الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد: حوار مع التشكيلية “أماني زين العابدين”

ملف العدد: حوار مع التشكيلية “أماني زين العابدين”

22686884_1535244016514176_1907181759_n

أماني زين العابدين،صوت تشكيلي،يهتف لصالح أن يكون الفن التشكيلي أقرب للناس ، ولتكون بينه وبينهم حميمية لقناعتها أن تجليات الجمال كله في ذلك،حوارنا معها عن قضايا ومسارات ومنعرجات الفن التشكيلي في السودان:-

بطاقة تعريفية

–  أماني زين العابدين محجوب

–  خريجة كلية الفنون الجميلة والتشكيلية قسم النحت ٢٠٠٦م

–  أول رسامة كاريكاتير في السودان .. عملت في العديد من الصحف والمجلات السودانية منذ العام ٢٠٠٠م آخرها الكاريكاتير والنَّاس وصحيفة الأوائل.

– أقمت وشاركت في أكثر من ٦٦ معرض تشكيلي نحت وتلوين آخرها بمركز راشد دياب للفنون يوليو ٢٠١٥ م

– أقمت وشاركت في عدد ١٧ معرض كاريكاتير داخل وخارج السودان

–  تم اختياري للمشاركة في برنامج الزائر الدولي بالولايات المتحدة الأمريكية لتمثيل السودان في مجال الكاريكاتير والتشكيل ٢٠١٢م

– حصلت على العديد من الجوائز منها الميدالية الذهبية في الإبداع عن معرض تشكيلي بمهرجان الزهور الدولي الخامس ٢٠١١ وتم تكريمي من عدة مؤسسات ومنظمات كرائدة في مجال الكاريكاتير.

– أعمل حاليًا كرسامة ومصممة في مشروع تطوير منهج اللغة الانجليزية لمرحلة الأساس (سمايل بوك) مع المركز الثقافي البريطاني ووزارة التربية والتعليم وبخت الرضا

*هل قضية الفن التشكيلي الحقيقية قضية مفاهيم مجتمعية حوله أم أن هنالك تفاصيل أخرى تمارس تعقيداً في مساراته..

نعم، في الأساس هي قضية مفاهيم مجتمعية.. فالفن التشكيلي فن متفرع يضم العديد من أشكال الفنون الجمالية والتطبيقية أو الحياتية.. فما هو منفعي يوافق متطلبات المجتمع في إطار المعقول يكون مقبولًا بل ويجد رواجاً كبيراً، أما الفنون البصرية المتمثّلة في اللوحات والمجسمات بأنواعها هي أكثر عرضة للانتقاد المجتمعي أحياناً من منطلق ديني وأحياناً أخرى باعتباره فن صفوي لا يشبه مجتمعنا فكرياً واقتصادياً ، والجانب الأهم هو قلة وعي المجتمع بثقافة الفن التشكيلي ومدارسه ومدلولاته والتي تؤثر بشكل كبير في قبوله من الأساس، أعزي هذا السبب للوضع الاقتصادي وتدني مستوى المعيشة في المقام الأول والذي ينعكس على الفنان مما يُحد من عطائه متمثلاً في تكلفة المواد الباهظة من ألوان وخامات وإخراج فني وما يقابله من تكلفة العرض وغياب اتحاد التشكيليين ودوره في رفع الوعي التشكيلي لدى المجتمع ودعم الفنانين التشكيليين. وذاك الوضع الاقتصادي الذي يجعل الفن التشكيلي لدى المجتمع في قائمة الرفاهية أي أكل العيش والمنصرفات اليومية مقابل الدخل المحدود تجعل اقتناء لوحة تشكيلية أو مجسم أو الذهاب لحضور معرض تشكيلي نوع من الترف لدى الغالبية.

التعقيدات الأخرى التي تؤثر على مسيرة الفن التشكيلي تتمثل في ضعف دور الإعلام وفتح أبواب التبادل الثقافي الدولي وندرة المهرجانات والمسابقات المحلية التي من شأنها دفع عجلة الثقافة التشكيلية والتي تلعب فيها وزارة الثقافة دوراً سالباً حتى أنها لا تملك صالة عرض خاصة بها وليس لديها ميزانية للفن التشكيلي في كل المهرجانات القومية.

22709730_1535244973180747_1694390428_n

* كيف يمكن أن نصل بالفن التشكيلي للمواطن..؟

عن طريق تفعيل دور المراكز الثقافية في الأحياء وإقامة الفعاليات التشكيلية وتشجيع الموهوبين

وأيضاً عن طريق الفن الخدمي أي عكس قضايا وهموم المواطن من خلال لوحات بسيطة ومعبرة. ويمكن إقامة معارض خيرية يساهم فيها المواطن مقابل لوحة بسعر معقول.

*حصة الفنون في مدارسنا غيابها أو ضعفها يشكل جزءًا من تراجعاتنا نحو التذوق الجمالي ،كيف بنظرك معالجة ذلك..؟

إدخال منهج دراسي متخصص منذ المراحل الابتدائية، يعرّف الطالب بالفن التشكيلي العالمي والمحلي وتاريخه ومدارسه المختلفة وكيفية التعبير باستخدام خامات مختلفة وكذلك تضمين مسابقات ومعارض تشكيلية ضمن فعاليات الدورة المدرسية لتحفيز الطلاب وتشجيعهم على المشاركة والتعبير .

22709950_1535243333180911_1959850525_n

* مناهج كلية الفنون الجميلة عندنا في بلادنا، هل هي مواكبة لعالمية الفن التشكيلي..؟

لا أعلم كيف هو الحال الآن.. ولكن عندما كنت أدرس بالكلية كانت تواجهنا مشكلة محدودية وعدم توفر الكثير من المراجع والكتب الأساسية بمكتبة فنون وعلى ما يبدو أنها لم يتم تغذيتها منذ سنوات طويلة.. أما بالنسبة للمناهج نفسها فبعضها ممتاز كأساسيات الفن وربط الفلسفة بعلم الجمال وتاريخ الفنون ولكن هنالك بعض المناهج التي لا يستفيد منها طالب الفنون مثل اللغة العربية والإنجليزية والثقافة الإسلامية.. لأن الفن من منظور ديني يدخل في مادة الفلسفة كقسم كامل يسمى الفن بين الإباحة والتحريم.. في اعتقادي يمكن إضافة كورس يسمى مصطلحات الفنون بدلاً عن قواعد اللغة الانجليزية المعقدة. والأهم من ذلك التعريف بصفات الفنان ومنهج رسالة الفن. وفِي رأيي الكلية تفتقر لمنهج التعريف بالفن المحلي والفنانين وتاريخ الفن في السودان وربطه بالحضارات القديمة.

بالنسبة للجانب العملي تعاني الكلية من شُح ومحدودية المواد والخامات والكثير من الفنانين والطلاب يعانون من ذلك خصوصاً في مجال النحت، وأيضا الكثير من الآلات التي يمكن أن تعين الطالب في العمل غير موجودة وبعضها متوقف منذ فترة طويلة. وبالرغم من مجهودات كثير من الطلاب والأساتذة للرقي بالكلية لمستوى العالمية من خلال معارض التخرج، وإبراز الفن بصور متقدمة وخامات جديدة، إلا أن الطابع العام الذي يطغى على الكلية هو المحلية وإتباع أساليب قديمة في التدريس والتنفيذ.

* تأطير الفن التشكيلي بمفاهيمية أفريقانية وغير ذلك،كحركة فنية لمجموعة ما،هل من الممكن أن تشكل إضافة حقيقية ..؟

إفريقيا قارة متعددة الحضارات والسحنات وهذه الاختلافات أبرز ما يميزها عن غيرها من القارات فلكل قبيلة ثقافة وتراث ومعتقدات تنعكس بشكل أساسي على الفنون في شكل منحوتات ولوحات ومشغولات يدوية تؤرخ لهذا الزخم الثقافي ولذلك يأتي تعبير الفنان الأفريقي في المقام الأول عن معتقداته وثقافته وبيئته. وهي بجمالها وتنوعها تلفت أنظار الغير وتثير حفيظة المهتمين بالفن والإرث الثقافي والتأريخي، لذلك نجد إقبالًا كبيرًا جداً على سوق الفن الإفريقي.. ومن ناحية المواضيع الفنية، فمعظمها يعكس سحنات ذات ملامح متأصلة ومتميزة بالإضافة إلى تعبيرات الحركة من سعي وحصاد ورقص وغيرها من الطقوس الحياتية التي يمثل الجانب العقائدي فيها الحصيلة الكبرى، لذلك يميل الكثير من الفنانين إلى تناول موضوعات من الثقافة والوسط الإفريقي وحتى غير الفنانين الأفارقة، فأفريقيا منبع الحضارات والفنون ابتداءً من الحضارة النوبية مروراً بالفرعونية وغيرها من الحضارات العريقة التي كانت بمثابة حجر أساس للفن الأفريقي.

22752216_1535245746514003_1255594223_n

* واحدة من معطيات السودان الثقافية (رؤية تشكيلية كاملة)،كيف يمكن رسم معالمها لتكون رافداً لتشكيل وعي سودانوي..

مؤخراً بدأت معالم الفن التشكيلي في الظهور بصورة طفيفة في المجتمع السوداني ابتداءً من ظهور بعض المجسمات والجداريات في الشوارع العامة والتي تعكس تراث وتأريخ قريب ومعروف لدى الغالبية، أيضاً وعي بعض من منظمات المجتمع المدني لاستخدام الفن التشكيلي لمعالجة بعض القضايا والمشاركة في رفع الوعي المعرفي المجتمعي بأهمية الفن التشكيلي كوسيلة للتعبير عن الحاجات والهموم وتوصيل رسالة عميقة بألوان زاهية.

يمكن أن يلعب الإعلام دوراً كبيراً في الترويج لثقافة الفن التشكيلي.. كما ساهم سابقًا في تقديم الكثير من المطربين وصقل مواهبهم من خلال برامج غنائية ومسابقات وجدت رواجاً كبيراً وشهرة في المجتمع.. يمكن كذلك أن يلعب الإعلام دوراً كبيراً في رفع الوعي السوداني بأهمية الفن التشكيلي من خلال برامج متخصصة تبرز الفنانين التشكيليين ومواهبهم وتعكس الجانب الجمالي والرسالي للفن التشكيلي.

* لو خرج التشكيليون في تظاهرة ماذا سيكون هُتافها..؟

بالريشة والألوان.. نبنيك يا سودان…

تمثال.. حُريّة.. بننحت زيك مية…

بالريشة.. باللون.. حنجمّل هذا الكون…

*تجربتك وسنواتها وأحلامها..؟

أنا مازلت في طور التجارب والتعُّلم… ولكن بداياتي كانت منذ مرحلة الأساس كحال معظم الموهوبين، ولكن كان الطين يستهويني منذ صغري، فكنت أبرع في تشكيله في بداية المرحلة الثانوية كنت احترف الرسم حيث شاركت بقصة مصورة في الدورة المدرسية فازت على مستوى الولاية وتم استضافتي على إثرها في تلفزيون السودان، وكان ذلك بمثابة محفز للمضي قدماً.. بدأت برسم الكاريكاتير في العام ١٩٩٨م وكنت ما أزال في المرحلة الثانوية بعدها قمت بالتعاون مع بعض الصحف في رسم الكاريكاتير.. بعد دخولي كلية الفنون كانت رغبتي في التخصص في مجال النحت كبيرة وكنت اعتبره أقوى أنواع التعبير، بعد تخرجي من الكلية عملت كرسام كاريكاتير في العديد من الصحف السياسية والرياضية والإجتماعية. في العام ٢٠٠٧م حصلت على القيد الصحفي من المجلس القومي للصحافة والمطبوعات بصفة الاحتراف عن سنين عملي السبع في مجال الصحافة.

أسست مرسمي الخاص بوسط الخرطوم في نهاية ٢٠٠٧م حيث شهد ميلاد جميع أعمالي الفنية وكان بمثابة قبلة التشكيلين وبالرغم من صغر حجمه إلا أن جدرانه تزدان بالكثير من اللوحات والجداريات بعضها من صنعي والبعض الآخر لتشكيليين سودانيين وأجانب في إطار التبادل الثقافي.

كانت مشاركتي في برنامج الزائر الدولي بأمريكا بمثابة دفعة فكرية وثقافية كبيرة اكتسبت منها الكثير من الخبرات والمعرفة وعكست فيها الثقافة السودانية متمثلة في النحت والتلوين والكاريكاتير وأيضاً الحضارة المتأصلة والتي لا يعرف الغالبية عنها شيء، ضم البرنامج ١٩ فنان وفنانة بمختلف مجالات الفنون واجتمعنا سوياً في مشروع بعنوان (تعزيز التغيير الاجتماعي من خلال الفنون)، زرنا العديد من الولايات طفنا على الكثير من المتاحف وصالات العرض التشكيلية والقنوات والإذاعات ومدارس الفن.

بعد عودتي كان حريٌ بي عكس تلك الخبرات للمجتمع. فكان معرضي التشكيلي بمركز راشد دياب للفنون هو حصيلة ثلاثة أعوام من العمل الفني متمثلاً في جداريات ولوحات تحمل مضامين وقضايا كثيراً ما عانى منها مجتمعنا السوداني مثل: (زواج الصغيرات، الهجرة والنزوح، التشرد، مشاكل الأسرة والطفل، النزاعات القبلية وغيرهم من المواضيع).

لطالما كان همي الأكبر التعبير عن حاجيات مجتمعي وقضاياه، وخصوصاً الفئات المهمشة..

أيضاً كنت وما زلت أحلم بصنع جداريات ومجسمات بأحجام كبيرة في وسط العاصمة، تعكس الثقافة السودانية دون قيود مشروطة، وأبرز أحلامي الوصول للعالمية.

حالياً أحضر لدراسة الماجستير في الآثار بكلية الآداب جامعة الخرطوم في محاولة لربط الماضي بالحاضر بدراسة الآثار والمنحوتات القديمة ومحاولة لفك بعض الطلاسم المتعلقة بالحضارات القديمة والفن القديم ووضع منهج لتطور مسيرة النحت منذ الماضي وصولاً للفن الحديث.

22751860_1535243993180845_298794864_n

*مَنْ يقوم بمحاصرة لون وريشة وكف،هل يستطيع،وهل أصحاب اللون والريشة والكف يمتلكون قوة تهزم كل المحاصرِين..؟

تتم محاصرة الفن بفرض القيود وتكبيل حرية التعبير .. والتي تبدأ من الأسرة باعتبارها السلطة الصغرى وتكتمل بالسلطة الكبرى متمثلة في الدولة وأجهزة رقابتها التي تحد من حرية التعبير وتفرض العقوبات.

أحياناً تستطيع السلطة الحد من عطاء الفنان وقدرته على التعبير ولكن كثيراً ما تكون تلك القيود محفزًا للفنان لإخراج انفعالاته وأفكاره والتعبير عن مشاعره بفن صادق نابع عن معاناة شخصية وضغوطات.. وهنالك أمثلة لأشهر الفنانين العالميين الذين تعرض بعضهم لذلك الحصار بمختلف المسببات والأشكال وذلك كان بمثابة دافع للمضي نحو الشهرة والخروج من قبضة الظروف.

وبالحديث عن القيود وهيمنة السلطة انتهز السانحة للإشادة بالفنانة التشكيلية المتميزة والمثابرة إيثار عبد العزيز مديرة ومؤسسة مركز عزيز قاليري الذي تم هدمه بأمر السلطات للاستحواذ على مكانه.. فهي خير مثال للفنان المثابر الذي لم يرض بالظلم ولَم تقهره الضغوطات بل ناضلت من أجل الفن ومن أجل قضيتها وأنا أضم صوتي لها وأعتبرها مثال للفنان التشكيلي الذي يقهر الصعاب من أجل رسالته والرقي بالفن التشكيلي السوداني من أجل المجتمع والرسالة.

فالفن في حد ذاته سلاح قوي جداً فمن يمتلكه يمتلك قراره.

 

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن