؤال عن أشياء ستعرف عن نفسها بنفسها فقط حين تقرر أن تصغي . “

لكن الاستثمار الذكي للموهبة وابتداع شيء خلّاق منها لم تكن للأسف من مواهبي .

اليوم الثالث والعشرون :

أكتب لأنني لا أجيد الغناء ، وهذه الصحراء كبيرة !

اليوم الرابع والعشرون :

عندما أفكر بحياتي وأستعيد شريط العمر من أوله ، أجد أنك أجمل ما فيه ، وأراك دونما غشاوة نقطة الضوء الوحيدة في عتمتي .

اليوم الخامس والعشرون :

جالسةٌ في القلب

وقدماكِ تائهةٌ في الغياب

وحدكِ من يُمكنكِ جعلي شاعِرًا ..

لمجرد أنكِ زهرة .

اليوم السادس والعشرون :

أتذكرُ جيدًا أن ما كتبته على جدران الحي كان من أجل أن تقرئيه كلما فتحت نافذتك ، وشجاراتي المفتعلة مع أقراني كلما مررتِ بجوارنا كانت كي ألفت انتباهك ، وصراخي باسمي مرارًا لعله يكون أكثر حظاً مني ويستقر في ذاكرتك .. كل هذه التصرفات ستكون محط سُخريتي حين أغدو أبًا ، ومحل افتخاري عندما يكون لي أحفادٌ بعد ذلك ، ربما هو قدر الحياة الذي لم نكتشفه بعد أن معرفة حقيقتها يكمن في إحدى ضفتي العمر ، حين تخطو أول خطواتك عليها ، أو عندما تبدأ بعد ما تبقى لك فيها .

هل تعلمين ؟!

لقد جئنا للحياة بغبن المهزوم ، لذا نرى في الخرافة ما لا نراه في الحقيقة

اليوم السابع والعشرون :

لقد مر أكثر من عشرين يومًا ولم أكتب عنكِ شيئًا ، ما فعلته في الأيام الماضية كان بمثابة اعتذار .

اليوم الثامن والعشرون :

على مضض كتبتُ هذا :

الحب كالقدر .. ليس من ضمن اهتماماته أن يسعد كل الأطراف .

حدث ذلك حين قرأت ما قاله محمود درويش أن هنالك جميلات بلا حظ .
أرجوكِ .. لا تكوني منهُن .

اليوم التاسع والعشرون :

كُلما شاهدتُ إعلانًا لوظيفة ، غادرت رأسي فقاعةٌ تحمِلُ جُملةٌ فكرتُ بِها ، ثم تنفجِر ويسقطُ داخِلهُ رقم الراتِب الذي سألتُ عنهُ ، يا إلهي إنني أتحولُ مِن قاموس لماكينة صّرف آلي !

اليوم الأخير :

مع هذا الجسد المنهك ؛ فإن ما أدينُ به لأيامي قد صار بالإمكان عدُهُ .

إنه يومي الأخير في هذا المكان ، هل قلت من قبل أن الأسماء لا تطلق بالضرورة إثباتاً للموجودات ؟!

لقد كنتُ مخطئًا إذًا ، ولولا اسمي لكنت مجرد فكرة وهمية في لا وعي هذا العالم ، وقد أكون كذلك الآن ،  فبهذا الاسم أرادني أبي ، ولم يكن بإمكاني أن أكون غير ذلك ، لأن جدتي رفضت أن أخذ اسم جدي ، فقد كان لا يزال حينها على قيد الحياة ، وهي تملك ما يشبه الإيمان أن التسمية على الحي تعجل بموته ، ومع هذا الاسم بدأت أولى معاناتي في هذا الكوكب إذ نشأت بإحساس متواصل من التوهان وفقدان الهوية ، ذلك الذي يرهق بجدليته نصف الكوب الممتلئ ، فالإسلاميين ينادونني به وينتظرون أن أكون مثل زعيمهم ، ومن هم في الجهة الأخرى يتمنون أن أكون بالفعل إبن ” ست الدار ” الحالف ما يطّهر ، ومن أجل ذلك قررت أن أعيش حياتي كما تشتهيني بوهيميتي الخاصة .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً