الرئيسية / احدث التدوينات / مشكلة المرأة

مشكلة المرأة

image

 

لا أدري إن كان العنوان صحيحا ، أو حتى لائقا ؟! … لكن الأكيد أن كيفية وجودها اليوم لا يزال إلى اليوم قضية قائمة ، لم تنتهي إلى حل يرضي الجميع ! و الأكيد أيضا أن هذا الموضوع لم يكن ليثار لولا أنه وجد شعور بأن المرأة لا تحظى بالمكانة المناسبة …

من هنا سنبدأ حديثنا عن المرأة … أعني سنبدأ بالحديث عن “مكانة المرأة” ، ذلك المصطلح الذي يقصد به : مرتبة وجودها الاجتماعي ، من هذا المنطلق ، انطلق الشرق و يسبقه في ذلك الغرب ، يبحث لها عن كيفية إدراجها في الواقع الاجتماعي المعاصر …

و لعل أطرف ما في الموضوع ، أن الفكر العلماني السائد ، تحت عنوان : الحداثة ، أخذ أقصر الطرق ، و أزال الفوارق الجنسية بالكلية ، بين الرجل و المرأة ، لولا أنه يوجد مالا يستطيعه الرجل بيولوجيا ، مثل الحمل و الرضاعة …

و أخشى ما أخشاه ، أن يكون ترويج أخبار بين الفينة و الأخرى ، عن وجود رجال حملوا و أنجبوا ، خطوة ممنهجة في هذا السياق ، خاصة أن غالبية البشر لا تقدر على التأكد من صحة الخبر … على كل ، يبقى موضوع التحول الجنسي مثارا للجدل ، خاصة في ظل شيوع الفكر العلماني المتطرف ، من الفرويدية إلى السادية …. و هلم جرا

أيا كان الموضوع ، لا يبدوا أن إزالة الفوارق الجنسية منهجا ناجعا ، ما دام أن الموضوع مثارا إلى اليوم …

إن هذا المنهج ببساطة ، لم يكتفي إلى اليوم بإثارة الفوارق النفسية دون الجسدية فقط ، بل و يحاول مع إزالة الأخيرة ، بنشر ثقافة “الإباحية المطلقة” –و العياذ بالله- ! … و لا عجب ، فالفكر الحداثي ، لا يرى الإنسان إلا موضوعا يدرس ، و بالتالي لم يعد يرى من حاجة إلى الفوارق الجنسية إلا في ضرورة الإنجاب !

بهذا الشكل ، مطلوب من المرأة أن تتخلص من طبيعتها السترية ، إرضاء لمنهج إزالة الفوارق ، حتى لا يكون هنالك من حجاب يحجب بينها و بين الرجل … أي لم تعد الحشمة مبررة في الفكر الحداثي ، إذ أن الأخير يدعي أن الحشمة عائقا من العوائق في طريق المساواة الجنسية … على الأقل ، هذا هو المطلوب منها كي تصبح مساوية للرجل

إن المنهج الحداثي أخذ سبيل المساواة الجنسية من أجل تحقيق المساواة في القيمة الإنسانية بين الجنسين ، أي حل مشكلة مكانة المرأة ، لأنه عجز أن يرى بديلا عن ذلك ! … و مع ذلك ، هو لم يحل مشكلة أن الرجل هنا هو المعيار لمكانة المرأة ، و من المعلوم أن المعيار دائما يحتل مرتبة مركزية على المعاير به ، إذ يضل بمثابة المثل الذي يتوجب عليه أن يصل إليه البقية لكي يصل إلى الصواب ، بمعنى آخر : تضل مرتبة الرجل أعلى من مرتبة المرأة دائما ، ما دام أنه معيار لها و لتقدمها المزعوم ! …

إن هذا المنهج ، الذي أزال كل خصوصية للمرأة ، و جعل خصوصية الرجل هي معيار تقدمها و تحضرها المزعوم ، هو بذلك يناقض سعيه لرفع مكانة المرأة ، على حسب ما يرى هذا المنهج كيف يجب أن تكون المكانة الكريمة … و انظر إلى الخطاب الحداثي ، الذي يدعي بأن المرأة منذ الأزل ، بقيت مظلومة على هامش التاريخ ، ليس لها مكانة تسمح لها بأن تساهم في البناء الحضاري ، إذ ظلت دائما تابعة للرجل ، في حين كان هو فقط المخول للبناء الحضاري ! …

بتحليل الخطاب ، نرى بكل وضوح أن الرجولية كانت و لا تزال هي معيار التقدم ، و بالتالي كان و لا زال الرجل هو المعيار ، و ما دام هو المعيار ، فستظل دائما هي دون مرتبته ، و سيظل دائما هذا الملف مفتوحا …

إن إزالة الفوارق بينهما ، لم يعجز عن مشكلة مكانة المرأة فحسب ، بل ساهم في إحداث مشكلة جديدة ، من حيث لم يكن يدري … نقول ساهم ، لأنه ليس سوى سببا فيها ، من جملة أسباب أخرى …

هذه المشكلة هي ما يعرف بـ : الفيمينيزمية ، أي التمركز حول الأنثى ، الذي يجعل الأنثى مركزا للكون ، أو على الأقل غاية الوجود ، و في هذا ترسيخ لجعلها قبلة شهوانية مستباحة بالكلية ! … فالمحاولة الحداثية الفاشلة ، أوقعت الأنثى في فخ إدمان التشبه بالرجل ، متناسية خصائصها النفسية و الجسدية ، مما يجعل قضية المرأة ملفا مفتوحا لا ينتهي !

أفضى هذا إلى إهمال جانبها الأنثوي ، سواء من الرجل أو الأنثى باستباحته ، و نحن لا نقول أن الهدف الأول من الحركة الفيمينيزمية هو استباحة جسد المرأة ، و لكن نقول : من نتائج المساواة الجنسية ، استباحة جسد المرأة … و انظر الخطاب الفيمينيزمي الحديث الذي يدعي بأن جسد المرأة ليس هو سبب استثارة شهوة الرجل ، بل انحطاط نفس الرجل هو السبب ! و أن تزين المرأة لمن هب و دب أمر فطري ، تحت شعار : جسدي ملكي ! …

ألا ترى معي مدعية هذا الكلام ، أن المرأة التي تتزين لمن هب و دب ، هي في الحقيقة واقعة في نفس فتنة جسدها التي وقع فيها الرجل اليوم ؟

لقد كان من نتائج هذه الاستباحة ، تخنث بعض الرجال ، حيث أن الإباحية المعاصرة ، جعلت الرجل مهووسا بجسد المرأة ، إلى الحد الذي يجعله يحاول التشبه بها ، طمعا في إرضاء شهوته المستعرة في الوصول إلى المرأة في كل حين ! من حيث كان يدري أو لا يدري !

و بهذا فقد كل من الرجل و المرأة على حد سواء !

يا للعجب !

إن الخطاب الحداثي ، يهمل خصوصية كل من الرجل و المرأة ، و يرفع عنهما الفروق الجنسية ، بل و يهمل دور هذه الفروق في البناء الحضاري … تلك الفروق التي تجعل لكل منهما خصوصية في البناء الحضاري

بدل ذلك ، نرى اليوم أن كل هم منهما بناء منظومة استهلاكية صرفة ، تستهلك الموارد الطبيعية ، تستهلك الزمن ، و تستهلك حتى الإنسان ! عنوانها : الجشع ، و عرضها : الإدمان ! … تلك المنظومة التي جعلت المرأة سلعة ، و المشكلة أنها أصبحت كذلك بموافقتها ! أي بعد أن أنكرت خصوصيتها الأنثوية ، و جعلت كل همهما الاندماج في منظومة حضرية معاصرة ، تشجع على الاستهلاك

إن المرأة اليوم لم تعد تولي أهمية لخاصيتها الأنثوية ، لأنها اقتنعت بأن لا فائدة ترجى منها في البناء الحضاري ، إذ الطابع الحضري المعاصر طابع استهلاكي صرف ، يمجد الإنتاج ، إنتاج ما يمكن استهلاكه الإنسان ليس أكثر ! … حتى إن الفكر الحداثي شوه صورة الطموح ، جعله مجرد إطلاق لطاقة الإنسان ، في مجال مخصوص ، هو المجال الذي يوافق عليه الفكر الحداثي ، على أنه هو من البناء الحضاري ، أي الذي يندرج ضمن وسائل بناء منظومة استهلاكية في نهاية المطاف …

و قد ذهب الإنسان إلى أبعد من ذلك ، ذهب إلى جعل صرف طاقته في الحركة المستمرة ، هو غايته الكبرى ، و هنا مكمن تشوه معنى الطموح ، حتى إن الروح الدينية سجنت اليوم في هذا الاستهلاك الطاقوي … فإذا كان هذا الحاصل مع الروح الدينية ، فكيف لا تقع الأنوثة في فخ الاستهلاك ؟ …

إن الأنوثة اليوم تصرف في الاستهلاك ، تحت شعار : جسدي ملكي ، أو شعار : حق الممارسة الجنسية الحرة .. بدل أن تصرف في تثبيت منظومة استقرارية ، يكون لها سلطان على الطاقة الحركية ، توجهها إلى ما فيه الصواب …

إن وقوع الأنوثة في فخ الاستهلاك هو علة انهيار الأسرة … و من المعلوم بأن الأسرة إذا انهارت ، انهارت معها الحضارة ، و إذا قامت ، قامت معها الحضارة … من حيث أن الأنوثة بطبيعتها خزان للأخلاق ، فإذا عرضت على الاستباحة ، افرغت من مخزونها الأخلاقي ، فضاعت أخلاق كل المجتمع ، و إذا ضاعت الأخلاق في المجتمع ، كان ذلك إيذانا بقدوم الخراب على الحضارة …

ثم إنه لا حضارة بدون روابط مجتمعية قوية ، و لا وجود للروابط المجتمعية القوية إلا بتكوين الأسرة ، فإذا ضعفت الأسرة قويت عكسيا نزعة المصلحة الأنانية ، تلك النزعة التي هي نفسها الطابع الاستهلاكي ، و هي النزعة التي ليس بمقدورها بناء روابط مجتمعية قوية ، بل تبني روابط أوهن من الوهن ذاته ، من حيث أنها قابلة للاختراق في كل حين … حيث أنها لا ترقى إلى مستوى الميثاق ، و لو حاول المدلسون تغييب حقيقتها هذه … و من المعلوم أن الأنوثة هي جوهر الأسرة ، من حيث أن الجميع في الأسرة يسكن إليها ، فإن كان الرجل هو مصدر حماية للأسرة ، فإنه من الجنون أن يحرس الحارس بيتا خربا ، أي لا توجد فيه أنثى !

إن حديثنا هنا ليس عن مكوث المرأة في البيت على وجه التحديد ، بل حديثنا هنا عن وجوب إدراج الأسرة بما فيها جوهرها : المرأة ، في المنظومة الحضارية .. بدل الإقصاء الذي تعاني منه في الفكر الحداثي العلماني ، الأمر الذي أوقع المرأة في إدمان التشبه بالرجل –كما رأينا سابقا- ، و ما يتبع ذلك من كوارث أخلاقية لاحقة ، ماحقة للمنظومة الحضارية !

إن هذا الأمر يقتضي أن نخفف من مأسسة المنظومة الحضارية ، و نزيد من تأهيلها ، أي إعادة الإعتبار للأهلية (من الأهل) كجوهر للمنظومة الحضارية ، فقد رأينا ضرورة الأسرة القوية في البناء الحضاري … ثم إن الحضارة ما هي بناء تاريخي لا يقوم حتى يستأنس أفراد الأمة لبعضهم البعض ، فإذا وجد مبدأ الأنس ، لم يستغنى الإنسان عن الأسرة ، و تطبع الفكر الحضاري بطابع الأهلية ، طابع الأنس ، بدل طابع الاستهلاك ، طابع المصلحة الأنانية المهلكة

فإذا تمكنا من تحقيق هذا التغيير ، عادت الأسرة إلى مرتبتها ، ثم عادت مكانة المرأة بشكل يحفظ لكل من الرجل و المرأة خصوصية كل منهما … ثم عادت المنظومة الاستهلاكية خادمة للمنظومة الأهلية ، و لا تُعلى عليها (كما نرى في واقعنا المعاصر) ، المنظومة الأهلية التي يستأنس بها كل من الرجل و المرأة و تكون أصلا لنبائهما الحضاري

من كل ما سبق ، يتضح بأن ما يسمى اليوم : مشكلة المرأة ، ليست مشكلة حقيقية ، لأنها ليست سوى عرض من مرض ، هو مرض افتقاد الإنسان لهويته (رجل كان أم امرأة) ، بعد أن وقع في فخ عدمية الحداثة العلمانية ، التي لا ترى إلا ظاهر الإنسان ، أي لا ترى الإنسان بكليته ، مما جعلها تؤصل بهتانا مركزية الاستهلاك ، سواء أكان استهلاك للموارد الطبيعية ، أو الزمن ، أو الإنسان ، أو حتى الدين !

فإذا تمكنت الحضارة من إعادة هوية الإنسان الفطرية ، تمكنت من خلق منظومتها التي تجعل الخصوصية الإنسانية (خصوصية كل من الرجل و المرأة ، كل على حدى) جوهرا لها … و من ثم تمكنت من إعادة الأنس لها … و من ثم تمكنت من إدراج المرأة فيها ، بما يحفظ لها خصوصيتها تباعا …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .