الرئيسية / احدث التدوينات / من كتابِ خواطر الفتاةِ فزاعة القش

من كتابِ خواطر الفتاةِ فزاعة القش

اسلام

الحياةُ أقصر من أن نعيشها في كذبة!!

في وقت الصدمات الكبيرة والأحداث التي تتنزل لتغير مصائرنا نجد أمامنا طريقين لا ثالث لهما… إما أن نصدق ما حدث أو أن نواصل رحلتنا كأن شيئاً ما لم يحدث على الإطلاق…

وفي أوقاتٍ كهذه تكونُ الأحداث التي تهز دواخلنا وتنبئنا بتغير هويتنا هي الأكثر وجعاً ورعباً على الإطلاق… أن يُحكى لك: “أنت لستَ أنت”…”أنت آخر!!”

وهذا ما حدث…

حين الصدمةِ الأولى أراد الجميع أن يتجاهل ما حدث… وزعوا الكثير من التمر ونحروا الكثير من الذبائحِ والقرابين… فتحوا الكثير من علب الحلوى وصناديق المياه الغازية حمراء اللون… ورشوا المكان بماء الورد… ثم صلوا… صلوا كثيراً وعميقاً… صلوا لكي يأخذوا عني شياطيني وخيالاتي بعيداً… صلوا لكي يطردوا الأرواح الشريرة التي كانت تتربص بعقلي وقلبي وعينَي وقدمَي… صلوا لكي يرجعوني من نفقي المظلم ولكي أعود كما أنا من قمقمي الذي حُبست فيه حتى تغيرت ملامحي به لعجوز غبراء كالحة الوجه بعد أن كنت زهرة الريحان ربيعية العمر…

لكني لم أعد!!… أنا كنت أكثر خفةً من أن تُقيدني خيوطهم الحريرية… وأكثر ثقلاً من أن ترفعني كل أيديهم التي هبت لنجدتي من شئٍ كلنا لم نكن نراه… شيءٌ كان يتنفس… يتمتم… يحدق بنا… يتحرك فيُغير مسار الهواء ورائحته… لكننا جميعنا… جميعنا لم نكن نراه…

وفي البدء لم يصدق أحد…

وفي النهاية لا زال بعضهم لا يريد أن يصدق…

ولا زال بعضهم يريدني أن أعود… كما أحبوني هم وكما أرادوني أن أكون

في وقت الصدمات الحقيقية والأحداثِ التي تغتالنا بمبضع جراحٍ ماهر فتقطع من قلوبنا بمهارة وتجعلنا عرضةً لكل الألم بعدها… في تلك اللحظات نكتشف من (نحن)… ونكتشف من (معنا)… ونكنتشف شيئاً نادراً لم يهبه الله للكثيرين… شيءٌ اسمه: (الحب)… ألا فطوبى لمن ملكه… وطوبى لمن أُهديَ إليه…

ثم الملائكةُ الذين كانوا حولي كان إيمانهم أقل من أن يحمدوا الله على ما حل من لعنةٍ بالفتاةِ التي أحبوها دائماً… ابنتهم الصغرى وقطعةُ سكرهم التي انزوت لكومةٍ من الحطام…

وحبهم كان أكثر من أن يتركوني غريقةً في النهر وحبيسةً في النفق…

هذه الأرواح التي أصطفاني القديرُ بمودتها كانوا أكثر حباً لي من أن يتركوا ماردي متجولاً في الأنحاءِ دون أن تفيض أعينهم بالدمع حين غرة… دمعاً غزيراً وحاراً… أو أن يأخذوا هراواتهم ومسابحهم ليطردوا المارد من عالمي كلما التقوه…

كانوا كثيرين حولي ولكني كنتُ وحيدة…

كانوا كثيرين حولي وغاضبين… وكانوا بأكثر مما يحبونني يكرهون زائري

وأنا لم أكن أدري بشيء… فقط الصوت كان يتردد: “أنتِ لستِ أنت”

أما ماردي فقد كان وحيداً…

لكنه كان وحيداً وقوي… كان أقوى من كلِ جمعهم

وكان أكثر إصراراً على البقاء… كان يزدادُ ثباتاً مع كل سبةً يسمعها من فم جدتي ويزداد قوةً رغم كل الصلوات وابتهال الأمهات الصادقة…

لشهورٍ طويلة كنت أحدق في مروحة السقف خالية الذهن إلا من صحبتي لريشات مروحة الهواء الثلاث واللاتي أراهن كأنما يرقصن رقصةً هندية ملونة قديمةً ومنسية في نشاطٍ لا يكل ولا يمل… وكانت أذناي صماتان من كل من حولي… وكنت وحدي… إلا من ماردي وهو يرقد بجواري… بأنفاسٍ ثقيلة تتردد فيما بيننا…

كان المارد سري الصغير… لم يكن أحدٌ يعرفه… لكنه أراد من الجميع حولي أن يعرفوا من هو… وذات ليلةٍ أخبرهم بعلو الصوت: “أنا رفيقها!!”… كان غاضباً… صرخ في وجوههم… كسر الكثير من أواني الزجاج وسكب الكثير من سوائل لا أذكرها على الأرضيات… دمر المرايا ومزق كل الفساتين في خزانتي… ثم أغلق الباب دونهم… فأصبحت من يومها: “الفتاةُ الوحيدة غريبة الأطوار”… “الفتاةُ فزاعة القش”

أغضبته بتجاهلي فأغضبني بصراخه

كم من الزمن لبثنا أنا وماردي معاً؟!!… حقاً لا أذكر… لكنه كان لابد وقتاً طويلاً من النكران… إذ كنتُ دائماً أتجاهله…

إييييه لكنما الأشياء تحدث… حين أفقت على (ماردي)… صادقته…!!

كيف وصلنا إلى هنا؟!!

أنا زهرة الريحان المسحوقةُ على حافةِ الطريق كنت مذهولة ً في البدء ومشوشة إذ أن شخصاً يهمس لي بلا توقف: “أنتِ لستِ أنت!!”

فأسأل نفسي وأسأل الصوت: “بالله عليك… بالله عليك يا (عبد الله) نبئني من أنا!!”… كنت ذاهلةً وكأني خارجةٌ من جسدي إذ أرى ما يبذله الجميع وهم يقاتلون المارد بينما لا أحرك ساكناً…

كنت لليالٍ طويلة لا أنام ليلاتي إذ نبقى أنا وماردي نحدق في بعضنا…

الحياةُ أقصر من أن نعيشها في كذبة… مددتُ يدي نحو ماردي بالسلام… أغمضتُ عيني عن الجميع

وأخيراً… ما ردي ابتسم إذ ابتسمتُ له…

عن إسلام أحمد منير

mm
كاتبة من السودان