الرئيسية / احدث التدوينات / مسرح وعي السلطة بالمجتمع وتفاصيله والإستيلائية عليه!!

مسرح وعي السلطة بالمجتمع وتفاصيله والإستيلائية عليه!!

gold mask of tragedy and comedy between a red theatre curtain

     نراهن على المسرح في قيادة الحياة، وقيادة السياسة كلها، نراهن على المسرح في أن يكون المحرك لكل فعل في حياتنا، نراهن على ذلك ونحن نعلم مقدرات المسرح السوداني، وكل أهل المسرح في بلادنا.

     قد يكون المسرح عندنا (مُغيباً) بفعل فاعل، قد تكون الظروف قاهرة وصادمة للمسرح ولنا وللمسرحيين، ولكن هذا لا يشفع لأهل المسرح أن يظلوا صامتين، فنحن نهمس لهم بضرورة أن يكونوا (في قوة دافعة) تؤكد أحقيتهم في قيادة الحركة الثقافية السودانية.

    ليس ضرورياً أن نتفق مع بعضنا، ولكن ضرورياً أن نتفق على أن نكون صارخين بصوت المسرح في بلادنا، صارخين بقوة.

     بلادنا تحتاج إلى حركة مسرحية قوية وقائدة، مثل التي كانت في السبعينيات من القرن الماضي، نشتاق إلى صفوف تقف أمام المسرح القومي السوداني تنتظر دورها في الدخول إلى الداخل لتشاهد مسرحية، هذا حلمنا المشروع، لا أظنه حلماً صعباً التحقيق، بل هو حلم الوطن كله، وبالضرورة أن نسعى لتحقيقه كلنا.

     كلنا مسرحيون شباب ورواد، فعل المسرح فعل جماعي دفاق، لا تستطيعه الأقلية حتى وإن كانت قوية، فحشد الأغلبية لفعل المسرح السوداني هو المنتهى الذي نسعى له بأدوات التحالف مع الإختلاف، وهي الفريضة التي يجب أن يستطيعها أهل الدراما والمسرح.

     نريد أن يعرفوا الطريق إليها (تحالفاً مع اختلاف)، نتحالف من أجل المسرح السوداني، نتحالف من أجل العافية المنتظرة له، هي الفكرة التي نشتاقها بقوة في زمن التراجعات الكلية، وإن تراجعنا كلنا عن فكرة التحالف مع الإختلاف، فهذا يعني مواصلة التراجعات والأزمات، وبذلك تكون واحدة من أدوات الوعي والاستنارة محاصرة بالكامل، محاصرة عن فعلها المجيد ومحاصرة عن صناعة الوعي نفسه للمجتمع.

     صناعة الأزمة في المسرح فعل السلطة العارفة بدوره التنويري الذي يهزم تطلعاتها في الاستيلاء على المجتمع والبلد، فإشارات المسرح بالوعي تجعل تلك السلطة في خوف حقيقي، لأن المسرح يصنع الثورة المنطلقة بالوعي وهي الثورة التي لا تُهزم مطلقاً، وصرخة المسرح في أصلها صرخة ضد الذين يحاولون تزييف وعي المجتمع وتأطيره وتقييده وقتله سريعاً وبطيئاً.

     لماذا تحاول السلطة محاصرة المسرح أكثر؟

      قناعة راسخة عند كل السلطة بأن تفاعلية المسرح (الحقيقي) هي التي تصنع (الوعي)، فإن كان المسرح صوتاً للوعي فهذا يعني أنه ضد كل أصوات السلطة، وإن فعل فعله التحريضي بالهمس أو الرمزية أو الإشارة أو الصرخة، فسيحقق نهضة بوعي، ثم ثورة بحركية واعية ضد كل الضعف والمُناخ الذي يصنع الضعف.

     وجزء من المسرح يفعل ذلك، ليس كل المسرح، فهناك مسرح يحاول صناعة تزييف في الوعي، مسرح يصنع النهضة كحلم لسلطة وليس مجتمع، ونهضة السلطة أكثرها في كيف تستطيع الاستيلاء على المجتمع لتحقيق سطوتها وقهرها فعلاً وممارسة، وهذا النوع من المسرح يمكن أن يكون صاخباً بفعل السلطة وراءه، لكنه لن يكون باذخاً بفعله نحو المجتمع.

     مسرح السلطة، تصفق له السلطة وأصواتها بهدف الوصول به لمقام كونه (صوت المجتمع الحقيقي)، ومنه يتم تشكيل الرؤية الخاصة بالسلطة في طقوسها الاستيلائية على العقل الجمعي وتأطيرها لأحلام المجتمع لتكون زائفة مثل أحلام السلطة، وبذلك يصنع مسرح وسلطة ومجتمع، مثلث الوعي الزائف.

     وعلى ذلك فأعيينا مطلقة في التحديق لصالح تحليل الفرق ما بين المسرحَين، مسرح وعي المجتمع بنفسه وتفاصيله أم مسرح وعي السلطة بالمجتمع وتفاصيله والإستلائية عليه، لنهزم مسرح السلطة رغم صوته الصاخب بصناعة مسرح الوعي داخلنا، فكرة ورؤية واتجاهات، ثم بعد ذلك نقول لمسرح الوعي الذي حلمنا به، كن صوتنا، ولن يكون هنالك صوت لمسرح السلطة، بالضرورة غياب صوت مسرح السلطة، لا يوجد في العالم مكان يسع مسرحَين، مسرح وعي المجتمع بنفسه وتفاصيله ومسرح وعي السلطة الإستيلائي.

      ويمكن أن يصرخ المسرح بوعي جزئي من السلطة، كأنه لا صوتها (الحقيقي)، لكنها هي نفسها بصوت بعضه بوعيها وبعضه الآخر بسطوتها التي تحاول قيادة المجتمع لساحاتها والمسرح (أداة لذلك)، أحياناً المسرح صاحب الوعي يرفض ذلك، وأحياناً يكون مسرحاً ضعيفاً من ناحية الوعي فيكون جزءاً من فهم السلطة لتزييف وعي المجتمع مسرحياً.

     ولكن، كيف نقاوم ذلك الفعل السلطوي لترسيخ وعي يمتلئ بالتزييف والمحاصرة لنا، لا حل لنا إلا بصياغة وعي في اتجاهين، أولهما في اتجاه مقاومة، والثاني في اتجاه بناء مقومات الحضارة هكذا (مقاومة وبناء)، والمسرح هو صانع الحضارات والمجتمعات.

     والبناء فعل موازي للمقاومة، لأنها هي المرتكز الذي يحقق لها نجاحاتها كلها، المجتمعات في طبيعتها تبحث عن البديل في حال تدافع اتجاهين أمامها، فليكن البديل هو فهم البناء لعقل مجتمعي مسرحي بتشكيل قاعدة معرفية عند المجتمع بأن مسرح الوعي هو مقاوم لمسرح تصنعه السلطة بوعي استيلائي ليكون المجتمع والمسرح جزءاً منها، وتكون هي الحاكمة والمؤثرة والقائدة لكل فعل، والسلطة عندما تقود المسرح، تفعل ذلك لتصنع مجتمع يشبهها ويتفاعل معها صوتاً وفكرة ورؤية.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن