الرئيسية / العدد الحادي عشر / مسرحية : “عبيـد” .. (من فصل واحد)

مسرحية : “عبيـد” .. (من فصل واحد)

إبراهيم

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

* ملحوظة :
سيتم رفض تقديم مسرحية “عبيد” ، وذلك لمضمون رسالتها الذي يتعارض مع نهج الحكومات والأنظمة… لكن يجب علينا كشعوب أن ننظر للمسرح بصورته الشمولية ؛ كمتنفس حر خال من القيود والأغلال .. وذلك لأنه ببساطة أبو الفنون ؛ والفن لا حجر عليه…!

* إهداء:
إلى من علمني المسرح ، والحب ، والانتظار…

إلى إ.س.

●الشخصيات :
•عبيد : متظاهر سلمي في احتجاجات ضد الدولة ، وهو كذلك شاهد عيان جريمة قتل السيدة “نور” ،
•الصوت 1 : بشع وفظيع ، وبه نخنخة ، ويبدو وكأنه صادر من شيطان..
•الصوت 2 : هادئ ، وماكر ، وخبيث …
______________________

على الخشبة ، ثلاثة كراسي متقابلة وطاولة صغيرة ، ومن ثم لا شيء ؛ لا ديكور ولا ستائر ولا يحزنون ، كأننا في بروفة… تُرص الكراسي لتواجه الجمهور بشكل مائل ، بحيث يكون كل التركيز على مقعد “عبيد” ، حينها سيتمكن الناس من التدقيق في تقلبات وجهه وتململه ، بينما تكون الطاولة – والتي هي أقرب للمقعدين المجاورين – بسيطة للغاية ، وموضوعة عليها قارورة ماء نصف فارغة ، و علبتي سجائر ، ونظارة ، ومسجل…

يبدأ العرض ، تُعزف سوناتا ضوء القمر ، الحركة الثالثة ، وبشكل حاد ومزعج ، ثم تنخفض تدريجياً.. وبالتزامن تقل الإضاءة لتتركز في الأخير على محل دخول عبيد …

يدخل عبيد ، مرتبكاً ، يطوف المكان على وقع العزف ، بسرعة و بلا هدى ، مصدراً فرقعة بحذاءه.. ثم يجلس متقرفصاً داخل كرسيه. خائفاً كأن شيئاً فظيعاً حدث ، جرمٌ بشع .. يتلفت يمنة ويسرة ، ينهض ، يركض فيتعثر ، يسقط على الأرض ، يزحف إلى نهاية المسرح ، ببطء مزايد فيه ، يعتدل في قعدته أمام الجمهور .. يدلي ساقيه ، يهزهما .. ثم يبكي ..


الصوت 2 : آه يا عبيد ، لا عليك ..
الصوت 1 : يجب أن تكون أكثر حنكة ودهاء ، وأن تتشجع وتتخطى الأمر ، امضِ قدما يا رجل؟!
الصوت 2 : لا تعقدها .. نحن ننتظرك منذ عدة شهور لتكون في صفاءٍ ذهني يسمح لنا بطرح الأسئلة ، ومعاودة سماع الإجابات..
الصوت 1 : من فضلك رجاءً ، دعنا ننهي ما نحن بصدده ، لقد تعبنا..
الصوت 2 : عبيد فكر في كل ما قلته في الأيام الفائتة .. ذلك ﻷننا نرغب لمرة أخرى في معرفة أين تكمن الحقيقة … نحن كما تعلم نود أن نجري تحقيقاتنا في مقتل السيدة “نور” ، وذلك لإحقاق الحق ، ولنصر المظلومين ..
الصوت 1 : لقد كنتَ هناك يا عبيد ، وكانت هي أيضاً على مقربة مترين بجانبك … كنتَ مؤهلاً لتبصر كل شيء وسط الفوضى ، ولهذا نحن مهتمون بسماع أقوالك ..
الصوت 2 : بالله عليـك ، احكِ لنا ، اعد ما قلته بالأمس وأول أمس !
الصوت 1 : بلى ، اشرح وبتفصيل ممل ، كيف جرت الحادثة… أنت قد تكون مخطئاً بشأن أشياء صغيرة ، وهذا بالطبع ليس مهماً ، فنحن فقط نحاول أن نطابق الأقوال الرسمية مع ما شاهده الناس !
الصوت 2 : أتدري يا عبيد ، نحن هنا ﻷجلك ، وسأظل أردد هذه الجملة حتى يزول ارتباكك _يصمت_ أعدك بأننا سننظر في ادعائك بكثب. وسنأخذ في عين الاعتبار أنك كنت في موقع يسمح لك بالرؤية الأفضل.. لكن ، وهذا ما يدعونا لمعاودة استجوابك ، مراراً وتكراراً ، هو أنك الشخص الوحيد الذي بدت أقواله مشوشة !
الصوت 1 : عبيد ، لابد وأن تدقق ، مئة وأربعة عشر متظاهر أقروا وقالوا أن الطلقات جاءت من جهة أخرى..
الصوت 2 : نعم ، الطلقات جاءت من الخلف ، ليس ثمة شك.. فلماذا تصر على رأيك يا عبيد.. يا للأسف ، أتظن أن الأعيرة النارية كانت من عندنا ؟!
الصوت 1 : أصدق مع نفسك ولو لمرة ، كن أنت !
الصوت 2 : أوووه ، نحن نعرف كم أن السيدة المتوفاة عزيزة عليك ، وأنك بطريقة ما تحبها …
الصوت 1 : مع كامل الاحترام ، لكنها فاجرة ، ولا أفهم ما الذي يعجبكم في تلك المومس العجفاء ، أنظر كيف يطالبون بأن نسميها الشهيدة .. هه ، شهيدة قال!
الصوت 2 : عبيد ، نحن ندرك أنك لست برجل سياسة ، ولا يتضمن سجلك أي نشاط حزبي ، ولا أي نشاطات أخرى غير سوية… كما أنك شاركت في الاحتجاجات الأخيرة فقط ﻷن السيدة “نور” دعت كل مناصريها إلى ذلك ..
الصوت 1 بضجر : المومس..
الصوت 2 : فليرحمها الله ، لكن نعم يا عبيد ، هذا حقك الذي يكفله القانون ، أن تشارك في المظاهرات ﻷجل أن تقف بقرب امرأة تحبها ، وأن تناضل وتضحي من أجلها.. أنا أيضاً كنت سأفعل لو كنت مكانك.
الصوت 1 : كل الأوغاد سيفعلون..
الصوت 2 : لكنك رجل نضيف على خلافهم ، أنت حر..
الصوت 1 : أتعلم ، أنا أقول بأنها عاهرة ، ولا تليق بك !
الصوت 2 : عبيد ، عليَّ أن أوضح أمراً آخراً ، وهو أن السيدة نور دعتكم للخروج في إبريل وراء ستارة التظاهر السلمي ، وهذا فعل حضاري أحترمه منها..
الصوت 1 : مع أنه لا يوجد سبب يدعوكم إلى التظاهر ، الدولة في حدود طاقتها وفرت ﻷفواهكم كل شيء ، حتى الخبز.. تخيل !
الصوت 2 : لكنكم خرجتم ، وهذا ليس عيباً ، معاذ الله … الدولة تريد من شعبها أن يُعبر عن نفسه ، وأن يقول لها لا ، طفح الكيل ، نريد الرفاهية ، حتى تعرف مكامن القصور .. لكنه التوقيت ، توقيتكم هو الذي كان خاطئاً بالمرة ، تمردتم في ساعة كان يتوجب أن نظل فيها متماسكين ، أسابيع صعبة ، نأخذ ونشد من أزر بعضنا البعض ، ونتكاتف للخروج من المحنة..
الصوت 1 : أجل إنكم كلاب ، كلكم ، تعضون اليد التي مُدّت لكم ، وفوق ذلك من أجل أشياء تافهة..!
الصوت 2 : الناس ركبت الموجة ، ولعبوا بعقولكم مع السواعد الخارجية ، الأيدي السوداء العميلة ، الموساد ، الماسونية العالمية… ومن خلال الإعلام الشيطاني استغلوكم لتمرير الأجندة..
الصوت 1 : لو تعرف كيف كان الضغط على الحكومة كبيراً وغير محتمل ، على كل مؤسساتها.. الجبناء ، بل العالم بأسره أرادنا أن نسقط..
الصوت 2 : أنت بالذات ما كان عليك أن تظاهر ، ﻷنك رجل فاهم ، تعرف أن كل الشعارات التي رفعت زائفة ، وجل الهتافات الرنانة كان مصيرها إلى الذبول .. كان الأمر أشبه بمسرحية رخيصة ، باختصار احتجاجاتكم لم تكن سوى أعمال تخريب ..
الصوت 1 : أجل ، كانت موجة منظمة من الشغب الموجه ، أحرقتم دون وعي كل مراكز الوقود والكهرباء ، أشعلتم النيران في دور الحزب والمنشآت… لقد ضبط رجال الأمن مئات الأسلحة والذخائر والملتوف ، وآلاف المأجورين من مرتادي السجون ، كان عملًا قصد منه البلبلة ولا شيء سواه..
الصوت 2 : لابد وأنك شاهدت الذي حدث.. ثم ماذا ، تخيل ، قالوا بأننا من كان يحاول جر الثورة عن سلميتها .. إنهم كمثل الذي يضرب ويشتكي !
الصوت 1 : وبعد كل هذا تريد منا أن نظل مكتوفي الأيدي ، بالطبع لا ، قضينا عليهم ..
الصوت 2 : لكن أيضاً وفق القانون ، لقد استخدمنا الحد الأدنى من القوة لردع العنف. الشرطة في الأصل نزلت إلى الطرقات لحماية الناس ، وللمحافظة على سلمية احتجاجاتها .. أكاد أجزم أنهم لم يستخدموا سوى الهاراوات والغاز المسيل للدموع… وحتى البنادق والمسدسات كانت محشوة فقط بالطلقات المطاطية والفارغة.. إن التعليمات كانت واضحة وصريحة ؛ لا اشتباكات…
الصوت 1 : هذا مخجل ، لو رأيت كيف تم سحل أفراد الشرطة وامتهانهم ، لم تكن عصيهم ذات نفع أمام أسلحة العصابات ، ولا قنابل الغاز ذات التركيز المخفف وخراطيم المياه تصلح لتفريق تجمع نمل ، ومع ذلك صمدوا ، ولم يخالفوا التعليمات ..
الصوت 2 : كانت لحظات عصيبة ، مازلت أذكر كيف أننا استجوبنا مئات المتهمين دون أن ننام أو نستريح ،
الصوت 1 : المأجورون اعترفوا بأنهم تلقوا تدريبات في دول الجوار لإثارة الفوضى ، ووضحوا كيف تم التخطيط ، على مر سنتين ، لتهيئة الوضع لنجاح الثورة .. وكيف أن مجلس الأمن فرض علينا العقوبات واستهدف الاقتصاد ، ثم جعلوا من إبريل ، توقيتا لانفجارهم ..
الصوت 2 : والمواطن يا صديقي هو الخاسر الأكبر ، تأمل لهم بلا استثناء.. حتى نور ، لو تعمقتَ ستجد أنها ضحية ، مجرد ورقة لعبت لمرحلة معينة وتم نسفها … رموها كما رموا غيرها..
الصوت 1 : تماماً ، كلامها المعسول وجمال طلتها ، أسرت ملايين القلوب المريضة.. وما إن قالت هيا نخرج ، بغنجها ذاك ، حتى آلمتكم خصيكم وخرجتم… أليس ذلك صحيحاً ؟!

ينهض عبيد مضطرباً ، ماسكاً رأسه _ ترتفع الموسيقى…

الصوت 1 : عبيد ، أليس ذلك صحيحاً ، ألم تخرج ﻷجل ذلك!

يدور عبيد كدرويش ، مع العزف ..

الصوت 2 : نحن كنا نراقبك منذ سنوات.. واتضح لنا أنك فقط تحبها ، وبأسلوبك الخاص ؛ ففي بيتك جميع الحوائط تقريبا مليئة ببوسترات نور وهي ترفع إصبعيها شارة النصر ، أو وهي ترتدي البرتقالي وتحمل يافطة مكتوب عليها “قلبي الوطن”… حتى دفاتر يومياتك يا عبيد ، كلها أشعار لنور .. تودد في نور ، وعشق من نوع أخرق..

(نورة .. وردة القلب ،
وزهرة الأيام ،
ونوارة الأحلام.. والترانيم ،
ومنشودتي الأخيرة..
أراك..)

الصوت 2 : ومع ذلك انت لم تلتقِ بنور مباشرة… كنا نجد اسمك مسجلاً في الندوات وأركان النقاش بشكل دوري ، لكن في تلك التي تحاضر فيها نور وحسب.. رصدتك عيوننا السرية وأنت تجلس في آخر مقعد غير آبه بما يدور من حولك ، كأنك جاسوس تعمل لجهة ما ، نظراتك لا تمل تنصب عليها دون أن تقربها… إنك وفي وقت وجيز ، استطعت أن تحفظ جميع خطاباتها وحججها ، طريقة كلامها وحركات يديها ، ابتسامة شفتيها وغمزات مقلتيها… كل غدواتها وروحاتها مقيدة عندك ، سكناتها ونشاطاتها.. لكنك مع هذا لم تجرؤ يوماً على أن تقف وتكلمها وجهاً لوجه!
الصوت 1 _يضحك : حب من جانب واحد !
الصوت 2 : بدلاً عن ذلك كنت ترسل لها الرسائل ، عشرات الرسائل .. غراميات لا تنتهي ، هل تعرف أننا في البدء شكننا في أنها شيفرة..
الصوت 1 : كلام فارغ ووعود مراهقين بالمضي حتى الهلاك ، قُبلات مطبوعة على الورق الأحمر ومرفقة مع زهور الأوركيدا … كانت نور ترميها حتى قبل أن تقرأها ، عبيد يا مسكين ، نور تظن بأننا من يريد الإيقاع بها ، ولا تعرف أن الآلاف يتعذبون من رمشها حين يبرق..

عبيد يبدو عليه الإعياء _ يسقط فوق الكرسي..

الصوت 2 : استرح يا عبيد ، اجلس واسترخ ، هاك تناول بعض الماء ،

عبيد يأخذ قارورة الماء من على الطاولة_ يقلبها بين يديه دون أن يشرب..

الصوت 1 : أنتم يا مدعي النضال ، أين كنتم حين كان الوطن في حاجة ماسة لجهودكم ، آه في أحجار أمهاتكم!
الصوت 2 : حين دعت “نور” لقيام الثورة ، لم يصدق أحد أن بإمكان امرأة عزباء جعل ذلك حقيقة ، لكنه حدث ، وفجأة انفجرت ثورة فوق رؤوسنا ما أنزل الله بها من سلطان ، خرج الناس لا ليحتجوا على غلاء المعيشة ، بل ليثبتوا أنهم يستطيعون الخروج .. كانت موضة !
الصوت 1 : وأنت يا عبيد ، خرجت في التاسعة صباحاً من منزلك ، وسلكت الطريق الطويل المؤدي إلى الميدان على قدميك ..
الصوت 2 : كل من شاهدك صبيحة ذلك اليوم قال بأنك كنت متأنقاً على غير العادة ، كنت ترتدي قميصاً أزرقاً صيفياً ، وبنطال جينز أسود ، وحذاء ماركة “برادا”.. وجذّبت لحيتك فبدوت شاباً في مقتبل العمر !
الصوت 1 : هل كنت خارجاً إلى حفلة رقص ..؟!
الصوت 2 : لما وصلت الميدان ، كان الجو صحواً واحتفالياً ، وكان هنالك الآلاف الذين سبقوك ، يغنون أهازيج الفرح وهتافات السلمية ، وشعارات الوطن .. بكى الناس من شدة الانفعال والحماسة ، وأنشدوا الأشعار … لكن كل هذا لم يكن يعنيك !
الصوت 1 : لقد كنت تبحث عن نور يا عبيد ، وظللت تفتش إلى أن دلوك بأنها تقف في مواجهة رجال الشرطة الذين طوقوا مداخل الميدان ، 
الصوت 2 : لا تظن بأنها وقفت هناك لأنها شُجاعة ، لا لا لا ، هي تعرف من خلال المعلومات المسربة بأن الأمر سينتهي على ما يرام ، فالحكومة وافقت تحت الضغط لأن تجعل المحتجين يصيحون بحرية ؛ دام أنه مجرد صياح ، وسمحت لبعض القنوات ، من هنا وهناك ، أن تقوم بنقل المظاهرة وتلميع الصورة المشوهة.. كل شيء كان تحت السيطرة ، ومخطط له بإحكام …
الصوت 1 : حينما وقفتَ بجانب نور يا عبيد ارتبكتَ ، وظهر للجميع اضطرابك… فلقد كانت تلك المرة الأولى التي يتاح لأنفك فيها شم عطرها .. 
الصوت 2 : لابد وأنك أحسست بالبلادة ، ﻷن كل السنوات التي أمضيتها في حب نور ، كل الليالي التي همت فيها مع صورها وقطعت الفيافي .. ظهرت لك الآن ساذجة وفي غاية السخف مع ما هو ماثل أمامك ، سحرتك نور يا عبيد ، سحرتك وجعلتك في عِداد المجانين..
الصوت 1 : أنت ظللت متسمراً أمام نور كعود إنارة ، لا تدري ما تقول ، ولم تنتبه لأن الناس قد بدأوا يتغامزون بشأنك..
الصوت 2 : لعل نور ، لفرط ما هي جميلة ، معتادة على مثل هكذا مواقف.. أو لعلها الحماسة.. حين لم تعترض على فجاجتك ، ابتسمت ووقفت بجانبك كأنك صديق قديم ، معرفة طويلة ، وبلا مقدمات ، شابكتْ كفكَ الخشن المتعرق بين أصابعها الناعمة ، اتكأتْ على كتفكَ العريض ، وهتفتْ “يحيى الوطن ، ونموت نحن” !
الصوت 1 : هذا ما اسميه أنا عهراً ،
الصوت 2 : وأنت الآخر هتفت ، وبدا هتافك ، وﻷول مرة ، كجوغة حرب لا رادع لها.. تماما كثوري جامح لا يلين.. وحين ضغطتْ نور على كفك ، غبت في العالم الآخر ، في مظاهرة ما ورائية غير محسوسة ، مع الأشجار والأنهار والطيور … حلقتما فعلا كثنائي خالد ، وألتف من حولكم الناس ، و…

– إنشاد :
(يا فقراء الأمس ،
ومساكين اليوم ،
ومعدومي الغد ،
يا من لأجلهم تشتعل الثورة وتستمر ،
أخرجوا وأعلنوا الكرامة)

(يا عشاق العصافير ،
احيكوا من أشعاركم ريشاً ملوناً ،
ومن أحلامكم أجنحةً تسد الأفق..
وحلقوا أحراراً في سماء الله)

(يا نورة ،
يا قمراً له أنفاس حورية ..
أجراس أشواق ، وذكرى ،
تعالي للفرح والنيل..!)

يسترخي عبيد ، يرفع قدميه على الطاولة ، ويأرجح الكرسي..

الصوت 1 : لكن الأشياء الحلوة عادة لا تكتمل _يزيد عبيد من أرجحة الكرسي_ فجأة اتقد شغبٌ والله يعلم من أين…
الصوت 2 : في التحقيقات اتضح أن كل شيء كان مدبراً من جانب ضعاف النفوس أعداء الوطن ، لإحراج الشرطة ، ثم الاصطدام معها بالحجارة واستدراجها ، وحينما لم يجدوا استجابة استخدموا الملتوف والمفرقعات… وبدأ إطلاق نار عشوائي واعتداءات همجية راحت تطيح بالعشرات..
الصوت 1 : هنا كان للشرطة أن تدافع عن نفسها وعنكم ، فردت باستخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية ، لكن حين تأزم الوضع اجتاحوا الميدان بالمدرعات وخراطيم المياه ..
الصوت 2 : في لحظةٍ اشتعل الميدان ، ولم يكن عندكم فكرة ، أنت ونور ، عن كيفية التصرف في مثل هذه المواقف ، إنها مظاهرتك الأولى يا عبيد ، ونور المسكينة تشبثت بك أكثر ، واستعصمت .. وأنت ، وفي غمرة جنونك ذاك ، اختنقت “بالبونبان”…

الصوت 1 : أؤكد لك يا عبيد لم يكن بيدك فعل شيء ، في كل الأحوال كان الأمر سينتهي بما انتهى عليه ،

يشرب عبيد بعض الماء_ ويسعل.

الصوت 2 : حتى لو كان عندك خبرة ، واستخدمت قطع القماش المبللة بالماء والخل ، كان الربو سيتكفل بك ،

يشتد سعال عبيد. يختنق ..

الصوت 1 : نعم يا عبيد ، أنت مصاب بالربو الشعبي ، عليك أن تفهم هذا ، فما كان أمامك سوى أن تتهاوى..فالجموع الهائجة فرقت بينك وبين نور وألقتك أرضاً بلا حيلة ،
الصوت 2 : إنه لمؤلم ، أن ترى نور تمد يدها وأنت عاجز… لقد أرادت أن تناديك ، أن تنده عليك باسمك لتكون بجانبها ، لكنها لا تعرفك ، بعض الناس سمعوها تقول بصوت عالٍ “انهض يا حبيبي ، قم يا رفيقي .. دعنا نناضل” …
الصوت 1 : وهنا تماماً ، في الثانية التي صاحت فيها نور لك و للوطن ، أصيبت في رأسها بطلق ناري .. وفارقت الحياة !

يصارع عبيد ليأخذ نفسا.ً. يتناول بخاخ الأزمة من جيبه_ يتعاطى شهقة عميقة..

الصوت 1 : كل هذا حدث وانتهى ، عليها الرحمة سواء إلى نارٍ أو جنة ، لكننا هنا لندقق في أقوالك ،
الصوت 2 : عبيد ، أنت تتهمنا زوراً عندما تقول بأن قناصاً ما ، من رجالات الشرطة ، هو من أرداها قتيلة ،
الصوت 1 : لم يكن هنالك قناصة ، إن الصدمة جعلتك تتهيأ بعض الأمور.. مئة وأربعة عشر متظاهر أقروا بذلك ، والتقارير تثبت..!
الصوت 2 : حسناً ، الكل يعرف بأن نظرك سيءٌ يا عبيد ، أنت تزعم بأنها سقطت بجوارك على بعد مترين ، هذا ليس صحيحاً ، لقد كانت ستة أمتار ونصف…
الصوت 1 : نعم ، أنا بنفسي تحققت من ذلك ، قمنا بتمثيل مسرح الجريمة ، وكان يفصلك عنها ستمائة وخمسين سنتمتراً ، وما يفسر أن الأمور التبست عليك هو النظارة ، 
الصوت 2 : أنظر إليها _عبيد يحمل النظارة ويتأملها_ إنها مكسورة ، محطمة تماماً ، إنها لا تسمح لك برؤية شيء ..

عبيد يرتدي النظارة ، ينهض بسرعة من على الكرسي محاولاً إثبات العكس ، يمد يديه إلى الأمام كأعمى ، ويتعثر بالمنضدة ،

الصوت 1 : هه ، أنت بالكاد ترى ..
الصوت 2 : أضف إلى ذلك غاز “البونبان”.. نحن اطلعنا على تقريرك الطبي ، لقد كانت عيناك ملتهبتين ومتورمتين.. وفي اعتقادي أنهما كانتا ممتلئتين بالدموع.. وأنهما عندما آلمتاك استخدمت يديك وحككتهما.. وذا عقد الوضع. لقد كنت كمن يصب الزيت على النار.. فكيف لك أن ترى وتتيقن من الطريقة التي ماتت بها نور!
الصوت 1 : التقرير الطبي أنصفك ، وقال بأنك ربما تكون قد فقدت الوعي لثانيتين أو ثلاث ، مما يجعلنا غير قادرين على استبعاد أقوالك… لكن ذلك لن ينفي مطلقاً التهيؤات…
الصوت 2 : إنه الربو ، وأي رجل آخر ، عداك ، كان ليختنق ويموت.. أنت صمدت ببسالة وحاربت من أجل امرأة تحبها ، وظللت حيّاً رغم كل المحن التي جابهتك… لكن لنستمع مجددا ﻷقوالك …
الصوت 1 : شغل المسجل يا عبيد …

عبيد يمد يده ليضغط على زر التشغيل فيخرج منه صوت متقطع وغير واضح : 
(السابع من أبريل ، الساعة العاشرة صباحاً ، مستشفى الشرطة ، الأقوال الأولية للشاهد رقم خمسة وستين ، المدعو “عبيد” _صمت_

عبيد مضطرب ومتقطع الأنفاس ، مع سعال بين الفواصل : …رأيتها بأم عيني ، كانت واقفة كشجرة كستناء خالدة ، ثم.. ثم بوم بوم بوم تطاير ورقها.. أقسم لكم لقد كان هنالك قناصة ، عدة قناصة ، وأحدهم بالتحديد هو من صوب سلاحه إلى ما بين حاجبيها ، بإمكاني أن أتعرف عليه ، إنه رجل أسمر وقصير…) ينقطع الكلام.

الصوت 1 يضحك بشخير : لابد وأنك تحلم ، أرأيت كيف أن أقوالك غير متزنة.. هه ، رجل أسمر ، وقصير.. هذا ما ينقصنا !

عبيد يعيد تشغيل المسجل مرة أخرى_لكن بصوت منخفض ، مقرباً إياه من أذنه ..

الصوت 2 : آه دقيقة ، أنت في هذا الشريط تؤكد لنا بأنك سمعت ثلاث طلقات ، بوم بوم بوم… وهذا غير ممكن ، إن عدد الطلقات في اللحظة التي ماتت فيها نور كانت طلقة واحدة وفقط… وتقرير الطبيب الشرعي ، الذي شرح الجثة ، أكد أن الرصاصة اخترقت رأس نور من الجهة الخلفية ، وراء أذنها اليسرى ، وليس من بين عينيها كما تزعم … وأكد ذلك كل الشهود..
الصوت 1 : إن الذي أطلق الرصاصة لابد وأنه رجل محترف ، أكثر بكثير من رجل شرطة ، لقد استخدم عياراً من النوع المتفجر ، بطريقة لا يمكن معها إثبات شيء عبر التحقيقات… لكن يا عبيد ، أتمانع لو أن أدخن أمامك سيجارة ، سيجارة واحدة؟!

عبيد ينفعل ، يخطف علبتي السيجار باهتياج ، ويلقيها بعيدا !

الصوت 1 : الربو ؟! 
الصوت 2 : مازلت أتساءل كيف لإنسان يختنق بالدخان والغاز ، وعلى مشارف الموت ، أن يجزم بأن من أطلق الرصاصة رجل قصير وأسمر ..!
الصوت 1 : حسناً ، نحن نعيش في دولة قانون ، وليس غاب ، لذلك قدم لك التحري صور كل أفراد الأمن الذين شاركوا في فض الميدان ، وأنت ببساطة أشرت لواحد منهم بأنه القاتل ، أليست هذه جريمة بحد ذاتها…! 
الصوت 2 : أتعلم من كان ذلك الشخص ؟! إنه مهم يا عبيد ، مهم بالنسبة لنا ، لو سقط ستنهار خلفه أسماء كبيرة ، حتى بمجرد ظهور اسمه في التحقيقات ستُكشف أسرار كل الأطراف ، النظام والمعارضة .. 
الصوت 1 : أتقبل أنت بتوجيه تهمة لإنسان على الظن ، ياله من عار ؟!
الصوت 2 : عبيد نحن هنا لمصلحتك ، إنك رجل شاب وعازب ، ولك أسرة ترعاها ، أب مريض وجدة ، أتعلم ما الذي ستجنيه لو استمريت في عنادك ..؟! لا شيء ، 
الصوت 1 : ربما توجه لك تهمة ، وتغرم وتسجن لادعائك الكاذب ، هنالك مئة وأربعة عشر شاهد غيرك لصالح الرجل ..
الصوت 2 : بلى ، سترفع ضدك قضية إشانة سمعة ، وسيفند أي قاضي أقوالك ويرميها في المزبلة ، ولن تجد حينها أحدا يقف بجانبك ، سيرمونك كما رموا نور…
الصوت 1 مغتاظا : المرأة التي تعجبكم هذه .. سنكرمها ؛ وسنسمي شارعا باسمها ..
الصوت 2 : شارع “الشهيدة نور” ، سيصل بين تقاطعي الحرية والكرامة ، لكن يجب قبل هذا أن تكون ذكياً ..
الصوت 1 : فكر في كل ما قلناه للتو يا عبيد ، وفي كل ما ستقوله لاحقاً …
الصوت 2 : فكر ..
الصوت 1 : فكر جيدا ..

فكر _ فكر _ فكر في نور _ فكر _ الربو.. الشهيدة _ عبيد فكر في .. _ فكر _ لم ترَ شيئا_ أبوك؟ _ إنك عازب _ فكر في .._ في .. في.. _ فكر يا عبيد .. أقوالك مغلوطة _ ف .. ف..كر .. إنك لا تحبها _ ستسجن و”….”_ ف.. ف.. فكر!

يسدل الستار مع صرخة عبيد !!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً