الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد : حوار مع “بوادر بشير” رحلة من الجمال بين الفرشاة والقلم

ملف العدد : حوار مع “بوادر بشير” رحلة من الجمال بين الفرشاة والقلم

بوادر-بشير

تقول بوادر أنها مبتدئة، ونقول نحن أنها تملك قلمًا مدهشًا وفرشاةً مختلفة، تمزج الألوان بطريقتها ثم تضرب على اللوحة بالفرشاة – بل تسكب اللون عليها أحيانًا، لتعيد تخليق عوالم جمالية تسر الأنفس كما غاية كل فن، نلتقيها – كجيل جديد – في مؤانسة فنية نحاول فيها الاقتراب – ولو قليلًا – من عوالمها في الكتابة والرسم وما بينهما من ارتباطات وتقاطعات..

في البدء، هل تتعاملين مع التشكيل ككتابة صامتة أم مع الكتابة كتشكيل ناطق، أو من أيهما تنطلق بوادر ناحية الآخر؟

بوادر التي اعرفها لا تحدها اتجاهات ، اعني أن الكتابة والتشكيل كلاهما خيال متسع، كيفما رأيت الفكرة في ذهني انطلقت ، أحيانًا أسمع أحاديث في مؤخرة ذهني فأبدأ بالكتابة، دون اتفاق مسبق لما أريد قوله، وأحيانًا أرى ألوانًا لم أرها من قبل أو تكنيك لم أجربه فأرسم …هكذا، وربما وفي مرات قليلة تداخلت الكتابة مع الرسم فأجدني أرسم ما أريد قوله .

ألا يمكننا – إذن – أن نتساءل عن الحالة التي تجعلك تفضلين أحدهما على الآخر حين التعبير عن معنى أو شعور ؟

أبداً ليس ثمة تفضيل يحدث، لكل منهما حالته، أحيانًا تمر أشهر كاملة دون أن اكتب أكون حينها في – موود- رسم فقط ! وأحياناً العكس الأمر ليس بيدي على الإطلاق .. لكن هذا ألا يعني أن أحدهما يقصي الأخر.

الرسم والكتابة يتمازجان في ذهني ، كأن يكون أحدهما خلفية للآخر، أحياناً أنسى أني أرسم أكون حينها كاتبة فقط وفي اللحظة التي أنتهي أبدأ برسم شيء ما ظل يزن في رأسي ، فيكون ما كتبته وما رسمته امتداد لبعضهما.

 IMG-20171124-WA0006

ولكني قصدت لحظة البداية، أو تلك التي تسبق تمامًا لحظة الإمساك بالفرشاة أو القلم للتخليق، هل من ربكة تحدث؟ أو هل من مساحة للاختيار بينهما؟ أم أن الأمر بجله قيد اللاوعي؟

من المنصف أن أقول أن كل شيء في ذمة اللاوعي ..!

لكن يمكنني القول كذلك أن للأمر علاقة بالمحفزات ..زيارة إلى متحف الفنون مثلًا تجعلني ارسم بشغف ..لمدة أسبوع.

أو سماع مقطوعة موسيقية وقراءة كتاب أو التعثر بمشهد مؤثر! هل من محفزات ذاتية؟

في حالة الموسيقى فانا ارتبك أحياناً بين الرسم والكتابة، مثلاً اليوم حضرت حفلًا موسيقيًا لغادة شبير، كانت تغني وكان ذهني بندول مضطرب يترجم الموسيقى إلى قصص والى لوحات في وقت واحد، قصص عن شعراء الأغنيات أو عن مصير البنات اللواتي خصتهن الأغاني، ولوحات تخص الموسيقى في ذاتها ، اعني أن بعض الألحان بدت لي زرقاء تمامًا وبعضها اخضر فيروزي وبعضها أسود يخفت نحو الرمادي وحين ترتفع الموسيقى يصير الأسود أحمرًا فجأة ..!

حين انتهى الحفل لم اكتب أو أرسم مباشرة ولكني أعرف أن ما رأيته سيتحول يومًا ما إلى احدهما إما قصه أو لوحه.

أما عن المحفزات الذاتية فأنا مصابة بالملل لهذا أجدني دائمًا ابحث عن تقنيه جديدة عن شيء لم أجربه من قبل، مجرد التفكير في تجربة أمر جديد يحفزني كثيرًا.. لا اعني أن ابتكر شيئًا لم يحدث من قبل ! لا ، اعني أن أجرب شيئًا لم اختبره من قبل بشكل يخصني تمامًا.

 IMG-20171124-WA0007

يقال أن الموسيقى أرفع الفنون وأجملها وأن الأشكال الفنية الأخرى ما هي إلا محاولات تشبه بالموسيقى، هل تتفقين؟ وأيهما اقرب للموسيقى الكتابة أم التشكيل بشكل آخر أيهما اقرب للنغمة، الحرف أم اللون؟

اعتقد أن الموسيقى، الرسم أو الكتابة كلها تجارب إنسانية إبداعية، بالطبع لو كنت موسيقية لأخبرتك أن الموسيقى ارفع الفنون، ولكني للأسف لا امتلك حسًا موسيقيًا جيدًا، أنا بالكاد أعرف بعض الموسيقى الكلاسيكية والمعاصرة، لكني لا استمع كثيرًا للموسيقى ..

هذا لا يعني أنها لا تؤثر بي بل على العكس، لكني لا اربط تجاربي الكتابية أو التشكيلية بالموسيقى بشكل مباشر، لذا لا يمكنني القول أيهم اقرب للنغمة ..ببساطه لا أعرف حقًا ..! 🙂

على الأقل حركة اليد الممسكة بالفرشاة على اللوحة تشبه بعض الشيء حركة يد قائد الاوركسترا، هل يمكننا أن نتحدث عن إيقاع للوحة كما النص الشعري؟

اتفق معك في حركة اليد ، أنا مثلا أتمنى أن اصنع من اللوحة ما يصنعه (ياني) مع الاوركسترا ..! كل هذا الجنون الموسيقي يتكون عبر حركات أصابع في الفضاء، ثم إذا انتبهت إلى حركة اليد دون الموسيقى تجد انه -قائد الاوركسترا-يرسم !

يحدث هذا أيضاً عندما تستغرق كلية في الكتابة في لحظة ما تتصاعد موسيقاك الداخلية اعني بذالك الشخوص على الورق، يصدرون ضجيجًا كاملاً، رجل يمشي على الرصيف، سائق يشتم آخر، امرأة انكسر كعبها فجأة فشتمت اليوم، طفلة تبيع الحلوى، وشاب غارق في أفكاره الحزينة، ضجيج محلات العصائر :”ليمون بجنيه..”! أغنيات تنطلق دونما ترتيب من محلات الكاسيت، كل هذا في مشهد واحد مليء ومثير على بساطته ..! حينها يصير الكاتب مؤلفًا موسيقيًا يحرك قلمه ليخرج المشهد على ضجيجه موسيقيًا محببًا ..!

هل لبوادر بشير طقوس معينة تمارسها قبل وعند تخليق النص الأدبي أو اللوحة التشكيلية؟

الهدوء فقط ..

حتى أني نادرًا ما استمع إلى موسيقى أثناء الرسم أو الكتابة ..

حينها ارغب أن أكون لوحدي كلية وتمامًا ، دون أي صوت في الخلفية .. لذا أفضل الليل على أي وقت آخر ..سواءً للرسم أو الكتابة.

ما الصورة التي تتراءى للفنان عند بداية تخليق النص / اللوحة، هل تظهر صورة العمل كاملة قبل التخليق أم أنها تتشكل تدريجيًا أثناء عملية التخليق إلى أن يكتمل العمل؟

عن نفسي لم يحدث أن بدأت عملًا ما وفي ذهني صورة نهائية له ! كل مرة اترك للعمل أن يتكون كيفما يشاء ، في الرسم مثلًا تتراءى لي في البداية صورة ضبابية لشيء ما ، يكون كل ما افعله محاولة للوصول إلى تلك الصورة أو لتفسيرها، أحياناً أتوقف في منتصف العمل لأني أتحصل عليها وأحياناً اضطر لإعادة لوحة واحدة عدة مرات حتى أجد ما ابحث عنه ، وغالبًا أغير كل شيء سواء سيناريو أو تشكيل لأبدأ بشيء جديد تمامًا ،كل هذا في محاولة لإيضاح الشكل الضبابي ، لكني في مرات عدة ابدأ دون اتجاه معين ..تاركة للفرشاة / القلم أن يأخذني كيفما يشاء.

إذن، كيف تحددين نقطة النهاية ؟

أو متى ترفعين الفرشاة عن اللوحة أو القلم عن الورقة طالما ليس هناك تصور مسبق مكتمل للنص أو اللوحة ؟

في رأيي لا يوجد عمل مكتمل، أي عمل يستحمل إضافة ما أو تغيير، ولكني أصل لنقطة النهاية بشكل سلس تمامًا ودون تدبير مسبق مع اللوحة أو الكتابة، فقط تحدث هكذا دون الحوجه لإضافة خط واحد ليفسد ما صنعته .. حينها أتوقف !

هل تصطحبين معكِ عين الرسام وذاكرته التفصيلية عند الكتابة، بمعنى أنك تشيدين عالماً من الكلمات كما تفعلين بالألوان؟

أحياناً ..ولكن الأغلب أني عندما اكتب اغرق في الكتابة نفسها تقنيات النص والحكي والشخصيات ، فلا أكون رسامة حينها بل قاصة فقط ..إلا إذا كان للنص علاقة بالألوان والرسم كأن أحكي عن رسام مثلًا حينها أكون كلاهما ..

في الكتابة يمكن للفنان أن يعدل بالحذف/الإضافة إذا لم يكن النص كما يتصوره، كيف هو الأمر في الرسم؟ وهل هنالك لوحة غير مكتملة؟

اللوحة تقبل كذلك التعديل ، لحد معين ..بعدها لا يمكنك حذف جزء معين وإنما يمكنك أن تصبغ الأبيض عليها تمامًا لتعود قماشًا أبيضًا .. ولكن ..ألن تكون حينها ظالما للوحة التي قررت مسحها ؟!

في رأيي لا توجد لوحة كاملة ولو في نظر الفنان -لأن اللوحات خيالات كما قلت من قبل – من الصعب تمامًا أن يجسد شخصًا ما خيالاته ..!

ولكن هذا ما يدفع أحدنا لإعادة الفكرة ذاتها كثيرًا حتى يصل للأمر الأقرب إلى ما يكاد يريده ..

بالطبع أنا هنا أتحدث عن الفن التجريدي لا الواقعي البحت

قد تكمل لوحة تشكيلية نص قصص أو شعري، هل يمكن أن يحدث العكس، أن تحتاج اللوحة نصًا مكملاً؟

أجمل الكتابات تلك التي تصف لوحات فنية تجريدية ..لماذا تجريديه بالذات ؟ لان التجريد يخص الشخص الذي يقرأ اللوحة لا يخص الفنان الذي رسمها بالكامل ، أعني انه يمكنني أن ارسم شيئًا فيترجمه شخص آخر إلى شيء مختلف تمامًا ..وهذا أمر طبيعي وجميل في الحقيقة لذا أتلعثم كلما طلب مني احد ما أن أقوم بشرح رسوماتي ..لو قمت بشرحها لفقدت سرياليتها ولرأيتها بعيني ..بينما ما أفضله أن تراها كيفما تشاء..

أظن أن أجمل الأعمال الفنية تلك التي لا تحتاج إلى ترجمة ..وان قمنا بوصفها بالكتابة نصف شعورنا تجاهها ..ما الذي أحسسناه ونحن نقف أمامها ..

في النثر والشعر يمتلك المتلقي – فقط – حق التأويل بينما في الرسم التجريدي يمكنه استنباط معاني جديدة وخلق تفاعل حسي يخصه، أو كأنه يعيد تخليقها بطريقة تخصه

ليس كل التجريد قابل للتأويل .. أعني أن الأمر يخص الرسام كذلك له قدرة أن يترك جزءًا على تجريديته واضح وصريح وكذلك يمكنه أن يترك التأويل كله بيد المتلقي .. الأمر ليس مطلقًا تمامًا لأن التجريد نفسه به أكثر من مدرسة ، لكل منها تقنيات مختلفة..

 IMG-20171124-WA0008

هل هي نفس اللذة عند نهاية عملية التخليق للنص أو اللوحة أم أن الأمران يختلفان؟

‎أي تكوين سواء إن كان لوحة قصيدة قصة أو دولاب خشبي حتى أو أي عمل يتطلب عرقًا وجهدًا ذهنًيا وتركيز نفسي ، حين ينتهي يكون له لذة التكوين وخلق شيء من العدم ..! شيء إبداعي يخص الصانع ، لذة لا تشاركها لذة ظهور العمل للآخرين مثلًا ..بل هي اقرب لطاقة لطيفة تسري بينك وبين الشيء الذي صنعته بيديك .. لهذا تجد بعض الفنانين أو الكتاب حتى يعاملون أعمالهم بحرص كأنها امتدادهم الشخصي ..! بالنسبة لي الأمر لا يعدو كونه طاقة ، متى ما خرجت مني لم اعد امتلكها ، لم تعد لي ..‎

هل ثمة فرق تلحظينه بين من يقرأ لك ومن يتابع أعمالك التشكيلية؟

بالطبع .. الحقيقة أن الأغلبية يعرفونني ككاتبة ثم بعد ذلك تابع بعضهم نشاطي التشكيلي باهتمام ولكن البعض اكتفى بمتابعة كتاباتي اعني من حيث التفاعل بين نص أو لوحة خاصة في فيس بوك ..

والبعض يعرفني كتشكيلية فقط ، حينها يكون التفاعل مع اللوحة عاليًا بالمقارنة مع النص..

أنا حتى الآن اعتمد على فيس بوك في نشر النصوص واللوحات ولم أصدر بعد مجموعة قصصية بينما قمت بعمل معرض فردي بحيث تمكن الكثيرون من رؤية اللوحات على الواقع والتفاعل معها ..وتبادلت أحاديث كثيرة جعلتني إلى حد كبير أرى حجم الاهتمام بالفن التشكيلي الحديث عامة وليس أعمالي فقط بشكل خاص ،وهذا أمر مبهج أن نكون الآن في عصر رقمي بحت لكن مازلنا نهتم بالفن ونندهش ونتابعه سواء كتابة أو رسم أو غناء ..الخ

وهل أنت نفس الشخص في تعاملك مع متلقي أعمالك النثرية والتشكيلية أم إن ثمة فصال يحدث بين الكاتبة والتشكيلية ولو للحظات؟

الفصال موجود دائمًا ولكن بشكل مربك لي أكثر من أن يكون مربكًا للآخرين ، مثلًا حين يُطلب مني أن اشرح لوحة ما حينها أكون في حالة من الارتباك والجدل بين أن اشرح أو أن اترك للمتلقي أن يفسر الأمر كما يشعر…

ف الفصال يحدث بين التشكيلية وأنا ليس للكاتبة علاقة به.

كيف تفسرين أن للمطالعة جمهور أكبر رغم أنها تحتاج مهارة القراءة وهي مهارة مكتسبة مقارنة بالتشكيل الذي لا يحتاج إلا حسًا مجردًا “النظر” ؟

لكل مجال أدبي محبوه ..ودراويشه ..ولكن القراءة ..يا الهي..! القراءة أن تدخل إلى روح شخص غريب، أن يشاركك أشياءه الأكثر خصوصية ،لأن الكتابة فعل ألم عظيم ، أعني أن الكاتب لا يكتب اعتباطًا بل يضع روحه في قلمه .. لذا القراءة في مستويات عدة هي التقاط لتلك الروح..!

هذا لا يعني أن الرسام لا يفتح قلبه ..

الاختلاف في المتلقي ..كما اعتقد أننا جميعاً -نادرًا –ما تعملنا عن الفن وكيفية التفاعل معه ، لذلك تصيبنا اللوحة بارتباك عظيم ..

القراءة هي ترجمات بأحرف مألوفة ..لذلك في رأيي سيظل جمهور المطالعة أوسع من متذوقي الفن التشكيلي .. حتى نبتكر وسائل إبداعية لإدراج الفن التشكيلي في لغتنا اليومية ..حينها يمكن أن يدرك كل شخص أن بإمكانه تذوق الفن ابتداءً من لوحتي الغروب والشروق وزرقة البحر ، وهبات الكون المتعددة والأكثر دهشة.. فالفن في احد مستوياته هي محاولات لتقليد عظمة الطبيعة، ولأن التقليد يفسد المشهد، فالتجريد – في رأيي- هو ترجمة المشهد بلغة أكثر تركيزا ..!

 IMG-20171124-WA0009

إذن نترك لك في الختام لوحة بيضاء لترسمي عليها ما تشائين من كلمات

 أنا حاليًا في طور التجريب ، لم أستقر بعد على لون واحد أو أسلوب واحد ، وهذا في حد ذاته أمر ممتع .. الفن اليوم لا يعتمد على ما تعرفه مسبقًا بل على ما يمكنك أن تكتشفه وأنت تبحث عن هويتك الخاصة ، ما يسعدني ويحفزني دائمًا أن الوقت الحالي مليء بالكتابين النحاتين ، يكتبون النص بحرفية ومحبة ، والفنانين التجريبيين ..أعتقد أننا نأخذ كل ما يحدث من حولنا من تعب ونحوله إلى شيء جوهري ،هذا ما يحدث الآن في السودان .. إبداع فطري غني وكثيف .. شباب وشابات يكتبون لأجل الكتابة لا لشيء آخر ..

(عشان كده أنا سعيدة بحوارنا ده جدًا ، وحابه أشكر مجلتكم لطيفة الروح على التجربة دي) .

 

 

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان