الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد : حوار مع التشكيلي السوري عصام درويش

ملف العدد : حوار مع التشكيلي السوري عصام درويش

عصام غلاف

” لن يكف الفن أبدا عن الغوص بعمق في عوالم الانسان الداخلية ومرافقته نحو الجمال “

 

يحدث كثيرا أن نربط علاقة “صداقة” بيننا وبين مثقف ما من خلال أعماله، والحقيقة أن هذا الأمر يحتاج رهافة عالية للفنان تصل بينه و بين الآخر ، هنا سأعتذر مسبقا عن الموضوعية التي تفرضها الصحافة و سأقدم “صديقي” كما التقيته

كنتُ قد تعرفتُ مصادفة على أعمال الفنان التشكيلي السوري عصام درويش أتذكر جيدا تلك كيف بقيت لوقت أحسب أنه طويل أمام ذلك الأزرق الشاسع و المقعد الممتلأ بتلك الأنثى ذات الملامح البعيدة، مازال تلك اللوحة تثير فيّ الكثير دون أن لها بعضا “لغة” أصفها بها

يحفر عصام درويش عميقا بفرشاته، الطبيعية الأنثى الأنثى الطبيعية /الأنثى الوطن(دمشق)/والوطن الأثنى هكذا يقودك إلى ذلك الضوء الذي يسمى “نحن” (حياة)

غير أن الحرب  مصيدة، مصيدة لعينة، تجرح و تقسو حتى على الألوان، ليصير اللون غير اللون و الملامح غير الملامح و لكن داخل ذاك يصارع “الضوء” لينبث من الصرخة الصامتة

جيل جديد تلقى مع الفنان السوري عصام درويش وتسرق بعض وقت

1_احتل الفن التشكيلي عبر التاريخ مكانة متميزة و هو حتى أسبق من الكتابة تعبيرا عما مرت وتمر به الشعوب، أين أصبح اليوم الفن التشكيلي وهل مازال يحتل تلك المكانة المميزة أم أن الفنون الأخرى سبقتها ؟؟

  • أنت تعلمين أن هناك من أعلن موت الفن عدة مرات تحت ضغط حرب هنا أو مصيبة هناك، وهناك الكثير من الفلاسفة ومؤرخي الفن والنقاد ممن أعلنوا نهاية الفن .. ولكن الفن ، كما يبدو ، كان حاجة ملحة للبشرية مما جعله ينهض من تحت الرماد ، كطائر الفينيق ، ويحلق عاليا كل مرة أعلنت نهايته . ومن جهتي أعتقد أنه ما زال حاجة إنسانية على أصعدة التمتع الجمالي والكشف الجواني والتعبير الإنساني العميق وطريقة من طرق رؤية الإنسان لنفسه .. كما أعتقد أنه ما زال يحتل المكانة المميزة التي يستحقها رغم التطورات الكبيرة، وأحيانا العنيفة التي شابت مسيرته الطويلة والتي طمست تجارب وأضعفت تقييم أخرى وجاءت بأخرى ووضعتها في الصف الأول والمقام العالي من الإبداع .

2_كل مثقف حتما يتأثر و يؤثر أيضا، ماهي المنابع التي كونت شخصية عصام درويش الفنية؟؟

  • رسمت في البيت بداية تأثرا برسوم المجلات وبصور لوحات معلقة في بيتنا ، وصرت أرسم وظائف أخي الأكبر مني وحصلت على اعتراف مبكر كرسام جيد من العائلة أولا ومن الأصدقاء ثانيا ومن معلمي المرحلة الابتدائية فيما بعد . ولكن الحدث الأهم في يفاعتي هو وظيفة كلفنا بها في درس الرسم في الصف السابع الإعدادي برسم تمثال معروف حيث رفض استأذنا ناظم الجعفري ، وهو من الفنانين المهمين في سوريا رحمه الله ، رفض تصديق أن هذا الرسم هو لي وعاقبني بشدة لكذبي ، وهي العقوبة الأحلى في تاريخ عقوباتي الشخصية .. ولكن جدية التأثر أتت فيما بعد من اطلاعي أثناء دراستي بكلية الفنون بدمشق على الفن العالمي بتنوعه وعظمته وأعتقد أن ما أثار انتباهي بشدة هو تلك الاتجاهات التشكيلية التي تربط بين تجويد الشكل والتأثير العميق في النفس ولذلك لم أعمل أبدا طوال تجربتي الفنية أعمالا تهتم فقط بالجانب الشكلي إلا في الوظائف الأكاديمية التي تهتم بالبراعة الشكلية وحرصت دائما على إظهار الجانب الإنساني العميق إلى جانب الاهتمام باللون والتكوين وكل العناصر المهمة في العمل التشكيلي . وفي فترة ما من تجربتي اخترعت نوعا من الموائمة بين تنقيطية ” سوراه ” الانطباعي الفرنسي العظيم ، وبين ” واقعية سحرية ” استنبطتها من خلال غوص مستمر في عالم الإنسان العميق الغور والمعقد إلى أبعد الحدود من خلال عالم الأدب وعلم النفس والسريالية العظيمة ، وهي تجربة استغرقت عقدين من الزمن كانت غنية إلى أبعد الحدود أنتجت خلالها عدد محدود من الأعمال نظرا لحاجة كل لوحة إلى أشهر من العمل المستمر والمجهد للعين والجسد ..

 

عصام درويش 1

 

3_ تتسم لوحاتك بعوالم سحرية حالمة سواءً من حيث الموضوعات أو حتى ضمن عملية اختيار اللون وحركته و تفاعلاته، تحضر الأنثى و الطبيعة بشكل طاغي و كأنك تشير لمنابع الحياة /الحب، في أعمالك الأخيرة التي شاهدتُ بعضها على صفحتك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لاحظت أن الحرب استطاعت أن تتسلل لوحاتك و ملامح الوجوه، كيف أثر ما يجرى في سورية على أعمالك وعلى هذه العوالم الناعمة ؟؟

  • بعد المأساة السورية بداية العام 2011 توقفت عن العمل لأشهر .. فقد ضاقت الدنيا بعالم افترضنا أنه باق إلى ما لانهاية . لم استطع أن أرسم عالم السحر والجنة الذي صنعته طوال عقود ، وحل في النفس شعور طاغ بالمرارة لان ما جرى ويجري في سورية هو شيء لا إنساني . جرائم لا نعرف من يرتكبها ولماذا رغم كل المعلومات والاتهامات من جميع الأطراف . ولكن دودة الرسم في الدماغ بدأت تحرك نفسها بتململ في البداية ثم بقوة فهل من المعقول لفنان في قلب حدث مهول كالذي يجري على الأرض السورية أن يتنحى جانبا ؟ ذلك كان مستحيلا طبعا وهنا بدأت سلسلة مختلفة تماما من الأعمال تظهر للنور ، أعمال تظهر فيها الكارثة السورية دون لبس ولكن دون أن أملأ اللوحة بالدماء والأشلاء فهناك دائما تعبير عن الألم والكارثة دون إحضار الجثث إلى الأعمال الفنية وهذا ما بدأ بالظهور كسلسلة ” وجوه عربية معاصرة ” وهي أعمال لوجوه عربية تظهر عليها آثار الذهول من الهول الذي يجري أمامها ، وهي سلسلة أعيش الآن في قلبها ولا أستطيع التوقف عن العمل بها .

4_ الحركة الثقافية السورية إجمالا شهدت انتاجية “ضخمة و نضوجا نوعيا كيف يقرأ عصام درويش الحركة التشكيلية خصوصا ضمن هذه المرحلة ؟؟

  • لا يمكن لأي فنان جاد أن يكون بعيدا عما يجري في بلده . طبعا أتحدث هنا عن الفنانين المحترفين فلا يمكنك أن ترسم زهورا أثناء سقوط قذائف على أهلك إلا إذا كنت محلقا في عالم مواز بفضل المخدرات أو انعدام الحس الأخلاقي أو العدمية التامة أو الانسحاب الكامل والتقوقع بسبب حالة نفسية لا تتحمل العنف أو التعبير عنه . وأعتقد أن مرحلة جديدة من أعمال الفن السوري ولدت وستولد من رحم الكارثة السورية كما سيحدث فرز مهم وجدي لتجارب التشكيل السوري . لقد شاهدت أعمالا مهمة لفنانين سوريين مقيمين داخل سوريا أو خارجها وهي أعمال ستضيف عمقا جديدا إلى تجربة التشكيل السوري التي تزداد عمقا وأهمية كل يوم .

 

عصا درويش 2

 

5_الأكيد أن ما يجرى يأثر بصورة أو بأخرى على الحراك الثقافي، كيف تواجه  قاعات العرض التشكيلية ما يجرى في سوريا، هل مازال جمهورها حاضرا أم أنه يركض وراء الحياة في الاتجاه المعاكس ؟؟

  • تجمدت حركة المعارض كلية خلال السنوات الأولى من المأساة السورية ، ومنذ أشهر بدأت بوادر حركة بطيئة لكن مصرة في بعض صالات العرض السورية ، الدمشقية تحديدا وهناك مناخ مشجع بسبب انخفاض مستوى القتال وعودة بعض الأمور إلى ما يشبه طبيعتها ، الماء والكهرباء مثلا . . طبعا الجمهور المعتاد المتذوق والمقتني للفن التشكيلي غاب أكثر من 90 بالمائة منه هذا الجمهور مؤلف من الميسورين الذين آثر معظمهم مغادرة سورية طلبا للأمان والمثقفين الذين انقسموا أفقيا وعموديا وغادروا لأسباب مختلفة أما الجمهور العادي فان هموما كثيرة تمنعه من الاهتمام أو مجرد التفكير في زيارة معرض أو اقتناء عمل .. وأعتقد أن هناك ما يشجع على التفاؤل الحذر بانتعاش نسبي في حركة العرض وإذا ما استمر الوضع الأمني بالتحسن وظهر اتفاق سياسي مقبول فهناك أمل كبير بانتعاشة تصيب سوق الفن في سورية من جديد .

6_ كثر الحديث مؤخرا على خلفية ما جرى و يجرى عن موقف المثقف و ضرورة أن تكون مواقف واضحة و تعكس أعماله، رأي عصام درويش حول هذه النقطة؟؟

  • طبعا من المفترض أن تكون مواقف الفنان التشكيلي واضحة مما يجري في العالم من حوله وفي بلده خصوصا . ولكن في هذه المجال هناك الكثير من التعقيدات والمصاعب .. فقد تابعت عن طريق مواقع التواصل على النت الكثير من النقاشات والاتهامات والمواقف المتشنجة فمثلا هناك من يتهم التشكيليين المقيمين في مناطق النظام بأنهم خونة لسبب بسيط تمثل في مجرد اختيارهم البقاء في بيوتهم وأعمالهم بينما يتهم الموجودون في تلك المناطق أولئك الذي اختاروا المغادرة إلى خارج سوريا لهذا السبب أو ذاك بالهرب والقبض من الأجنبي واختيار عدم البقاء والمواجهة . وهنا أعتقد أن هناك الكثير من المرارة المبررة لدى الطرفين مثلما هناك الكثير من الابتعاد عن فهم الظروف ومراعاة التعقيدات ومحاولة زج كل طرف للآخر في شراك يمكن أن تتسبب في صعوبات ومخاطر أمنية صعبة .

 

عصام درويش 3

 

7_ في زمن الحروب و الشتات و الانقسامات واللا جدوى هل مازال الفن التشكيلي قادرا على حمل هموم الإنسان ؟؟

  • لن يكف الفن أبدا عن الإسهام في محاولة سبر غور الإنسان في محيطه وعالمه والكون وطرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها واختراع عوالم موازية والغوص بعمق في العالم الداخلي للإنسان ومرافقته في الطريق إلى الجمال ، وهزه وإجباره على الإصغاء والتأمل ورؤية ما لا يستطيع أن يراه ، وإعادة اختراع العالم وقلبه رأسا على عقب والإشارة إلى ضعفه وقوته .. أعتقد أنه غير قادر على حمل هموم الإنسان ولكنه قادر وببراعة على الإشارة القوية إلى كيفية حملها وتحملها وحلها .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة