الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد: ترجمات خاصة “الثقوب السوداء..كيف استطاع ستيفن هوكينج تغيير مفاهيمنا عنها!”

ملف العدد: ترجمات خاصة “الثقوب السوداء..كيف استطاع ستيفن هوكينج تغيير مفاهيمنا عنها!”

 

Main-HawkingsBlackhole

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

بقلم : مايك ووال

تظل الثقوب السوداء موضوعًا غامضًا تحيط به الكثير من الألغاز التي لم نستطع حلها حتى اليوم ، ولولا ستيفن هوكينج وإصراره على الغوص في أعماق هذا الموضوع شديد الاستغلاق ، لبقيت تلك الممصات العملاقة لغزًا أشد غموضًا مما هي عليه الآن .

لقد استطاع عالم الفضاء الشهير ستيفن هو كينج- والذي فقدته الإنسانية في الرابع عشر من مارس عن عمر يناهز السادسة والسبعين – أن يوفر أساسًا رياضيًا صلبًا لمفهوم الثقوب السوداء ، تلك الأجسام السماوية التي سبق وتنبأ ألبرت أينشتين بوجودها ، في نطاق نظريته الشهيرة : النظرية النسبية العامة ، عام 1915

يقول توم بانكس أستاذ الفيزياء وعالم الفلك:” لقد قام هوكينج باختبار بعض القضايا الرياضية ذات الصلة بمعادلات أينشتين للجاذبية ، وأوضح أن هناك بعض الجوانب التي لا يمكن لتلك المعادلات أن    تنطبق عليها، أي أن هناك مناطق معينة في الفضاء تتكسر عندها قوانين الفيزياء، تلك المناطق أو المواضع يطلق عليها :” المتفردات”Singularities  

أحد أهم تلك المتفردات هو الثقب الأسود، وبمعنى أدق: المجال الواقع داخل الثقب الأسود “

ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أتت أبحاث هوكينج حول الثقوب السوداء بمزيد من النتائج التي يمكن اعتبارها ثورية، فقد وجد هوكينج أن حجم الثقب الأسود لا يمكن أن يتقلص، فسطح الثقب الأسود، أو ما يعرف علميا بأفق الحدث –  (وهو آخر نطاق دائري محيط بالثقب الأسود يمكن لأي شيء أن يقترب منه، وعند تجاوزه مباشرة لا يمكن لأي شيء أن يفلت من ابتلاع الثقب الأسود له )  – لا يمكن وفقا لنتائج هوكينج أن ينكمش أو يقل .

ينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن النظام الفضائي المغلق لا يمكن أن ينهار أو ينتهي بفعل الإنتروبي – (الإنتروبي في الديناميكا الحرارية يمكن أن يوصف بأنه التحول العشوائي في الطاقة)  –   ، وفي نفس السياق أعلن العالم الفيزيائي جاكوب بيكنيستاين أن ظاهرة الإنتروبي للثقب الأسود إنما ترتبط بمنطقة أفق الحدث المحيطة به، إلا أن هوكينج كان متشكك بصدد تلك النتيجة، فظاهرة الإنتروبي والثقوب السوداء بالنسبة له لا تتماشيان معا !  حيث يفترض أن الثقوب السوداء لا يصدر عنها أية إنبعاثات للطاقة بأي شكل ، في حين أنه من المعروف أن الإنتروبي لا يحدث بدون انبعاث للطاقة . إلا أن هوكينج قد توصل فيما بعد إلى أن الثقوب السوداء في حقيقتها …..ليست سوداء  تمامًا ! حيث توصل إلى أنه ينتج عنها بالفعل إنبعاثات إشعاعية ، تلك الإشعاعات المنبعثة تنتج ما يعرف بالجزيئات الافتراضية  والتي تظهر وتختفي في الحقل الكمي الغريب في شكل أزواج من المادة والمادة المضادة ، حيث يحمل أحد الجزيئات في كل زوج طاقة موجبة ويحمل الآخر طاقة سالبة.

في الأصل تقوم عناصر تلك الأزواج بمحو بعضها بعضًا بصورة فورية ، ولكن الوضع قد يختلف لو أن أحد تلك الأزواج قد وجد عند حدود أفق الحدث، ففي تلك الحالة- نظريًا-  قد تتمكن إحدى تلك الجزيئات المكونة للأزواج من مغادرة الثقب الأسود والإفلات منه إلى الفضاء، في حين يقوم الثقب الأسود بالتهام الجزيء الثاني.

ومن ثم فلو أن الجزيء الذي تم سحبه إلى داخل الثقب الأسود هو الجزيء الذي يحمل الطاقة السالبة فسوف يؤدي ذلك لحدوث انكماش في كتلة الثقب الأسود بمقدار شديد الضآلة، كما سينتج عن ذلك انبعاث إشعاعي ضئيل هو الآخر.

 في عام 1974   اشتغل هوكينج على تلك الفرضية لذا فقد أطلق عليها : إشعاع هوكينج ، أو إشعاع هوكينج – بيكنستاين ؛ ولم يتمكن العلماء حتى الآن من رصد تلك الإنبعاثات الإشعاعية بعد ، ومع هذا فإن معظم الفيزيائيين يعتقدون في حقيقة وجودها ولذا فهم يرون أن كافة الثقوب السوداء سوف تأخذ في الانكماش إلى أن تؤول إلى الزوال في نهاية الأمر .

يقول بانكس : “لو صدقت تلك الفرضية فسوف يستغرق حدوثها للثقوب السوداء كبيرة الحجم  فترات زمنية هائلة، حتى أن بعض الحسابات ترجح أن فترة حياة تلك الثقوب الضخمة القابعة في قلب المجرات قد تمتد ربما ل  100 10   سنوات أو أكثر”

بالرغم من عبقرية هوكينج التي لاشك فيها ، إلا أن آراءه العلمية ليست كلها على صواب، وتحديدًا بعض ما توصل إليه عن الثقوب السوداء، فعلى سبيل المثال يفترض هوكينج أن المعلومات المتعلقة بكل  جزيء – كالكتلة ومعدل الدوران – يقوم الثقب الأسود بامتصاصه ، سوف تختفي نهائيًا بمجرد إنتفاء وجود الثقب الأسود نفسه .وفي هذا الصدد يؤكد بانكس أن معظم العلماء قد رفضوا تلك الفرضية لأسباب وجيهة : ” تلك الفرضية من شأنها أن تؤدي إلى مجموعة من المعادلات المتناقضة مع ما نعرفه من حقائق تجريبية”  فالمعلومات المتعلقة  بالجزيئات  الممتصة لن يتم فقدها حيث لابد لها أن تتسرب  خارجة إلى الفضاء عبر “إشعاعات هوكينج”  قبل تبدد الثقب الأسود وانتهائه ؛ هذا ما يرجحه الفيزيائيون وهو ما توصل إليه هوكينج نفسه في النهاية .

لقد حثت أبحاث هوكينج حول الثقوب السوداء الفيزيائيين على إعادة النظر في فهمهم للكون بشكل أكثر شمولية ، ففيما سبق افترض علماء الفيزياء ارتباط الإنتروبي بحجم النظام الذي تحدث له ظاهرة الإنتروبي، لذا فقد جاءت فرضية ربط الإنتروبي بمنطقة حدوثه – وهي الفرضية التي توصل إليها هوكينج وبيكنستاين – بمثابة مفاجأة كبرى للعلماء .  يسترسل بانكس قائلاً :” لقد أدت مشاهدات هوكينج بشكل أو بآخر إلى تغييرات ثورية محتملة في طريقة تصورنا وصياغتنا للطبيعة والزمن ، صحيح أنه وحتى الآن ليس لدينا نظرية في هذا الصدد تحظى بإجماع كل العلماء ، لكن يبقى لدينا تلك التحديات الكبرى التي خلقتها لنا أعمال هوكينج وأبحاثه”

لقد كان هوكينج ملهمًا للجميع ، فلم يقتصر إلهامه فقط على زملائه من علماء الفيزياء والفلك ، بل امتد للعوام من الناس الذين ظلوا لعقود تأسرهم مثابرته على تحقيق الاكتشافات العلمية المبهرة ، وإصراره على توصيل المعلومات والأبحاث العلمية الدقيقة ، والمثيرة ، وشرحها لغير المتخصصين ، من خلال كتبه المصنفة كأكثر الكتب مبيعًا ؛ كان يفعل كل ذلك مقاومًا لمرضه واعتلال صحته .

يقول بانكس: {لقد كان رجلا يتميز بالمرونة وبالإصرار في آن معا ، لذا فقد كان القرب منه والتعامل معه شخصيا بمثابة تجربة استثنائية ملهمة } .

 

 

 

 

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر