الرئيسية / العدد الخامس والثلاثون / ملخصات ( 01 ) : من أجل المسلمين

ملخصات ( 01 ) : من أجل المسلمين

 11992378_472239259623461_1639781982_n

( هذه الفقرة هي محاولة لعرض محتوى كتاب ما بطريقة مختصرة ، تهدف إلى تلخيص المعلومات الواردة فيه ووضعها مباشرة أمام القارئ )

 تقديم :

” يد ممدودة وفعل تضامني ” هذا مايمكن أن نختصر فيه رسالة كتاب ” من أجل المسلمين ” للكاتب الصحفي ذائع الصيت إيدوي بلينيل .
بدأت فكرة الكتاب بمقال نشره إيدوي على موقع جريدة ” ميديا بارت ” الإلكترونية التي يرأس إدارتها حول قضايا الهجرة ، وخاصة هجرة العرب والمسلمين ، وإعتبارها شماعة يُعلق عليها عجز الطبقة السياسية عن إبداع حلول للأزمة السياسية والإجتماعية الشائكة التي تعرفها البلاد ، ورغم رفضه السابق لفكرة تحويل المقال إلى كتاب رغم إلحاح العديد من أصدقائه ، إلا أن إيدوي لم يحسم قراره بهذا الشأن إلا بعد أن استمع لتصريح واحد من أبرز المفكرين الفرنسيين ” آلان فينكلكروت ” مؤلف كتاب ” الهوية التعيسة ” عشية إستقباله كعضو جديد في الأكاديمية الفرنسية  ” هي أكاديمية تأسست سنة 1635 وهي من أقدم الهيئات في فرنسا . تم تأسيسها في عهد الملك لويس الثالث عشر من قبل الكاردينال ريشيليو . من مهماتها الحفاظ على اللغة الفرنسية . ” : ” هناك مشكلة الإسلام في فرنسا ” .


يقدم إيدوي لنصه بإهداءات لإدغار موران ” الذي يبين الطريق ” ، وإلى والدته التي علمته حب الناس .. كل الناس ، وللعرائش ، حيث تلقى أبجدية التقمص الوجداني للآخر ، ثم يستعير من ” محاولات ” مونتين هذه الجملة : ” كل إنسان يحمل الشكل الكامل للشرط الإنساني ” ، ومن رسالة إيميل زولا الشهيرة إلى فرنسا : ” الجمهورية مكتسحة من طرف الرجعيين من كل صنف ، يعشقونها عشقاً عنيفاً ومرعباً ، يعانقونها لخنقها ” .
وفي سياق حديثه عن الأسباب التي دفعته لترجمة هذا الكتاب ، يقول عبد اللطيف القرشي عن الوضعية الأليمة التي إكتسبها موضوع ” الإسلاموفوبيا ” بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 :
” أفضت هذه الوضعية الأليمة إلى إحداث تشويش وبلبلة في الأذهان ، وتزايدت معها مشاعر العداء والحقد والكراهية للمسلمين ( بالأصل والإنتماء ، أو بالشكل والمظهر والاسم ، أو بالثقافة والمرجعية ، أو العقيدة والممارسة ) ، فحقُّ القاريء العربي والمسلم – مهما كانت درجة علاقته بالعروبة والإسلام – أن يطلّع على الصورة التي يرسمها له غيره ، وكيف ينظر إليه الآخرون وأن يدرك أن الغرب كله ليس ملة واحدة ، وإلا فإنه يقع في خطأ من يوصمونه بالسوء نفسه “
يحتوي الكتاب على 11فصلاً تمت عنونتها بواسطة المترجمة وبتزكية من الكاتب ، الذي إكتفى بوضع أرقام للفصول في نصه الأصلي ، وعناوين الفصول هو :
– الأصل لا يعصم من شيء
– ” مشكلة ” فرنسا
– ” أنا أتهم ..! ” اليوم
– يمين ضد المساواة
– يسار ضد الإخاء
– حرية الإعتقاد
– اللائكية الأصلية
– تجاهل العالم
– لقاء الآخر
– في مديح التقمص الوجداني
– رسالة إلى فرنسا .

1- الأصل لا يعصم من شيء :

’’ هناك مشكلة الإسلام في فرنسا ’’

يعلق إيدوي بلينيل في هذا الفصل الإفتتاحي على هذا التصريح الإقصائي ذو اللغة الأحادية المنغلقة على الآخريات للأكاديمي ” آلان فينكلكروت ” قائلاً :

’’ في كثير من الحالات تكون للوجاهة تداعيات أكثر كارثية من تداعيات الشيخوخة : تلك التشريفات التي تتستر على النكسات ، تلك النياشين التي تفضح التنازلات ’’

ثم يواصل :

’’ ” آلان فينكلكروت ” المنتخب حديثاً من الخالدين ( صفة تطلق على الأشخاص المنتخبين لعضوية الأكاديمية الفرنسية حرّاساً على سلامة اللغة الفرنسية ) والذي نصّب نفسه ناطقاً بإسم الفرنسيين الأقحاح في مواجهة تهديد الاستبدال الكبير ( مصطلح جديد وظفه الكاتب الفرنسي رونو كامي حيث يرى أن المجتمع الفرنسي يعرف تحولاً سريعاً بسبب الهجرة والخصوبة المرتفعة للأقليات العربية والأفريقية مما سيجعلها تمثل أغلبية ساكنة البلاد ) الذي نظر له شريكه في التقهقر الكزينوفوبي ( الخوف من الأجنبي أو رهاب الغريب ) رونو كامي ، فالكاتب ليس فقط حاملاً لراية فكر محافظ مهين للحداثة في مختلف أشكالها ، بل أصبح الضمانة المحترمة لأكثر الأطروحات العنصرية بساطةً ورداءة ، المقترنة باختزال أعمى للاحتراز ضد العنصرية ’’

قبل أن يعود لينعش ذاكرة فينكلكروت ويذكره بماضيه حين قدم قبل أكثر من ثلاثين عاماً مرافعة دفاعاً عن المُبهم ، وداعياً إلى التفكير في العالم في شموليته :

’’ الأصل لا يعصم من شيء ، فوحدها الحياة تقدم الدليل من خلال مسارها وإنسجامها ، فقد سبق لنا أن عرفنا  فينكلكروت مختلفاً ، غير أن ذلك كان منذ زمن طويل ، سنة 1980 في كتابه ” اليهودي المتخيل ” حين قدم مرافعة دفاعاً عن المُبهم داعياً إلى التفكير في العالم في شموليته ، بدل إختزاله في هويات محتجزة في مواقع معينة وأصول ثابتة لا تتبدل ، وأمم منغلقة على ذاتها . ’’

ثم يصدر حكمه على حالة التبدل هذه :

’’ هذا القنوط المتولِد عن الانزعاج من النبذ هو الذي يدفع من أدرك النعمة حديثاً إلى المبالغة في الحماس ؛ فهذا الذي أدرك النعمة لن يدخر جهداً لإشباع رغبته في أن يحظى بالاعتراف والتقبل إلى حدّ المخاطرة بالضياع ، ضياع تاريخه وذاكرته وإرثه .

 2- ” مشكلة ” فرنسا :

’’ هناك مشكلة الإسلام في فرنسا ’’

يؤمن إيدوي بأن هذه الجملة لفرط ما سمعها مراراً وتكراراً سوف تدخل فرنسا في حرب عقيدة معينة ، وتجعلها تتأقلم مع الأحكام المسبقة وتتعود على اللامبالاة ، وتستأنس بالأسوأ ، ومن أجل ذلك كله تبلورت لديه فكرة تحويل المقال إلى كتاب ، هذا الكتاب الذي يوجهه للطبقات العُليا :

’’ إن الطبقات العُليا هي التي تُهِمني هنا ، بحكم أن الهواجس المناهضة للأجنبي لا تتولد تلقائياً ، بل توجدها وتصونها دائماً هزائم أكثر أهمية ، تتمثل في النكسات الفكرية ، إن الذين يتوافرون على بذخ اجتماعي مقبول ، سواء عذر الأوضاع أو الجوار ، أو عذر البؤس والقلق ، هم الذين يفترض فيهم المساهمة في التربية والتنوير والرقي ، بدل التدجين والتجييش . هم الذين يزعمون امتلاك المعرفة ويؤكدون أنهم يفكرون ويسعون إلى التوجيه ، لكنهم أصبحوا ، أمام تحديات الواقع وشكوكه ، جهلة وأغبياء وخطيرين . وأمام عجزهم عن المعرفة والتفكير والتصرف لم يعد بمقدروهم أن يقترحوا سوى انفعالات قاتلة تغلفها هواجس الاسلاموفوبيا : الانفعالات البئيسة لعدم المساواة والتراتيبية والتمييز ، انفعالات مدمرة لن تستثني في نهاية المطاف أحداً ما دامت تؤدي حتماً إلى الفرز والتمييز والإنتقاء بين أفراد جماعتنا البشرية . إنها انفعالات نكوصية ومدمرة تُلغِمُ وتُخرِب أمل الانعتاق الذي كان مُحرِكه دائماً هو المساواة في الحقوق ’’

يتذكر إيدوي بكثير من القلق المادة الأولى من دستور الجمهورية الرابعة ، هذه المادة المُحتفظ بها في دستور الجمهورية الخامسة ، والتي مازال معمولاً بها إلى اليوم :

’’ غداة الانتصار الذي حققته الشعوب الحرة على الأنظمة التي سعت إلى إستعباد الناس ، وإذلال الكائن البشري ، يعلن الشعب الفرنسي من جديد أن كل إنسان بغض النظر عن جنسه ودينه ومعتقداته ، يتوافر على حقوق مقدسة لا يجوز مصادرتها ’’

يعلل الكاتب هذا القلق بعدة عوامل منها ما أشارت إليه اللجنة الوطنية الإستشارية لحقوق الإنسان CNCDH في تقريرها السنوي حول العنصرية ومعاداة السامية والكزينوفوبيا إلى استفحال العنف وأن المعطى الاكثر ثباتاً وتجذراً في هذا العنف هو التعصب المعادي للمسلمين ، بعد عام واحد من ذلك رفعت نفس اللجنة من مستوى التحذير عندما لاحظت عودة : ” عنصرية فظة ، بخلفية بيولوجية ، تجعل من الأجنبي كبش فداء ” .

إضافة إلى فقد المؤشر العام للتسامح داخل المجتمع الفرنسي الذي تقيسه اللجنة لـ 12 نقطة منذ العام 2009 وهي سنة النقاش المزعوم حول الهوية الوطنية ، كتكريس لسنتين من البيدغواجيا ( لا يوجد تعريف محدد فهي غالباً مرتبطة بالمصطلحات التي تجاورها ، لكن عموماً تعني مجموع طرق التدريس ) المضادة التي قادها ساركوزي ، والعنصرية وكراهية الأجنبي لا تتولدان تلقائياً ، بل إنهما حصيلة لسياسة تستلم لهما وفق تعبير إيدوي .

ثم يوضح بلينيل خطورة هذه العنصرية :

’’ إن العنصرية مثل دمية روسية بشعة ( الدمية الروسية عبارة عن دمية تتضمن داخلها عدة دمى أخرى بأحجام متناقصة ، بحيث أن الأكبر تحوي الأصغر منها وهكذا . ) ، إن تحررت من عقالها فلن تستثني أي هدف ، والحال أنه من خلال المرور عبر التطبيع معها في مواجهة المسلمين ، تحت ذريعة رفض عقيدتهم ، قد استوطنت من جديد وأصبحت مقبولة ومستساغة ، إن اتساع حيز الكراهية ، الذي نشهد عليه اليوم مذهولين ، تكون نتيجته هذا الانتشار المستساغ للعنصرية ضد المسلم ، والذي يملأ الفراغ المتولد عن زجر معاداة السامية (هو مصطلح يعطى لمعاداة اليهودية كمجموعة عرقية ودينية وإثنية ، تم استعمال المصطلح لأول مرة من قبل الباحث الألماني فيلهم مار لوصف موجة العداء لليهود في أوروبا الوسطى في أواسط القرن التاسع عشر ) الذي انتزعناه لحسن الحظ ، ولو بشكل متأخر .

ويلوم فرنسا المستسلمة لليمين المتطرف العنصري :

’’ لقد أصبح بلدنا إستثناءً أوربياً مع يمين متطرف يتموقع في قلب النقاش السياسي إلى الحد الذي يجعله يتهيأ للإمساك بالسلطة ، ويمين متحلل أخلاقياً ، يعصف به الضياع الأيديلوجي والمنافع المادية ، ويسار في وضعية مزرية وضعف لم يسبق لهما مثيل ، وتشتت غير مسبوق ، والأدهى من ذلك كله أنه تائه . في الناحية الأخرى من أوروبا ، لا سيما في اليونان وفي  أسبانيا أو في إيطاليا ، أفرزت الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والاوربية .. الخ بدائل متنوعة ومبتكرة أعطت شكلاً للمواجهة الضرورية ، أو بالأحرى التي يستحيل تجنبها ، بين التقدم المتجدد والمخاوف المتأججة ، أما في فرنسا فإن المجال الفارغ منح للإيديلوجيات التي لا تؤمن بالمساواة فرصة لم تكن لتحلم بها ، أيديولوجيات عصفت بقارتنا في القرن الفائت ، تحت غطاء الانغلاق الهوياتي ’’

يعتبر إيدوي إن الصعود شبه المتواصل للجبهة الوطنية ( حزب يميني متطرف أسسه جان ماري لوبين سنة 1972 وترأسه على حدود 2011 حين سلم اللواء لإبنته مارين لوبين ) إلى يمين متطرف ليس قدراً محتوماً ولكن نتيجة لسياسيين ما فتئوا يختصرون الطريق أمامه بممارساتهم ، حيث لم تستطع في مواجهته أن تفعل أكثر من إعطاء المشروعية لأولويات الجيهة الوطنية .

ثم يطلق صافرة الإنذار التي يريدها أن تصدح عالياً ، من خلال الدفاع عن المسلمين في إطار التنوع :

’’ إن مصيرنا الفردي والجماعي مرتبط عملياً بالمصير المخصص لمسلمي فرنسا ؛ فهو الذي يمتلك اليوم مفتاح علاقتنا بالعالم وبالآخرين ، وذلك بحسب ما إذا كنا نسعى إلى فك العُقد أو تضخيم التوترات ، نسعى إلى التهدئة باعتماد العقل ، أو نؤجج باعتماد الانفعالات مشكلة إسلامية مفترضة ’’
قبل أن يختتم الفصل قائلاً :
’’ إن هذا ليس رهاناً تضامنياً فحسب ، بل رهان الوفاء لتاريخنا وذاكرتنا وإرثنا ودفاعاً عن المسلمين ، كما يمكن أن يكون دفاعاً عن اليهود ، ودفاعاً عن السّود وعن الغجر الروم ، أو أيضاً دفاعاً عن الأقليات وعن المضهدين ، أو باختصار دفاع عن فرنسا . ’’

3- ” أنا أتهم .. ! ” اليوم :

يستعيد إيدوي في هذا الفصل المرافعة الشهيرة لإيميل زولا (1840-1902 كاتب فرنسي مؤثر كان مساهما هاما في تطوير المسرحية الطبيعية، وشخصية هامة في المجالات السياسية ) ” أنا أتهم ” يناير 1898 ، والتي تبنى فيها الأديب الفرنسي موقف الدفاع عن الضابط دريفوس ( ضابط ينتمي لعائلة يهودية ثرية ، أعتقل وحوكم ظلماً سنة 1894 بتهمة التخابر مع العدو الألماني ، وقد أحدثت هذه القضية إنقساماً في الرأي العام الفرنسي ) .

زولا الذي لم يكن عابئاً بالموضوع حتى ذلك الوقت ، كان يعيش أفضل أيام سطوعه الأدبي حيث توج بوسام فارس سنة 1888 ، ثم وسام جوقة الشرف 1893 ، فرئيساً لجمعية الأدباء ، ومرشحاً لعضوية الأكاديمية الفرنسية ، أي أنه رجل تتهده مساويء المال والجاه كما وصفه المؤرخ هنري غليمان ، لكن الرجل تنازل عن هذا الرأسمال الوهمي كما يصفه إيدوي مفضلاً عليه سرمدية المباديء من خلال الدخول في مواجهة المفكرين التقليديين للمرحلة .

 كانت المواجهة قد بدأت قبل ذلك بمقال نشره زولا في صحيفة ” الفيغارو ” وقد كانت تلك نقطة التحول الكبرى في حياته كما يصفها إيدوي الذي يحدثنا عنه قائلاً :

’’ كان عنوان المقال ” من أجل اليهود ” ، ويكفي أن نعوض في سطوره الأولى عن لفظة اليهود بلفظة مسلمين لنسمع صداه في زماننا : لقد كانت صرخة غضب في مواجهة مناخ متعفن ’’

ثم يُحيلنا لبعض فقرات من المقال المشهور لزولا :

’’ منذ بضع سنوات وأنا أتابع ، باستغراب وغثيان متزايد ، الحملة التي يحاول البعض القيام بها في فرنسا ضد اليهود . يبدو الأمر بشعاً ، حيث أسمع شيئاً بعيداً عن الحس السليم ، بعيداً عن أيّة حقيقة وأيّة عدالة ، شيئاً بليداً وأعمى يعود بنا قروناً إلى الوراء ، شيئاً يؤدي بنا إلى أسوأ الفظاعات ، اضهاد ديني ، اضهاد ديني يلوث بالدم كل الأجزاء ، وأريد قول ذلك ’’

يستعرض زولا التهم المتعلقة باليهود :

’’ اليهود متهمون بكونهم أمة داخل أمة ، وأنهم يعيشون حياة طائفية دينية مغلقة ، وعلى هذا الأساس فإنهم يتجاوزون الحدود ليشكلوا طائفة عالمية بدون وطن فعلي ، وقادرون في يوم ما ، إذا قُدِر لهم الانتصار ، أن يسيطروا على العالم ’’

ثم يفندها :

’’ أن يكون بين أيدي بعض اليهود استحواذ أليم على الثروة ، فهذا أمر مؤكد ، لكن الاستحواذ نفسه يوجد لدى الكاثوليكيين والبروستانتيين ، لكن استغلال الغضب الشعبي وتسخيره لخدمة هواجس دينية ، وتقديم اليهود كلقمة سائغة للمحرومين لإسكات احتجاجاتهم بدعوى التخلص ممن يكنزون المال ، دعوات اجتماعية منافقة وخادعة ، يجب إدانتها ويجب فضحها ’’

’’ عندما نصيح كل صباح بأن هناك خطراً فإننا نساهم في إنتاج الخطر ، وبإصرارنا على التلويح بالفزّاعات في وجه الشعب ، فإننا نصنع الوحش الحقيقي ، اليهود كما هم اليوم هم نتاج سلوكنا ، ونتيجة ثمانية عشر قرناً من الاضهاد البليد ، لقد أسأنا معاملتهم وأحتقرناهم ، وسقيناهم مرارة الظلم والعنف ، فليس غريباً أن يختزنوا في أعماقهم وإن بشكل لا واع الأمل البعيد في الانتقام ، وإرادة المقاومة والصمود والانتصار ’’

زولا وجه قبلها رسالة إلى فرنسا قائلاً :

’’ يا فرنسا ، إذا لم تتحلّي بالحذر ، فستذهبين إلى الديكتاتورية ’’

وقبل رسالة إلى فرنسا وجه رسالة إلى الشباب قائلاً :

’’ لا ترتكب جريمة الإشادة بالكذب ، وتدافع بعنف عن لا تسامح المتعصبين وجشع الطامحين ، لأن الديكتاتورية في نهاية الطريق ’’

ومنذ ذلك الحين كان مصير الرجل قد تحدد وقد دفع ثمن ذلك ، حيث نفي إلى لندن لمدة تقارب السنة  ، ثم مات مخنوقاً في شقته الباريسية عام 1902 ، بفعل إجرامي على الأرجح ، لكنه انتصر لمبادئه وقال جملته المشهورة مزهواً بشجاعته أمام قضاته :

’’ ستشكرني فرنسا ذات يوم لأنني انقذت شرفها ’’

4- يمين ضد المساواة  :

في بداية 2012 ، وفي أوج الحملات الانتخابية صرح كلود غيان أحد وزراء الجمهورية الفرنسية قائلاً : ’’ ليست لكل الحضارات القيمة نفسها ’’ ، مشيراً إلى وجود حضارات أكثر تقدماً ورقياً من غيرها ، ثم يضيف أن المقصود هو الدين الاسلامي ، لكن أحد نوّاب الأمة أجابه بأن هذه إهانة للانسانية وفرّت في الماضي أرضية خصبة لنمو الايدلوجيات الأوربية التي أنتجت مراكز الاعتقال النازية .

’’ أنقذ النائب سيرج ليتشيمي شرفنا ’’ هذا ما عبر عنه ايدوي تعليقاً على هذه الحادثة ، قبل أن يوجه لومه العنيف للصحافة التي تجاهلت مداخلة النائب العقلانية والضرورية وركزت على أصوله المنتمية لجزر الأنتيل ، متعللة بحساسيته في محاولة منها لإيجاد تبرير لهذه المداخلة ، معتبرة ما قاله في سياق الأحاسيس والمشاعر الجياشة .

’’ إن وضع تصنيف تراتبي للبشر وما أبدعوه من ثقافات وأديان وحضارات من شأنه فتح طريق الفرز والانتقاء : إقصاء من يتم إعلانه ” أقل تقدماً ” وإعلاء من يُفترض ” راقياً ” وإنكار إنسانية من حكم عليه بالدونية ’’

هذا ما يؤكد عليه إيدوي ثم يعود ليذكرنا بدستور الجمهورية الذي يصر على أن الناس يولدون ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق ، ومؤمناً بأن المساواة مبدأ خلّاق ومولّد للحريات والتقدم ، ومحذراً من عودة المخيال الاستعماري الذي بدأ يطفو على السطح من جديد ، معتبراً إياه السبب الأساسي في تمهيد الطريق أمام البربرية النازية ، التربة العفنة التي نمت عليها فكرة تراتيبية بني الانسان وحضارتهم .

5- يسار ضد الإخاء  :

بعد كلود غيان اليميني المتطرف جاء الدور على مانويل فالس الاشتراكي اليساري الذي أعلن في ندوة تنبؤية خلال صيف 2013 عن ثلاثة تحديات تفرض نفسها على فرنسا خلال العشر سنوات القادمة بحسب وجهة نظره : تحدي الهجرة بسبب الديموغرافيا ( الدراسة الاجتماعية للناس في مجتمعاتهم ) الأفريقية ، مدى تلاؤم الاسلام مع قيم الديموقراطية ، ثم المشاكل التي تنتج عن التجمع العائلي لفائدة العمال الأجانب .

يعلق إيدوي بكثير من الاحباط :

’’ من كلود غيان إلى مانويل فالس ، مع الاختلاف الحزبي من يمين يجنح نحو التطرف ، إلى يسار ينزع نحو اليمين ، ها نحن إذاً في مواجهة إستمرار الهواجس الكزينوفوبية نفسها ، وعلى الخصوص المعادية للمسلمين ’’

وعلى العبارات المرعبة التي تعود مانويل فالس استخدامها منذ توليه شؤون البلاد :

’’ إن هذه التعميمات ليست بليدة فحسب ، بل هي بالأحرى خطيرة ، تعبر عن اختزال السياسة في الجانب الأمني ، وتُمهِد للأيديولوجيا الكارثية التي سادت أمريكا الشمالية كرد فعل على تفجيرات 11 أيلول / سبتمبر 2001 ، حرب الحضارات هاته لم تساهم منذ غزو العراق سوى في استفحال الاضطرابات وتمزيق العالم بالموازاة مع صعود الاسلام السياسي ، لكن هذا النوع من الحروب وما يقترن بها من مسّ بالحريات الأساسية ومراقبة مُعمّمة ، بقدر عجزها عن تهديد العدو الخارجي ، تمارس العنف داخل المجتمع نفسه . ’’

يؤكد إيدوي على أن وجود هذا التمييز ، وتعيين أكباش الفداء يفضي في نهاية الأمر إلى المس بالديموقراطية ؛ حيث تساهم سياسة الخوف هذه في بروز أعداء لها فتصبح حالة الإستثناء هي القاعدة لدولة الحق والقانون ، فتؤدي هذه اللامبالاة تجاه أبناء البلد المسلمين إلى أخطاء ينتج عنها في نهاية الأمر فقدان جزء من حرياتنا في حال عدم احتراسنا للدفاع عنها .

6- حرية الاعتقاد  :

فرنسا تريد مسلمين شفافين ، منعزلين ومتخفين ، منصهرين حسب الخطاب المتداول ، أي غير موجودين في حقيقة الأمر ، فرنسا تريد صهرهم بالكامل وعنه يقول إيدوي :

’’ الانصهار إكراه مرعب ، كما كان الشأن مع الاستعمار ، لا سيما الفرنسي : أن لا نقبل الآخر إلا إذا تخلّى عن ذاته ، أن لا نحفل به إلا إذا قرر أن يُشبهنا ، أن لا نوافق عليه إلا إذا تنازل عن كل ما كانه ، ليس لهذا أدنى علاقة بما يقتضيه الاندماج ، حيث يتم التعبير عن السعي نحو الوحدة في إطار التعددية ، السعي نحو حياة نشيدها ونبتكرها معاً ، من خلال نسج علاقات دون هدر أو ضياع . الإجبار على الانصهار هو تهوين للانقراض . أن نوّد ـ بكيفية ما ـ لو أن مسلمي فرنسا ، كيفما كانت درجة ارتباطهم بالإسلام ، لا يكونون مسلمين إطلاقاً ، وألا يصرحوا بذلك وألا يعلنوه ، وألا يعبروا عنه وألا يتبنّوه ’’ .

هنالك مسارعة في اطلاق الأحكام وإلصاق شبهة التعصب الديني بمعتقدات الأقليات ، وهنالك تخبط أيضاً بحسب إيدوي يشهد عليه التفسير الخاطيء الذي يقوم به اليساريون حين يخلطون بين الدين والتطرف ، مستشهدين بالمقولة النمطية لكارل ماركس : ” الدين أفيون الشعوب ” ، رغم أن محاولة قراءة هذه المقولة في سياقها تجعلنا نكتشف أن رسالة ماركس ليست دعوة لإعلان الحرب على من يشهرون معتقدهم الديني ، ولكنها دعوة للإنصات إلى المعاناة التي يشكل الديني حاضنها ، حتى لو كانت حاضناً وهمياً .

يقول إيدوي :

’’ مع اختلاف المراحل والسياقات ، كل هذه الدعوات توجّه إلينا التحذير نفسه : التلويح بالقضية الدينية هو إلهاء عن القضايا الديموقراطية والاجتماعية ، وبالنسبة للذين ينحازون بعقلانية إلى المستغلِّين والمضطهدين والخاضعين لا يمكن لهذه القضية أن تكون المعيار الرئيسي ؛ لأن ما نؤمن منفصلين به أقل أهمية مما نحققه مجتمعين ، أي أن أعمالنا ومطالبنا ونضالاتنا وتضامننا ، والمنديل الذي تتوشّح به مسلمة ، والصلاة التي يلتزم بها مؤمن ، والطقوس التي يقوم بها المؤمنون ، كل هذه الاختيارات تتعلق بحرية الوجدان ، وهي أقل أهمية من الالتزامات العملية للمعنيين بهذا الأمر ، بما نتقاسمه وما نشيّده معاً في حقيقة مساراتنا ’’

ثم يؤكد في آخر الفصل :

’’ في القضية الإسلامية تتحددّ القضية الفرنسية : قدرتنا على تجديد فرنسا التي تنطلق نحو العالم جاعلة من العلاقة مع المتعدِّد أفضل مفاتيحها السحرية ، بدل أن تنكفيء في هوية وهمية قاتلة ’’ .  

7- اللائكية الأصيلة  :

ينتقد إيدوي فولتيريّو ( نسبة إلى فولتير ) اليوم الذين يكررون دعاوي أسلافهم في سياق الحديث عن الوشاح الاسلامي إبّان الذكرى الثانية للثورة الفرنسية 1989 إلى ” اللائكية ” ( أو العلمانية الفرنسية هو مفهوم يعبر عن فصل الدين عن شئون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشئون الدينية. ) ، موضحاً أن ” اللائكية ” الأصيلة لم تكن تعني التشنج في وجه الإقرار بعقائد الأقليات بل الإعتراف بها ، وليس دفعها نحو الاختفاء ولكن الإعتراف بحقوقها المدنية ، ومعتبراً أن ما يمثله هؤلاء بالنسبة للائكية هو ما يمثله التطرف بالنسبة للدين ، وماتشكله الطائفية بالنسبة للسياسة ، فقانون اللائكية في العام 1905 والذي ينص على فصل الكنائس والسياسة كان – بحسب إيدوي – قانون حرية من كل الجوانب أكثر منه قانون منع وقمع ، قانون وفاء بوعد جمهوري قديم تحقق لا قانون قطيعة ، إنه قانون إنهاء للصراع وليس إذكاءاً له .

يعود إيدوي بالذاكرة لأكثر من مائة عام مستعيداً الحيثيات والتفاصيل والشخصيات التي ساهمت في تكوين وخروج هذا القانون ، شخصيات مثل : ” فيرندناند بويسون ، وأريستيد بريناد ، وفرانسيس بريسني ، وجان جوريس ” جعلت إيدوي يعتبر أن النتيجة كانت بحجم هذه الشخصيات ، معبرة عن تصور جديد وإيجابي للائكية ، حيث يظهر ذلك في البندين الأول والثاني من القانون :

’’ البند الأول : تضمن الجمهورية حرية الوجدان ، وتضمن حرية ممارسة المعتقدات لايحدّ منها سوى القيود المسطرة أسفله صوناً للمصلحة العامة .

البند الثاني : لا تعترف الجمهورية ولا تُموّل ولا تدعم مادياً أيّة ديانة ؛ وعليه فإبتداء من الفاتح من يناير / كانون الثاني الموالي للمصادقة على هذا القانون ، ستلغي من ميزانية الدولة والمقاطعات والجماعات المحلية كل الإنفاقات التي لها علاقة بممارسة الأديان ’’

يقول إيدوي :

’’ الدولة اللائكية ليست معادية للأديان ولا غير مبالية بها ، إنما هي منفصلة عنها ، وممارستها مرتبطة بهذا العالم وليس بغيره ، وذلك دون تجاوز ، بقي إذاً تحاشي عودة الديني بصيغ آخرى ، أي الهواجس السياسية التي تقدس الأمة والحزب والهوية .. إلخ ، وعقائد الخلاص الأرضي هاته ، التي ليس لعملها التخريبي ما تفتخر به أمام السُّلط التيوقراطية ، وهذه كما هو واضح للعيان لم تنجزها الإنسانية بعد . ’’

8- تجاهل العالم  :

مجدداً يذكرنا إيدوي بالسبب الذي دفعه لتأليف هذا الكتاب :

’’ على كافة المستويات ، إن وضعية الأقليات هي التي تعبر عن القيمة الأخلاقية للمجتمع ؛ لهذا كتبت هذا الكتاب  ” من أجل المسلمين ” في فرنسا ، وأنا لا أشك بأنه في أماكن أخرى ستكتب أعمال أخرى ” من أجل ” الدفاع عن أقلّيّات أخرى : مسيحية ويهودية وغنوصية وأرواحية ولا دينية وغير مؤمنة ، أو منحدرة من الإسلام نفسه حيث ينحاز سنّيّون للشيعة ، أو العكس . وإلى ما هو أبعد من بلدي أكتب ضد حرب العوالم التي نريد إقحام الشعوب فيها بصناعة حقد هويّاتي بغطاء ديني ’’ .

الحصيلة الكارثية للتدخل في الشرقين الأدنى والأوسط ، والتجاهل التام للقضية الفلسطينية ، والمساندة للسلطات الديكتاتورية والتنظيمات الدينية المتطرفة من قبل قوى تحسب نفسها على الغرب وتدّعي اللائكية ، أنتج كل هذا التخبط أحكاماً جاهزة من قبل الغرب على شعوب تلك المنطقة بالخضوع لأنظمة إستبدادية والانغلاق داخل التطرف الديني ، ولكن مع ديسمبر / كانون الأول 2010 قررت هذه الشعوب تكذيب تلك الأحكام والمطالبة بحقوقها والبدء بكتابة تاريخ جديد ، فيما عرف لاحقاً بثورات الربيع العربي التي يعلق عليها إيدوي قائلاً :

’’ أن تنجح الثورة أو تفشل ، أن تُقمع أو تُصادر ، فتلك – بطبيعة الحال – مسألة أخرى مرتبطة بموازين القوى ، التي لا يتحكم فيها الزمن وحده ؛ إذ أن الشعوب الأخرى هي أيضاً فاعل في هذه الثورة بحسب ما ستكون لا مبالية أو متضامنة . ذلك أن هذه الأحداث الثورية ، من خلال ارتباكاتها الواضحة وتبايناتها الكبرى ، منحت على الأقل فرصة لم تكن منتظرة لزعزعة قيد مزدوج : أحدهما هو ذلك الذي يحجز شعوباً داخل البؤس والقمع وإنكار حقّها في العدالة والحقوق ، وثانيهما هو ذلك الذي يسجن باقي العالم في الخوف من فوضى التطرُّف الناتجة من هذه المعاناة ، بوصفها تهديداً يُستخدم لإطالة عمر الظلم واللامساواة ، اللذين يرمز لهما المصير القاتل الذي وضع فيه الشعب الفلسطيني .

لم يحسم الموضوع بعد ، كما تُبين ذلك وللأسف ؛ الحرب الاهلية السورية أو الانتكاس نحو العسكراتية في مصر ، عكس التقدم الحذر للثورة الديموقراطية التونسية : البربرية أو الديكتاتورية ، الله أو الجيش ، وفي جميع الحالات إنكار الديموقراطية .

إن عودة آلة الضغط هاته ، حيث تُحتجز ، من جديد شعوب تسير نحو الانعتاق ، تُهدِد نقاشنا العمومي ، وتجعله منحطاً وتافهاً مما يضعف الأمل في عهد جديد في البحرالمتوسط ، هذا العهد الذي يمكنه أن يحررنا حتى في فرنسا ، من الانفعالات السلبية التي تأسّست عليها سياسة الخوف لما بعد 11سبتمبر/أيلول والتي استنفرت مجتمعاتنا للالتحاق بفيالق حرب لا نهائية ضدّ إرهاب ألصقت صورته بالإسلام ’’ .

هذه الوضعية الاستثنائية للإسلام في منظور الغرب كان قد عبر عنها إدوارد سعيد قائلاً :

’’ إذا كانت التعميمات التشكيكية حول الثقافات الأخرى لم تعد مقبولة في الغرب ، فإن الإسلام يشكل إستثناءً ؛ حيث يبدو أن الخطاب حول الذهنية والشخصية والدين والثقافة الإسلامية ، لا يجد موقعاً له داخل النقاش المهذب حول الأفارقة واليهود والآسيويين أو شعوب شرقية آخرى ’’ .

’’ الإسلام ليس سوى محدداً لجزء يسير من العالم الإسلامي الذي يبلغ تعداد سكانه مليار شخص ، ويشمل العشرات من الدول والمجتمعات والتقاليد واللغات ، ويحتوي عدداً من الحقائق المختلفة ، من العبث أن نلصق كل هذا بالإسلام ، ونظن أن الإسلام ينظّم المجتمعات الإسلامية في أدق تفاصيلها ، وأن دار الإسلام هي هوية ثابتة ومتفرِّدة ، وأن الدين والدولة متداخلين في الدول الإسلامية ، وهلمّ جرّا ’’

يعلق إيدوي على هذه التوقعات السوداوية لإدوارد :

’’ مع الأسف ، لقد تحققت التوقعات السوداوية لإدوارد سعيد ، حيث أصبحت التمثُّلات الغربية السائدة حول المسلمين اكثر راديكالية من ذي قبل ، وهو ما كنّا في غنى عنه ، وما حدث في الأزمات المصرية والسورية والعراقية .. ” بحسب ما ستؤول إليه ” سيكون إما تأكيداً أو نفياً لهذه التصوير الكاريكاتوري الذي تقتات منه ، في الشرق كما في الغرب ، التشنجات الهوياتية والكزينوفية . وإذا كان عجزنا كبيراً عن التأثير في مساره على المدى البعيد ، فإن مسؤوليتنا ، بالمقابل ، ضخمة بخصوص انعكاسه القريب ، خاصة في فرنسا ، هذا البلد الأوربي الذي تعيش فيه أكبر جالية مسلمة ، بكل ما تحمله هذه الصفة من معانٍ : مسلمون بالأصل أو الثقافة أو الدين ، وحيث الإسلام أوّل أديان الأقليات ، في مقابل الكاثوليكية متقدماً على اليهودية والبروتستانتية ’’ .

ثم يحذر في آخر الفصل :

’’ إن هذه العملية تقطع أوصالنا وتخدعنا ، لأنها تروّج لأوربا متنكرة لذاتها ، وللتنوّع الذي شكلها وللإقصاءات التي تسببت لها في الألم . إن الدفاع عن الحقّ في الاعتراف بإسلام أوربي ، هو بالعكس وفاء لأعظم ما في الإرث الأوروبي الذي تشكّل من تنوّع في اللغات والأديان والأصول ، وحرية الأفراد وتسامح المجتمعات ’’ .

9- لقاء الآخر  :

’’ لأول مرة يصبح الآخر مشكلة داخلية للثقافة الأوروبية بشكل حقيقي ، مشكلة إخلاقية تعني كل واحدٍ منا ’’

بهذه العبارة يفتتح إيدوي فصله ، العبارة المأخوذة من كتاب الصحفي الأوروبي الكبير ” ريزارد كابوشينسكي ” المعنون بـ ” هذا الآخر ” ، الكتاب الذي يعتبر خلاصة تجربة صحفي جال العالم كله وحوّل هذه التجربة لتأملات سياسية ’’ إلى القرب منك يوجد الآخر ، بادر إلى لقائه . اللقاء هو الاختبار والتجربة الأكثر أهمية . أنظر إلى الوجه الذي يقترحه عليك الآخر ؛ من خلال هذا الوجه ينقل إليك ذاته ، بل أفضل من ذلك ، يُقرِّبك إلى الله ’’ .

هذه المبادرة تتطلب مجهوداً دفع بكابوشينسكي لتسميته ” التضحية بالذات والبطولة ” ، لأنه يلزم أوروبا بالتفكير ضد ذاتها وعاداتها وارثها ، في الاتجاه المعاكس لخمسة قرون هيمنت فيها على العالم وتجاوز خوفها ، وما يلزم أوروبا بصفة عامة يلزم بالضرورة فرنسا بصفة خاصة حيث يقول عنه إيدوي :

’’ منذ أزيد من نصف قرن على هذا الوهم الذي تبدّد داخل هذا التمزق العنيف للحروب الاستعمارية التي تسبب فيها ، لم تتمكن فرنسا ، او على الأقل نخبتها السياسية والثقافية والأكاديمية من استيعاب ما صارت عليه أمّتنا ، وكيف أصبحت تعيش وتعمل وتكبر وتتفتح . وبدل إشعال الأنوار الكاشفة لإضاءة المستقبل ، فإن الذين يحكموننا لا ينظرون سوى إلى المرآة العاكسة للماضي البائد ، وعندما يسمعون لفظة ” التعددية اللفظية ” التي ليست سوى توصيف للتنوع الفرنسي ولغنى العلاقات التي تُنسج ضمنه ، فإنهم يرتعدون من ” الطائفية ” التي تُعدّ عندهم هدّامة ، ويرفعون في وجهها بإستعجال مذعور درع اللائكية المتشنجة ، الخائنة للائكية الأصلية ’’ .

’’ الاعتراض بردود الأفعال على هذه الفيروسات الفتّاكة وهذا العنف الإسلاموفوبي والعنصري والكزينوفوبي لا يكفي إذاً ؛ لذا وجب التصدّي لها بإعمال خيال مبدع وخلّاق ومحرّك للرأي العام ، يرّقى ويحرر ، هذا الخيال البديل حدّده بجلاء جان بول سارتر في هذا التنبيه الشديد لصمتنا وتجاهلنا وتخبُّطنا ، في تأملاته حول القضية اليهودية التي حرَّرها عشية كارثة الإبادة العرقية . يقول سارتر : ” ما نقترحه هو ليبرالية ملموسة . نقصد بذلك أن كلّ الأشخاص الذين يساهمون بعملهم في عظمة بلد ما لهم الحق الكامل في مواطنة هذا البلد ، والذي يعطيهم هذا الحق ليس إمتلاكهم لطبيعية إنسانية إشكالية ومجردة ، ولكن مساهمتهم النشيطة في حياة المجتمع ؛ هذا يعني أن اليهود ، كما العرب والسّود ، بحكم مشاركتهم في المجهود الوطني ، لهم الحق في مراقبة هذا المجهود ؛ لأنهم مواطنون . ولهم هذه الحقوق كيهود أو كسّود او كعرب ، بمعنى : كأشخاص فعليين ’’ .

يستشهد إيدوي في آخر الفصل بفرانز فانون المارتينيكي المساند لإستقلال الجزائر وكتابه ” بشرة سوداء وأقنعة بيضاء ” :

’’ فرانز فانون الذي وجّه في السطور الأخيرة من كتابه الأول ” بشرة سوداء وأقنعة بيضاء ” هذا النداء الذي مازال صدّاه يتردد إلى اليوم في حاضرنا ” تفوُّق ؟ دونية ؟ لماذا لا أحاول بكل بساطة أن أعثر على الأخر ، وأن أحسّ بالاخر ، وأن أكتشف الأخر في ذاتي ؟ ألم تُقدَّم إليّ حريتي لكي أشيد عالمك أنت ؟ ” ثم يضيف : ” ليرخّص لي بأن أكتشف الإنسان وأريد ، حيثما وجد ” .. هذا هو الطريق الذي يجب ان نسير فيه من جديد ، وأن نجده مرّة أخرى ونعيد ابتكاره ’’ .

10- في مديح التقمُّص الوجداني للآخر  :

يعرض إيدوي في هذا الفصل تجربة للتنوع والتعدد تتمثل في شخصه :

’’ أنا واحد من بين بلايين آخرين ، وليست لدي صفة آخرى أبرّر بها هذا الكتاب ، صفة فرنسي لا يختزل نفسه في أصوله . وّلِدتُ في منطقة البروتاني ( منطقة تقع في الشمال الغربي لفرنسا ، منفتحة على الواجهة الأطلسية مما منحها شخصية متميزة وغنية تاريخياً وثقافياً ) من أبوين بروتانيَّيْن : أحدهما نشأ كاثوليكياً ، والأخر نشأ بروتستانتياً ، لم يتم تعميدي . ترعرعت فيما وراء البحار إلى سن الثامنة عشر ، بعيداً عن فرنسا القارية في المارتينيك ثم في الجزائر بعد الاستقلال ، وهما في الواقع البلدان الحقيقيان لطفولتي ومراهقتي ، ووطنان شبابي ’’

وعن عقيدته وتوجهه الحياتي يقول :

’’ باختصار ؛ أنا غير متدين ، وليس لدي ميل للسمو الروحي ، وفي الوقت نفسه ليس لدي هوس مرضي تجاه الذين يشكل لهم هذا السموّ شيئاً مهماً وأساسياً ، إنني منشغل بمملكة الآني التي نتحمل عبئها جميعاً في حاضرنا ، سواء أكنّا نؤمن بالسماء أم نرفض ذلك : هذا العالم المشترك الذي على عاتقنا تقع مسؤولية تشييده ، لا تخريبه بالغرق في حرب الجميع ضدّ الجميع . هذا العالم الشديد الهشاشة والتردد ، حيث المعبودات السرية تحمل اسم الجمال والخير ، وباسمهم يجب أن نقول : لا للظلام الذي يقترب ، وذلك من خلال التضامن الفعلي مع أولئك اللواتي والذين يهدٍّدهم ذلك الظلام ، وفي مقدمتهم أبناء وطننا من أصول وثقافة ومعتقد إسلامي ’’ .

11- رسالة إلى فرنسا  :

نشر هذا الفصل في الطبعة الثانية من الكتاب ، عقب أحداث شارلي ايبدو في كانون الثاني/يناير 2015 ، وقد إتخذت هذه الرسالة طابعاً خاصاً وحديثاً من القلب لفرنسا ، استعان فيها إيدوي بنبراسه الفكري إيميل زولا ، الذي أصدر رسالة تحمل نفس العنوان في ظروف احتقان مشابهة لهذه الظروف مع اختلاف الأزمنة والأحداث والوقائع والسياقات ، نقرأ منها :

’’ انشغالنا بفرنسا وبأمنها وهدوئها يستدعي منّا اليقظة ، حيث ، في مواجهة الفوضى الناتجة عن الظلم والبؤس والأحقاد والإهانات ، يتهافات السياسيون من ذوي الأفق المحدود على الحلول الأمنية السلطوية ، يستعجلون الإعلان عن أنهم سيقومون بالحد من الإضطرابات ، حتى وإن كان ثمنها حيفُ جديدٌ . ولأنهم محدودوا النظر ولا يفكرون فيما هو أبعد من الآني ، فإنهم في عمق الأشياء لا يجدون حلاً لشيء ، ولا ينتجون سوى حماية مؤقتة ، خلفها تؤدي الأسباب نفسها إلى النتائج نفسها ، ويجد أعداء الديموقراطية والحرية براهين جديدة ومجندين جدداً ’’

’’ إن عالماً يقبل أن 1% من الأكثر ثراءاً سيستحوذون قريباً على أزيد من نصف الثروة العالمية هو عالم يسير نحو حتفه أي نحو هذا العنف اللانهائي الذي لا يعرف الحدود ولا المجالات الترابية والذي يمثل الوجه الجديد للحرب ، وتعرف ذلك قبل غيرها شعوب العالم العربي ذات الثقافة الإسلامية في الغالب ، لأنها تعاني منه منذ زمن طويل ، شعوب طالت مواجهتها للفساد وعدم المبالاة بالبؤس والفقر والأفق المسدود الذي يترك الشباب في مواجهة الرعب ، كيف يمكننا أن لا نتساءل عن مسؤوليتنا الفرنسية عن هذا المأزق ؟ ’’

’’ الحقد هو المحرك المُر للتاريخ ، تصنعه جروح لم تشفى ، وشتائم لم تهضم ، وقساوات متحملة ، وإهانات متراكمة ، وصدمات عميقة ، مازال إرثها ، يطأ في صمت ، بإختصار آلام تجابه موت الأمل وإحساس بالمأزق العام ، وبالمستقبل المستحيل ، ومآلٍ مستبعد ، عندئذٍ فإن الحقد يدمر السياسة بوصفها مصلحة عامة وحقوقاً سياسية متبادلة ، والرضا بوضعية الضحية يؤدي بمن يواجهون هذا الأمر إلى البحث بإستمرار عن أكباش فداء ، لكن شكواهم ستصطدم بحواجز كانوا يتصورون تجاوزها بهدمها إلى حد إنكار الإنسانية التي جردهم منها آخرون ، خصوصاً أن عالمنا المترابط بسهولة بمجال وزمان مختزلين يوفر بمجرد جهاز حاسوب ايدلوجيات عالمية قد تملأ هذا الفراغ الوجودي ’’

’’ ” استيقظي يافرنسا ” وفكري في مجدكِ تلك هي دعوة إيميل زولا في رسالته من أجل فرنسا سنة 1898 ، ومنها إقتطفت هذا التنبيه  ” الجمهورية مكتسحة بالرجعيين من كل صنف يعشقونها عشقاً عنيفاً ومجنوناً ، يعانقونها لخنقها ” لأن كاتب المقال الذائع الصيت ” أنا أتهم ” لم يكن يتصور الجمهورية إلا في إطار الحركة والخلق والإبداع ، عكس المحافظة والجمود الذين يدعوان إلى النبذ ويؤيدانه ويغذيان الخوف .

زولا إبن المهاجر الإيطالي كان يتوجه بالخطاب إلى بلده ” هل هذا ماتريدينه يافرنسا ؟ .. أن تعرضي للخطر كل ما أديت ثمنه غالياً ، التسامح الديني ، والعدالة للجميع والتضامن الأخوي لجميع المواطنين  ” بعد أزيد من قرن أطرح عليك يا فرنسا السؤال نفسه ’’ .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

28 تعليقات

  1. I as well as my pals appeared to be looking through the nice thoughts on your web site and then all of the sudden got a terrible feeling I never thanked the blog owner for those tips. All of the young men are already totally glad to read all of them and now have really been enjoying them. I appreciate you for indeed being well considerate and also for deciding on varieties of fantastic subject areas millions of individuals are really desirous to discover. Our own honest apologies for not expressing gratitude to you sooner.

  2. Thanks for sharing your thoughts about please click the following web site.

    Regards

  3. I have been examinating out some of your stories and
    i can state pretty good stuff. I will make sure to bookmark your website.

  4. I have been examinating out some of your stories and i can claim clever stuff.
    I will surely bookmark your blog.

  5. Hi there Dear, are you really visiting this site on a regular basis, if so after that you will absolutely
    get fastidious experience.

  6. Awesome story over again. I am looking forward for more
    updates:)

  7. I really like your blog.. very nice colors & theme.
    Did you design this website yourself or did you hire someone to do it for you?
    Plz answer back as I’m looking to create my own blog and
    would like to know where u got this from. thanks a lot

  8. Hello Dear, are you genuinely visiting this web site daily, if so afterward you
    will without doubt take good knowledge.

  9. It’s very trouble-free to find out any topic on net as compared to textbooks, as I found this
    piece of writing at this website.

  10. Good blog you’ve got here.. It’s difficult to find excellent writing like yours nowadays.
    I seriously appreciate people like you! Take care!!

  11. Thanks for sharing your thoughts on you could check here.
    Regards

  12. Thanks for any other wonderful article. Where else may anyone get
    that type of information in such an ideal way of writing?
    I have a presentation subsequent week, and I’m on the search for such
    information.

  13. Great paintings! That is the type of information that are meant to be shared
    across the web. Disgrace on the search engines for now not
    positioning this put up higher! Come on over and visit my web site .
    Thanks =)

  14. I have been examinating out many of your posts
    and it’s pretty clever stuff. I will definitely bookmark
    your website.

  15. Hello Dear, are you truly visiting this website daily, if so then you will definitely
    obtain pleasant knowledge.

  16. When I initially left a comment I seem to
    have clicked the -Notify me when new comments are added- checkbox
    and now every time a comment is added I get 4 emails with the exact same
    comment. Perhaps there is a way you can remove me from that service?
    Cheers!

  17. You really make it seem so easy with your presentation but
    I find this topic to be actually something which I think I would
    never understand. It seems too complex and very
    broad for me. I’m looking forward for your next post,
    I will try to get the hang of it!

  18. Thanks for sharing your thoughts about resource. Regards

  19. Very great post. I just stumbled upon your weblog and wished to
    mention that I have truly loved surfing around your
    weblog posts. After all I’ll be subscribing in your feed
    and I’m hoping you write again very soon!

  20. I’d like to find out more? I’d care to find out some additional information.

  21. Can you tell us more about this? I’d care to find out some additional information.

  22. Thanks for sharing your thoughts on click to read more.
    Regards

  23. Pretty great post. I just stumbled upon your blog and wished to mention that I’ve really enjoyed browsing your blog posts.
    In any case I’ll be subscribing in your feed and I am hoping you write
    once more soon!

  24. I was looking at some of your blog posts on this site and I believe this site is really informative! Keep posting.

أضف تعليقاً