الرئيسية / احدث التدوينات / ملف العدد : حوار مع د.”فيروز سمير عبدالباقي” عن الفن التشكيلي

ملف العدد : حوار مع د.”فيروز سمير عبدالباقي” عن الفن التشكيلي

received_879238602112952

نبذة تعريفية عن د. فيروز سمير عبدالباقي، ومشوارها مع الفن التشكيلي.

أستاذ مساعد بكلية الفنون الجميلة- جامعة حلوان

وفنانة تشكيلية مصرية،انخرطت في حركة الفن التشكيلي المصرية منذ عام 1993

حصلت على الماجستير عام 2002 وكان موضوع رسالتها العودة للشكل الطبيعي في التصوير الغربي المعاصر.

أما الدكتوراه فقد حصلت عليها عام 2008 عن رسالة بعنوان التصوير الروسي بين الواقعية وما بعد الحداثة. هكذا تخبرنا سيرتها الذاتية بشكل عام،ولكن بشكل خاص فهناك ما هو واجب الإضافة..

فيروز نشأت في عائلة اقترنت أسماء أفرادها بالإبداع الإنساني في صور متعددة، والدها الشاعر الكبير والكاتب المسرحي متعدد الإنتاج الأدبي و الفكري في مجال أدب الأطفال/ الكبار سمير عبد الباقي، ووالدتها الفنانة الراحلة نجلاء رأفت رسامة ،مهندسة ديكور ، ومخرجة ومصممة بمسرح القاهرة للعرائس، لذلك هي منغمرة بعالم الفن منذ طفولتها ، وموهوبة بالفطرة.

رسالة إلى الشمس، ربما هي أول مشاركة للطفلة فيروز سمير برسوماتها في واحدة من أعمال والده الأدب الأطفال، لتتوالى الأعمال حتى مجموعتها الأخيرة حكايا التلِّي(1)

لازلت أذكر بعض نصائحها لنا زميلات الدراسة في المرحلة الإعدادية عن الرسم و التلوين و الخطوط،والتي بقيت معي حتى الآن،وهاهي تستكمل مشوارها الفني و الأكاديمي مع طلابها في الجامعة،ومعنا الآن في حوار ثري للإجابة عن تساؤلاتنا بخصوص الفن التشكيلي.

في زيارة لمنزلها، حيث تتناثر اللوحات على الجدران كجزء من كيان المكان، ومُشكِّلاً لطبيعته، ومرسمها حيث رائحة الزيت والألوان والتِنَر ، فرشات مختلفة الأحجام وحوامل وأطر خشبية ولوحات مغلفة بعناية.

 جرى بيننا الحوار بين محورين، أولهما إلقاء الضوء على أعمالها الفنية ودلالتها انعكاسًا على الفن التشكيلي، والثاني من خلال الإجابة على الأسئلة التي أعدّها فريق تحرير المجلة. 

في البداية تحدثت عن اهتمامها بمعيارين، هما التكنيك (التقنية) المستخدمة في العمل، والتكوين (تشكيل) العمل الفني، لتمزج بين التصوير والرسم والجرافيك(الوسائط المتعددة)في أعمالها، مما لاحظته من حديثي معها اهتمامها بتوظيف العنصر المعبّر عن العمل ففي مشروع التخرج الخاص بها على حدود التعب وظفت المرأة كعنصر، كما وظفت المكان وهو الحمام الشعبي لتعرض من خلال تواجدها به  لحظات الاستجمام الراحة المسروقة فى خضم الحياة  . وفي مجموعتها في الانتظار، قدمت بعدًا رمزيًا يُعَبّر عن الترقب والانتظار، والسؤال ماذا بعد؟ وهنا أظهرت حالة الانتظار في احدى لوحات المجموعة بوجود عين خلف المرأة في إشارة للترقب ، أو بجلستها على كرسي في انتظار ما سيأتي.

قد يستمدّ الفنان جزءًا من تجربته الإنسانية الخاصة، ليعكسها كعمل فني وهذا ما وصفته ثلاثية الموت والحياة، والتي تعرض لتجربة أب وأم وابنهما كنموذج للأسرة المصرية ، في ذراع كل منهم امتدت أنابيب المحاليل الطبية ونقل الدماء، ويبدو السؤال الحائر في تلك اللوحات، هل تمنحهم الأنابيب الحياة أم تسلبها منهم؟!

الفنان لا ينفصل أو ينفصم عن واقعه، والمرأة جزء من هذا الواقع، وفي ظِلّ أحوال أوطاننا وتعبيرًا عن استياء المواطن، واستياء المرأة كجزء من الوطن حيال ما يحدث من صراعات، وخلافات تضرب وحدة الأمة والأوطان في مقتل، فكانت ثلاثية لا أريد أن والمستوحاة من نموذج الحكماء الثلاثة ولكن بتوظيف المرأة التي لا تريد أن ترى، أو تسمع، أو تتكلم بخلفية مصاحبة عربية التصميم لتدللّ على عربية الهوية. أمّا في مجموعتها حائط الصدّ الأخير، وفي سباعية متراصة من لوحات طولية تمثل المرأة نماذج لسبع سيدات بعد الثورة المصرية، خلفهن مجمع التحرير بين ثائرة ترفض أن تنتهك حريتها تحت أي مسمى كان، أو ثكلى فقدت أحد ذويها أو أبنائها في الثورة تعبيرًا عن أن استسلام المرأة أو رضوخها ما هو إلا انهيار للمجتمع.

ولأن الطبيعة غير معلم للفنان، وكتواصل مع الطبيعة قدمت معرضين أحدهما بعنوان الجهنميات، حيث أعادت توظيف نبات الجهنميات، وهو نبات غريب الأطوار متسلق، له شوك أوراقه هي الملونة لا زهوره، لتغوص في التشكيل، بإستخدام كلا من اللون والشكل كرمز، في وحدات رمزية من الشكل الهرمي، أو المربع وهكذا. ليس هذا فحسب بل وظفت الملمس نفسه ليزيد من إحساس المتلقي باللوحة، فأجزاء النبات بارزة على سطح اللوحة تمنح الناظر إليها انطباعًا بالحياة. أما المعرض الآخر فكان بعنوان الهيش(2)، في أحراش بحيرة قارون، يبدو صوت الريح وهي تداعب النبات ليتحرك فيستمع المارّ بينها ويشعر بالرعب والخوف، حيًا وناطقًا في اللوحات وهكذا عبرت فيروز كفنانة، عن تلك التجربة لتبدو اللوحات ببعد رمزي بين الإيقاع والحركة وكأن الهيش يتحرك في اللوحة، وكأن الناظر إليها يستمع لصوت الريح.

وفي الجزء الثاني من اللقاء تناقشنا من خلال مجموعة الأسئلة التالية:

* اللوحة التشكيلية، بناء أم تخليق أم تشكيل أم تصميم ؟

– مراحل العمل باللوحة الفنية تجمع كل ما سبق …الفنان يقوم ببناء لوحته وتوزيع عناصره على قواعد وأسس التكوين و يضع فى اعتباره مقومات التكوين والتصميم الناجح من حيث التوازن وتوزيع الكتلة والفراغ واختيار اللون والملمس والتضادات والتناغمات فيما يخدم فكرته وأسلوبه الخاص….وهى تخليق أو بمعنى آخر إبداع مختلف وجديد فدائمًا ما يبحث الفنان عن ما يميزه ويعبر عنه دون غيره والبحث الدائم عن بصمته التشكيلية وهي ما يُمكّن المشاهد من معرفة لوحة الفنان قبل أن يقرأ اسمه ..

23844371_1509749095772941_1253839269603958885_n

* هل هي شفرة يملك مفتاحها الفنان أم أن الأمر غير ذلك؟

– داخل كل لوحة شيئا ما يخص الفنان وحده حتى فى اللوحات شديدة الواقعية واللوحات المفهومة وقد يكتشف النقاد أشياءً لم يكن الفنان يقصدها، كما  قد لا يروا شيئًا خفيًا يقصده الفنان.

* إذًا، ما الذي يجعل البعض يعتقد أن التشكيل فن عصي على الفهم؟

لغة الفن التشكيلي تقترب للغة الموسيقى فأنت تستمتع بقطعة موسيقية دون أن تكون دارسًا للموسيقى ودون أن تستوعب الآلات التى تعزفها ولكن الشكل النهائي الذي يصل اليك هو مجمل أشياء كثيرة تفاعلت معًا وشكلت القطعة الموسيقية، وقد لا يستسيغ البعض الموسيقى الكلاسيكية مثلاً، تماما كبعض الاتجاهات الفنية وذلك يرجع لعمق ثقافة المتلقي فكلما زادت ثقافة الإنسان ومعارفه زاد استيعابه لأشياء أكثر عمقًا.

*  لدينا مجموعة أسئلة تتعلق بالغموض وعلاقتها بالفن التشكيلي، سأحاول إجمالها في سؤال شامل:

يرى البعض أن الغموض ربما هو ابتعاد عن المعنى ولكنه اقتراب أكثر من الحواس أو أن العمل مهما كان غامضًا يجب أن نحسه جميلا، ما رأيك؟ماذا عن الغموض في التشكيل؟ هل يمكننا أن نقول أن التشكيل رحلة بين الغموض والجمال؟وهل هو الذي يُكْسِب التشكيل هالة واحتفاء؟وهل يمكننا أن نقول أن غموض اللوحة يوسّع دائرة التأويل أي أنه يزيد اللوحة شاعرية؟

– بداية، علينا أن نفصل بين الغموض والجمال، فالغموض معنى مجرد وليس ثابتًا، ولكنه لا يتعارض مع الجمال، وإدراك الجمال بالحواس شيء نسبي يتوقف على ذائقة المتلقي لا على غموض العمل أو  وضوحه، ولهذا فالغموض لا يمنعنا من الإحساس بجمال اللوحة، فمعيار تذوق الفن كما أشرت من قبل، يعتمد على ثقافة المتلقي، بمعنى أدق خلفيته الثقافية والمعرفية، وكذلك إحساسه باللون والخطوط وتفاصيل اللوحة، قد يتفهم المتلقي لوحة غامضة بناء على ثقافته العميقة، التي تتيح له مدى متسع من التفسيرات لغموض اللوحة، لكن إحساسه بجمالها يتصل بذائقته تلك التي قد تكون فطرية، أي أن المتلقي قد يستشعر جمال لوحة غامضة رغم عدم فهمه الكامل لها، كما أن إتساع دائرة تأويل اللوحة لا علاقة له بشاعريتها، فالشاعرية بالمجمل إتجاه رومانسي في الفن، يتعلق بإحساس المتلقي، بينما الغموض يتضح في المدرسة الرمزية، التي نوظِف فيها اللون والشكل رموزًا للتوضيح.

4

* ما فرق التشكيل من الموسيقى والأدب والشعر ؟ مثلاً هل يمكننا أن نتحدث عن إيقاع ومعنى للّوحة التشكيلية؟

– الموسيقى تحويل النغمات لكيان، هناك إيقاع في الشعر وموسيقى، وكذا في الأدب، في الفن نعم يمكن أن نتحدث عن إيقاع ومعنى للّوحة التشكيلية يتضّح هذا في إيقاع الموسيقى الذي يحول الصوت للون وتشكيل، ليكن بينهما ترابط، على سبيل المثال تخيلي معي لوحة مصاحب لها قطعة موسيقية، رسمها الفن مستوحيًا لها من الموسيقى، لو استمعنا للموسيقى ونحن نشاهد اللوحة سنشعر بالإيقاعات والألوان والحركة والإتجاه. وكذلك لوحة أخرى عندما ينظر إليها المتلقي قد يجد أنه يستشعر إيقاعات لحنية ومعنى للألوان والحركة والإتجاه، هنا تجسدت اللوحة كيانًا كما جسدت الموسيقى النغمات كيان.

23843129_1509749015772949_478427871044262954_n

* هل للألوان معاني محددة في التشكيل أم أنها رموز تشير لأشياء!أم أنها مجردات تُحَسْ ولا تُفسر؟

للألوان رموز عديدة، والحياة حولنا ملآنة بالعلامات والرموز، وللرموز مجالاً أكبر وأرحب وأعمق من العلامات، لأنها تستدعى انطباعاتنا الخاصة سواء من الأفكار أو الخيال أو حتى الحلم؛ ولكن العلامات تقع في حيز الإدراك المباشر للعقل.علاقة الرموز بالفنون بدأت منذ الرسوم الأولى على جدران الكهوف، فهي ركيزة الإبداع ومنها يستقي الفنان عالمه الخاص وأشكال عناصره في أعماله الفنية. قد يتكون الشكل من خطوط أو ألوان أو تكوين ما، هندسي كان أو طبيعي، أو هندسي في الطبيعة مثل خلايا شمع العسل على سبيل المثال.

يعتمد الفنان التشكيلي على الأشكال بأنواعها في انتاجه للأعمال الفنية ويقوم بإضافةإليها من الصفات الجمالية من خلال تناوله وتخيلاته ليعطيها في لوحاته أبعادًا رمزية أخرى.ولكل فنان قاموسه الخاص للرموز ولكن لابد أن يكون لها مرجعية ما يعتمد عليها حتى يقترب المعنى للمشاهد، وهي قد تكون مرجعية دينية أو أفكارًا تراثية.

تجدر بي الإشارة إلى أن التفـاسيـر الـرمـزيـة أصبحت شغلاً شاغلاً لكثير من أصـحاب الـمـذاهــب الـعـقـلية والـفلـسفـية والـباطـنـيــة، الذين كتبوا الكثير من الشروحات في فلسفة الفنون وعلم الجمال لفك طلاسمها، ولكن في النهاية هناك قاموس متعارف عليه للألوان يحللها ويفسر معانيها.

* تنوع قراءات اللوحة تجعل القارئ خالقا آخر للعمل الفني وتبني نوع من التوالف والتواصل بين المتلقي والعمل ما رأيك؟

– قد يحمل العمل رسالة ما لكنها لا تصل بحذافيرها لكل متلقي بنفس الدرجة، لأن العمل الفني مثير للخيال ومحرك للمشاعر، وهذا يختلف من شخص لآخر، فالعمل بعد أن يخرج للنور، تنشأ بينه وبين المتلقي علاقة خاصة، تتكون من خلالها قراءة تخصه هو دونًا عن غيره، كما هو العمل لحظة إنتاج الفنان له، تلك اللحظة الخاصة به التي يترجمها انفعاليًا بشكل ما من خلال لوحته، نفس الشيء ينطبق على المتلقي الذي يترجم اللوحة بما يتفق مع ميوله الانفعالية والوجدانية والمعرفية، وإحساسه باللوحة، وهذا ما يساعد بالفعل على خلق رؤية جديدة للعمل تتوقف على صاحبها وتتصل به. 

*  ما هي الأدوات التى يجب أن يمتلكها المتلقي لتذوق التشكيل غير الحواس المجرّدة؟

– لا نستطيع تحديد أدواتًا بعينها، فالعمل الفني يداعب مخيّلة المتلقي، الذي قد يكون إنسانًا بسيطًا، تحرك اللوحة نوازعه وتثير بداخله ذكرى ما أو تلهمه فكرة ما، وعلى الجانب الآخر قد يكون هناك متلقٍ آخر تتشكل علاقته باللوحة من خلال ثقافته المعرفية التي تصبح أدواته لفهم اللوحة ومحاولة تفسيرها، كلاهما امتلك أدوات خاصة لتلقي العمل ، فالفن للجميع هناك عين المثقف، وعين الناقد، وعين الشخص العادي، وهناك الشكل الفعلي للعمل من منظور الفنان.

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) التلِّي ، هو مجموعة أزياء العروس التي يتم تزيينها بالخرز الملون والحلي الصغيرة كنوع من التراث الفنيالشعبي في صعيد مصر، يستخدمون تلك المشغولات اليدوية هي رموز تخطط لحياة العروس المستقبلية ترمز لها من خلال أشكال تعني مستقبلها في الزواج ترمز مثلاً لسرير الطفل ونوع الطفل وما إلى ذلك.

(2)ما يطلق عليه “غاب الريح” أو “ديل القط” في بعض المناطق في محافظات مصر.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .