الرئيسية / العدد الثامن والثلاثون / مصادرة كتاب، هل يحقق اهدافه ؟

مصادرة كتاب، هل يحقق اهدافه ؟

hqdefault

سانديوس كودي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

في خصوص أمر المصادرات التي تعرضت لها بعض الكتب من معرض الخرطوم للكتاب – كما هو معتاد في كل عام – ومساندة البعض للقرار بحجج كثيرة من ضمنها أن بعضاً من تلك الكتب كانت رديئة بالنسبة لنوعها الأدبي وأنها تجاوزت بعض الخطوط الحمراء فإننا نعود لنقول أن التنازل عن بعض من حريتنا لأي سبب من الأسباب هو خطوة أولى للتنازل عن كل ما نملك منها، وأن تأييدنا للذين يراقبون الأمزجة والنوايا وكل ما يدور في البواطن – بغض النظر عن المبررات – يشكل دفعة لهم من أجل مزيد من التمادي في ممارسة الرقابة والوصاية على أذواق القراء.

 فالرقيب الذي يصادر كتاباً اليوم لأنه يعتقد بأنه تجاوز خط أحمر اجتماعي هو نفسه من سيصادر كتاب لو اعتقد انه تجاوز أي خط من خطوطه الكثيرة التي يضعها سواءً كانت سياسية أو دينية أو حتى ذوقية وبالتالي فان المحصلة النهائية للرقابة هي مصادرة أي كتاب يخالف توجهات الرقيب بغض النظر عن جودة محتواه.

ولكن ماذا عن الكتب الرديئة او التي يري البعض انها رديئة او مسيئة ؟

في حالة الكتب الفكرية فإن مقبوليتها تقاس بمقدار حجية أفكاره وجدليتها، فطالما كان الكتاب يطرح حججه بطريقة منطقية تجعلها قابلة للجدال والنقاش فانه يعتبر كتاباً جيداً، ويبقى المقياس الوحيد لدرجة ثبات الأفكار التي يطرحها إي كتاب هو مقدرتها على الصمود أمام  الآراء المضادة التي ستوجه نحوه والانتقادات التي ستطاله، ولهذا فان الساحة الفكرية تمثل ميدان تتصارع فيه الأفكار وتفوز فيه الأفكار الأكثر إقناعاً وحجية والأقدر على الثبات أمام الهجمات المضادة، وفي هذا لا أرى دوراً يجب أن يمارسه الرقيب أياً كان نوعه على الأعمال الفكرية إلا إذا أراد أن يمارس نوعاً من الوصاية على عقول المهتمين بالنشاط الفكري، فمتلقي الأفكار يملك من الوعي ما يجعله قادراً على تحديد أي الأفكار هي التي تناسبه بالإضافة لأن الأفكار قوية الحجة لا يخُاف عليها من النقد، لذا فان ما يمارسه الرقيب في الأغلب هو محاولة الدفاع عن أفكاره الضعيفة الحجة أمام كل فكرة يمكن أن تدحض حججه فتجده يمنع كل كتاب يخالف توجهاته من الوصول إلى يد القارئ.

أما الأدب وخاصة الرواية والتي تعتبر الفن الأعقد لتقاطع كل الأنواع الأدبية فيها فإنها تعتبر أكثر الأشكال الأدبية تعرضاً للرقابة والمصادرة والمنع فرواية مثل موسم الهجرة إلى الشمال بكل عظمتها التي وصلت لدرجة إدراج مؤلفها من ضمن الذين كانوا يستحقون الفوز بنوبل للآداب كانت قد منعت من التدريس في السودان في إحدى السنوات وهذا ليس بجديد على الأعمال الروائية المشهورة ،فكثير من الكتاب الكبار منعت أعمالهم العظيمة في دولهم أو في دول أخرى ف”المسخ” لكافكا كانت ممنوعة من قبل النازيين في ألمانيا وكذلك أعظم أعمال جورج اورويل “مزرعة الحيوان” و “1984 ” و “مدام بوفاري” لجوستاف فلوبيرو “لوليتا” لفلادمير نابوكوف و”عوليس” لجيمس جويس كلها تعرضت للمنع، بل إن كتاب الأطفال “أليس في بلاد العجائب” ل لويس كارول كان قد تم منعه في العام 1931 في الصين، وفي كل حال فان الأسباب التي يتم بموجبها منع الروايات تتراوح بين الدينية والسياسية والأخلاقية.

و رغم قرارات المصادرة والمنع التي طالت أعمال كثيرة إلا أن أغلب الروايات التي تم منعها نالت شهرة واسعة ربما لم تكن لتبلغها لو لم يتم منعها، وهذا يجعلنا نتساءل هل تحقق قرارات منع ومصادرة الأعمال الأدبية أهدافها ؟

في اغلب الأحيان فان قرار منع نشر عمل روائي أدى إلى نتائج عكسية حيث أنها -أي تلك الروايات- اكتسبت شهرة بفعل الجدل الذي يصاحب منعها بالإضافة إلى التعاطف الذي يجده الكتاب الذين تتم مصادرة أعمالهم والذي يساهم في انتشار كتاباتهم التي لم تكن مشهورة قبل قرار منع النشر.

بالإضافة لهذا العامل فان عوامل أخرى تجعل من أمر منع نشر أي من الكتب مجرد قرار ورقي لا تأثير فعلي له على ارض الواقع حيث أن القراء يستطيعون اليوم الحصول على كل أنواع الكتب الممنوعة منها أو غير الممنوعة بمجرد اتصالهم بشبكة الانترنت و لربما تسببت قرارات المصادرة في بعض الخسائر المادية لدور النشر أما بالنسبة للكتاب فان أمر المادة هو أمر ثانوي فالكاتب يهمه أولاً أن تتم قراءة أعماله وهو أمر يتناسب طردياً مع قرار لمنع أو مصادرة كتاب مما يجعله -أي القرار- بمثابة محفز للكتاب من اجل المزيد من الإبداع.

ولكن ما يهم في أمر المنع هو ردة فعل بعض الفاعلين في الوسط الثقافي تجاه الأمر، خاصة الذين استحسنوا القرار بحجة أن بعض الأعمال الروائية التي تمت مصادرتها كانت سيئة متناسين أن الرقيب ذاته كان قد صادر أعمال تعتبر جيدة قبلاً، متنازلين عن دورهم الرقابي الذي يفترض بهم ممارسته على الأعمال الأدبية لصالح الرقيب الذي لا يفقه في الأدب شيئاً، ومن المعروف أن المثقفين أو المهتمين بالأدب لهم دور- ربما هو أشبه بدور الرقيب- في تشكيل الوعي الجمعي للقراء، فالروايات التي تحقق معدلات عالية للقراءة هي تلك التي يجمع عليها اكبر عدد من المثقفين والنقاد والقراء وبالتالي فإنهم يمارسون دوراً رقابياً معتبراً مستخدمين في ذلك معرفتهم بتقنيات الكتابة و ذائقتهم التي تم اكتسابها تراكمياً من خلال ممارستهم لعادة القراءة وهذا يجعل إجماعهم على رداءة أي عمل أدبي بمثابة حكم على العمل قد يسهم في عدم انتشاره في الوسط الأدبي وهو نفس الدور الذي يمارسه الرقيب مع اختلاف الآليات المستخدمة،فالرقيب يستخدم سلطته وقوته بينما يمارس المثقفون دورهم في وسط حر وبمرونة عالية، ولهذا كان محيراً بعض الشيء أن يتنازل البعض عن دور كبير يمكن أن يمارسوه بمرونة وبمعرفة اكبر لصالح آخر ليس له علاقة بالأدب من بعيد أو من قريب.

في كل حال فان قرارات المنع والمصادرة تمثل شكلاً من أشكال ممارسة الوصاية على القارئ، فالقارئ يملك الفطنة التي تجعله يحدد أي الأعمال هي الجيدة أو السيئة دون أن يحتاج لرقيب يغربل الكتب حسب مزاجه ليحدد للقراء ما يقرؤون أو ما لا يقرؤونه، فالأدب في كل الأحوال يجب أن يكون حراً لان الكتابة فعل تمرد على الواقع، الأدب يجب أن يكون طليقاُ مثله مثل العصافير البرية التي لا يجدي وضعها في أقفاص ولو كانت من ذهب، نعم فالحرية التي تنتج أعمالاً عظيمة هي نفسها التي تنتج أعمالاً سيئة جداً ولكن الأعمال التي تدوم هي العظيمة والرائعة فقط

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً