الرئيسية / احدث التدوينات / مفاهيم نيتشوية في رواية كائن لا تحتمل خفته – الشفقة (2-2)

مفاهيم نيتشوية في رواية كائن لا تحتمل خفته – الشفقة (2-2)

126

بقلم: الجزولي إبراهيم

يبدأ ميلان كونديرا جزئيته الأولى من الرواية بتحليل مستفيض عن مفردة شفقة ، فهي في اللغات المنحدرة من أصل لاتيني تعني ” إننا لا نستطيع أن نشاهد الم الآخر بقلب بارد أي أن نشعر بالتعاطف معه وهي مصاغة من الجزر “sentiment” أي شعور وليس ” passio” الم ، يعني أن نشعر بالشفقة “مشاطرة الشعور” معنى ذلك نشاطر الآخر مطلق شعور .

هذه الكلمة تدل على تأثرنا حيال شخص تعرض إلى موقف سلبي ، والقيم الأخلاقية تطرأ عليها تغييرات من وقت إلى آخر ويعاد فهمها وإنتاجها وفقًا لأشياء عديدة تتأثر بها ، وهي من المسائل التي اهتم بها الفلاسفة لكنهم لم يولونها اهتمامًا بالغًا ودراسةً تشريحية دقيقة بعكس ما فعل نيتشه الذي حولها إلى موضوع معرفي وإشكال فلسفي وجعلها شغله الشاغل ، وأصبحت مركزية في فلسفته لأنها هي التي تحدد شكل ونوعية الحياة التي نعيشها والحياة نفسها تعتبر قيمة ، إذا تتبعنا مجمل القيم النيتشوية سنجد أنفسنا إزاء نمطين من القيم ، قيم تعلي من شان الحياة وتثبتها وقيم تنفي الحياة وتحط من قدرها .

سوف يحدثنا ميلان كونديرا عن هذه القيمة اللزجة 🙁 كان ينهر نفسه ويأمرها أن لا تمتثل إلى الشفقة ، وكانت الشفقة تصغي إليه حانية الرأس كأنها متهم . كانت الشفقة تعرف بأنها تتجاوز حدودها ولكنها ظلت تعاند سرًا ، مما حدا بتوماس بعد خمسة أيام من رحيل تيريزا على إبلاغ رئيس العيادة بان عليه أن يعود على وجه السرعة . كان يشعر بالخجل عارفًا بان المدير سيجد تصرفه هذا غير مسئول ولا يغتفر ) . تيريزا هي زوجته التي تزوجها ليخفف عن عذابها كما ورد في النص أي شفقة بها ، وبدخولها حياته حدثت له أحداث لم يألفها وتغير نمط حياته برغم أنه يحبها لكنه لم يكن حبًا خالصًا ( إن كلمة شفقة توحي عمومًا بالارتياب ﻭﻫﻲ ﺗُﻌﻨﻰ ﺑﺸﻌﻮﺭ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺃﻗﻞ ﻣﻨﺰﻟﺔ ﻭﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﺤﺐ إطلاقًا. ﺃﻥ ﻧﺤﺐ ﺃﺣﺪﺍً ﺷﻔﻘﺔ ﺑﻪ ﻓﻬﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﺤﺒﻪ أبدًا ) .

إذا تساءلنا ، لماذا نقفز إلى الماء لننقذ شخصًا من الغرق حتى إن كنا لا نكن له مودة ؟

ثم لماذا نشعر بالألم إذا بصق مريضًا دمًا ؟

يجيبنا فردريش بعمق وتأني ” نحن نفكر بأنفسنا بطريقة غير شعورية ، الحادث الذي يتعرض له غيرنا يحمل في طياته إساءة لنا فهو قد يشعرنا بعجزنا ، بل يجبننا إذا لم نبادر لمعالجته أو يقلل من عزتنا أمام الآخرين وأمام أنفسنا ، أو نجد في ذلك الحادث وذلك المرض تحذيرًا لنا من الخطر الذي يحدق بنا نحن كذلك ، تصرفنا هذا إن كان فيه شفقة فهي شفقة يخالطها دفاع خفي عن أنفسنا وكذلك انتقام لها ، ثم إننا نقوم بذلك للثناء والعرفان اللذين سنجنيهما إن نحن قدمنا يد العون “**.

الشفقة من منظور نيتشوي هي تماهي مع الحياة الضعيفة الهزيلة الخالية من القوة والقدرة ، وهي نوع من الحب للحياة ولكن أي حياة ؟ الحياة الواهنة المتهالكة الارتكاسية ، ويصنف الإنسان الذي يشعر بالشفقة بأنه شخص لا يتسامح مع الحياة إلا حين تكون ارتكاسية وهو إنسان معادي للحياة الفاعلة القوية . وينبهنا نيتشه بان الشفقة تناهض قانون التطور والصيرورة الحياتية لأنها تحوي كل ما لفظته الحياة أي كل ما لم يعد صالحًا وهي بهذا المعنى وسيلة للدفاع عن تلك الأشياء التي ترفضها الحياة وتنبذها ، وهي بذلك تعطي الحياة طابعها المتشائم والريبي .

لو رجعنا إلى السردية سنجد هذه الثيمة تتمحور حول الشخصية الأولى وهو توماس الطبيب الجراح المتميز الذي يتحول إلى منظف وماسح لزجاج النوافذ ، ونجد انه تضامن معه اغلب مرضاه السابقين أو بالأحرى أشفقوا عليه وكذلك القراء ،رغم قوته وتماسكه ومواصلته لحياته كما يحب أي انه لم يطرأ عليه تغيير كبير فتوماس الجراح لا يختلف عن منظف الزجاج ، ومن ناحية أخرى نجد أن سابينا تجسد اللاشفقة النيتشوية تلك الرسامة القوية الشامخة حتى في أكثر المواقف دقة وحرجا ، عندما اجتمع رهط من مهجرين بلادها يناقشون أمر الوطن البعيد المفجوع قاطعتهم سابينا ” إذًا عودوا وقاتلوا ” ، ذهلوا لهذا الظهور المباغت وهذا اللاتفهم الذي لم يكن متوقع منها خاصة وأنهم في المهجر ، لكنها لم تشعر بالشفقة حيالهم أبدًا . و يتجلى هذا الموقف واضحًا عندما عادت إلى مقصورة القطار في امستردام ورأت فرانز جالسًا فنهض لاستقبالها فضمته بين ذراعيها وغمرته بالقبل ، كانت تشعر برغبة جامحة في أن تقول له كما تقول أتفه النساء ” لا تتركني ، احتفظ بي إلى جوارك ، استعبدني ، كن قويًا ” لكنها تعلم تمامًا أن كلمات مثل هاته تجعلها ترزح تحت الشفقة ، واكتفت بالقول : ” كم أنا سعيدة لأنني بقربك ” .

تعوزنا اللغة تمامًا فيما يخص الظواهر الداخلية والمشاعر والغرائز وان ما نعبر عنه هو جزء طفيف من تلك البحيرة الهائلة . (( ما هي الشفقة ؟ هي هذا التسامح مع حالات الحياة القريبة من الصفر ، الشفقة هي حب الحياة لكن الحياة الضعيفة والمريضة والارتكاسية . من الذي يشعر بالشفقة ؟ إنه بالضبط ذلك الذي لا يتسامح مع الحياة إلا حين تكون ارتكاسية ذلك الذي يحتاج إلى هذه الحياة والى هذا الانتصار ذلك الذي يقيم هياكله على الأرض المليئة بالمستنقعات ذلك الذي يكره كل ما هو فاعل في الحياة ذلك الذي يستخدم الحياة لينفي الحياة ويحط من قيمتها )) * .

_______________________

** فردريش نيتشه – الفجر – ترجمة محمد الناجي – افريقيا الشرق .

* جيل دولوز – نيتشه والفلسفة – ترجمة أسامة الحاج – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة