الرئيسية / احدث التدوينات / من مذكرات شاب تحمس لداعش

من مذكرات شاب تحمس لداعش

داعش

كنت معجبًا بمجموعة الدولة الإسلامية الجهادية -داعش-وكنت أتمنى لهم النصر على أعدائهم ،وتمنيت أن ينجح مشروعهم بإقامة دولة الخلافة الواسعة . في الواقع وأنا أكرر هذا دائمًا الدولة الإسلامية أفرادها ليسوا أكثر إسلامًا من عامة المسلمين لكنهم أكثر اتساقاً واتفاقًا مع ما يؤمنون به .

نفس الأشخاص الذين يهاجمون الدولة الإسلامية هاجموني عندما كتبت إبان قضية البارون أن ما يسمى بحد الردة هراء، في ذلك الوقت حذفني من حذفني في الواقع تناقص عدد أصدقائي إلى 500 وأقول أنهم نفسهم الذين يهاجمون داعش بوصفهم جماعة مارقة ومجنونة .

عمومًا أعتبر نفسي أعرف داعش عن قرب فقد شاهدت مقاطع الفيديو-الأصلية- التي تصدر من مؤسساتها الإعلامية مثل الفرقان والاعتصام والحياة، في الواقع كانت متابعات هذه الفيديوهات لا تخلو من متعة لأن هذه الفيديوهات كانت لا تخلو من المعارك والعنف .يجب أن نعترف العنف يعد أمرًا ممتعًا وإلا لما نجحت أفلام مارفل وجيمس بوند ،وفكرة أن العنف الذي تشاهده حقيقيًا يجعل الأمر غريبًا ونادرًا .

عمومًا راجعت موقفي من الدولة الإسلامية عندما أقروا الرق وقرروا إعادته وهنا علمت أني أمام جماعة لا تريد استخدام عقلها، وإصرارها على الاستمرار في مبدأ غزو العالم حتى أن وزارة الدفاع عندهم اسمها وزارة الحرب . بالتأكيد أنا منذ البداية لم أكن مقتنعًا بأفكارهم مائة في المائة ولكن كانت لدي الكثير من المعتقدات الدينية التي تتفق مع فهمهم للإسلام .منها الحدود وقتل المرتد الخ.. أيضًا كنت مثل كثير من الشباب أحلم بدولة الخلافة”ستكون خلافة على منهاج النبوءة” وتحرير القدس ،وأيضًا كنت متأثرًا بالدعاية السعودية ضد شيعة العراق وظلمهم لأهل السنة، باختصار كنت تحت تأثير عدة دعايات أو بالأحرى كنت في خضم حرب إقليمية بين السعودية وإيران .

عمومًا دعونا نرجع قليلًا للماضي حين بدأت هذه الفوضى . عندما انتصرت الثورة في تونس جاء الكثير من الدعاة من السعودية إليها وبدئوا يلقون محاضرات تدعو للجهاد في سوريا كانت النتيجة حوالي 30ألف تونسي يذهب ليقاتل في صفوف الدولة الإسلامية في سوريا ومسبقًا كان المذهب السلفي نشطًا أيام بن علي ولم يحاربه ،أيضاً أقامت السعودية قنوات تلفزيونية تدعوا للجهاد في سوريا بل دعاة مشهورين مثل العريفي وغيره من دعاة الفضائيات اعتبروا القتال ضد بشار الأسد حياة وجهاد . صحيح بشار الأسد مجرم لكنه كان محقًا عندما قال أن هذه الدول تتآمر عليه قطر وسعودية وتركيا . لأن تركيا أردوغان سمحت أن يتدفق الجهاديين بلا حساب من كل أنحاء العالم إلى تركيا ثم إلى سوريا وقطر والسعودية بالدعم المالي بالطبع .

هم فقط لم يتوقعوا أن يستيقظ مارد الدولة الإسلامية الذي كان يقاتل ضد الأمريكان وحلفائها في أيام احتلال العراق -هذا تاريخ طويل يصعب اختصاره الحكي -لكن سأحاول احكيه لك هنا .

كان هناك رجل أردني اسمه أبو مصعب الزرقاوي هو رجل جهادي تدرب في معسكرات أفغانستان وعندما ضربت أمريكا هذه المعسكرات تسلل من أفغانستان إلى إيران ومن إيران تسلل إلى العراق وهناك أقاموا لهم معسكرات تدريب في مناطق الأكراد على ما أظن في انتظار أن تغزو أمريكا العراق فقد كان هذا متوقعًا .عندما جاء الأمريكان بدأ في عمل عمليات عسكرية ضدهم،سمع به أسامة بن لادن فبايع هو أسامة فعينه أسامة أمير تنظيم القاعدة في العراق وافق هو على مضض ليستفيد من شعبية القاعدة وينضم إليه المزيد من المقاتلين،لم يكن ابومصعب الزرقاوي الرجل الوحيد من زعماء المقاومة ضد المحتل الأمريكي كانت هناك جماعات جهادية أخرى صغيرة أو كبيرة منها جيش الإسلام عمومًا عقدت هذه الجماعة حلفًا سمته حلف المطيبين-غمسوا أيديهم معًا في صحن مليء بالمسك يمكنك مشاهدة الفيديو في يوتيوب- من هذا الحلف تكونت الدولة الإسلامية في العراق . كان مقاتلوا هذه الجماعة اغلبهم غير عراقيين فقام الأمريكان ليرتاحوا من صداع هؤلاء الجهاديين الذين يسيطرون على مناطق ذات أغلبية سنية بالاتفاق مع زعماء قبائل سنية ووعدهم بالسلطة وتم تزويدهم بالسلاح حتى يطردوا الجهاديين من مناطقهم . سميت هذه القوات بالصحوات . إنتصر الصحوات على الجهاديين وهزمت الدولة الإسلامية وهرب ما تبقى من قادتها إلى الصحراء يأكلون حيوانات الصحراء من ورل وثعابين ويختبئون في الجبال .

لعلكم تتذكرون المظاهرات التي كانت ضد المالكي لعل تلك التظاهرات كانت سببها مظالم حقيقية على كل حال كان المالكي يخاف من ظهور أعدائه القدامى أصحاب العلم الأسود وبالفعل ظهروا .

عندما حدثت الثورة في سوريا دخلت ما تبقى من الدولة الإسلامية من الصحراء إلى مدينة الرقة وسيطرت عليها بسرعة ومن سوريا بدأ التنظيم يقوم بعمليات انتقامية ضد زعماء الصحوات -عمليات اغتيال مخابراتية-والذين بعد أن أدوا مهمتهم تخلت عنهم حكومة بغداد .

مستفيدة من الدعم المالي غير المشروط للجماعات المقاتلة ضد بشار الأسد ومستفيدة من الدعاية ضد النظام السوري من الدعاة المشهورين استقوى التنظيم بالمهاجرين الذين يريدون الجهاد ضد بشار الأسد .

أسباب قوة الدولة الإسلامية المشهورة لدى العامة بداعش .

1- الخبرة القتالية التي اكتسبها المقاتلون من حربهم ضد الأمريكان وحلفائهم في العراق .

2- يقول خبراء أن جزءًا كبير من رجال الجيش العراقي المنحل-حل الأمريكان أيام الغزو الجيش العراقي بالكامل.

3- المؤسسية . كان للتنظيم مؤسسات إدارية وتنظيمية محكمة بحيث كانوا يوظفون خبرات المهاجرين في مكانها المناسب . فعندما يأتي المهاجر إليهم من تركيا ويصل إلى أراضيهم كان يستضيفوه فيما يشبه فندق صغير أو مستراحة .والغرض الأساسي أن يتم استجوابه -بلطف طبعًا- حتى يعرفوا أي المهن يمتهنها وأي العلوم يتقنها . أنا شخصيًا شاهدت صورة مهندس شاب سوداني يعمل لديهم في محطة إنتاج كهرباء .

4- قد يكون الأمر غريبًا لديكم ولكن الدولة الإسلامية أقامت محاكم شريعية وكانت حريصة على إرضاء المواطنين العاديين أو السكان الأصليين بقدر الإمكان ولو على حساب جنود الدولة الإسلامية أو المهاجرين . قرأت هذا في كتاب “كنت في الرقة” ألفه خبير تونسي وهو عبارة عن حوار مع شاب غادر التنظيم .عندما وجد أن حلمه لم يكن مثل الواقع.

5- العالمية أو تجاوز التنظيم لحدود القومية واستقطابه للمسلمين في كل مكان .يبدو أن دعاة الطريقة الجهادية استفادوا من الحريات الممنوحة لهم فبدئوا بنشر هذا المذهب الذي أراه ثوريًا ومحركًا مقارنة بالمذهب السلفي الوهابي الذي يحرم الخروج على الحاكم .وغير أن المسلم الغربي يحلم بدولة الخلافة والإسلام بسبب البيئة التي يعيش فيها والذي يرى أنها لا تتسق مع مبادئه .

-6 الروح الجهادية العالية ورغبة المقاتلين في التضحية بأنفسهم من أجل الجنة التي يحلم بها.

-7 حتى هم لم يتوقعوا أن يسيطروا على مدينة الموصل ولكنهم فعلوا وفيها وجدوا الكثير من العتاد والأسلحة وبالطبع الأموال .وكانوا أيضًا يستفيدون من ثروات المناطق التي يسيطرون عليها حتى أنهم كانوا يبيعون الكهرباء والوقود للنظام السوري نعم إنها سياسة الأمر الواقع .

8- الانضباط وقوة جهاز الأمن . كان للدولة الإسلامية جهاز أمن يقوم بمراقبة حتى المهاجرين الذين ينضمون إليه ويعاقب من لا يطيعون الأوامر أو يفسدون .

هذه بعض أسباب قوة الدولة الإسلامية،لعل الإعلام يحب أن يصور لك الإرهابيين كمجانين لا يهمهم إلا سفك الدماء حتى لا تتضح لك الصورة . عمومًا كان من الطبيعي أن تتحول القنوات الإخبارية التي يمتلكها أعداء “الدولة الإسلامية” لدعاية نفسية وحربية ضد التنظيم . أولاً تهمة أنها صناعة غربية صهيونية . هذه التهمة تنطبق على كثير من حكام المنطقة أكثر من هذا التنظيم . ولكن أنا لا أحب أن يعتبر الناس أن “الدولة الإسلامية” أو داعش صناعة غربية لأنها تعفيهم من مسؤولية مراجعة تعاليم دينهم وفقهم،وترتاح لفكرة أن الإسلام كيوت وسيظل دائمًا كيوت .

ما حدث فقط أن أمريكا وحلفائها وأعدائها أتاحوا لها الفرصة لأن تخرج . ما كان “داعش” سيأتي للوجود لولا غزو جورج بوش للعراق ،أثناء حكم صدام كان زعيم وخليفة الدولة الإسلامية إبراهيم عواد مجرد خطيب مسجد يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية في بغداد .

كما قلت لكم تم عمل حرب إعلامية ضد الدولة الإسلامية بحيث كان يظهر مجرد زومبي أهوج لا عقل له،ذبح الرهائن وذبح أعدائه لم ينكرها هذا التنظيم . لكن هذه الدعاية من وجهة نظري جعلت الناس ينتقدون جماعة لا يعرفونها بشكل جيد، أنت لا تستطيع أن تنتقد نص مشوهًا وغير أصلي فكيف تنتقد جماعة استطاعت أن تستقطب الآلاف واستطاعت أن تسيطر على مساحة شاسعة من الأراضي، للأسف حتى بعض المثقفين اكتفوا بالسخرية على ما يجعلهم يظنون أنفسهم أفضل وأذكى من العقل السلفي المتخلف. أما عامة الناس فانجرفوا مع دعاية تقول أن داعش صناعة غربية صهيونية تهدف لتشويه الإسلام .وفي الحالتين تضيع فرصة نقد تجربة الدولة الإسلامية ونقد منهجها والطريقة التي أرادت بها أن تنشئ الخلافة بل الطريقة التي أرادت أن تنشئ بها دولة أساسًا .

بعد استقرار حدود الدول بعد الحرب العالمية الثانية لم نعد نرى توسعًا في الأراضي بالقوة العسكرية اللهم إلا عندما تبني إسرائيل مستوطنة جديدة، قيام كيانات جديدة يتم عن طريق التصويت مثل استفتاء الجنوبيين للانفصال بالجنوب وإنشاء دولة جنوب السودان . وحدها “الدولة الإسلامية” أرادت أن تتوسع عن طريق القوة العسكرية وهذا أمر قديم كنا نقرأه في كتب التاريخ لكنه الآن حدث أمامنا .

ومن الشائعات ،جهاد النكاح” لا وجود لجهاد النكاح في فقه وفهم “الدولة الإسلامية” لا وجود لفتاة يتداولها المقاتلين مضاجعة ، فهم يتزوجون بعقد شرعي كما يتزوج بقية الناس . ولكن الكثير من الناس استهوته هذه الفكرة وأصبح يرددها هنا وهناك وهو يظن نفسه يجيد صنعًا .

عمومًا كما قلت تجربة الدولة الإسلامية لو نوقشت وانتقدت بوضوح لحصل خير كثير .

عمومًا سأختم هذا المقال الطويل بذكر بعض مناهج الدولة الإسلامية .

الدولة الإسلامية لا تكفر بالخطايا ولا تكفر أهل القبلة .

الحكام العرب وغيرهم طواغيت وحلال قتلهم وقتل أقل جندي يعمل عندهم .

كل الحدود تطبق . الزنا وحد الردة وحد الحرابة وحد شرب الخمر .

الهدف . إنشاء الخلافة الإسلامية وطبعا الحدود السياسية التي تفصل بين الدول لا يقتنعون بها .

هذا ملخص صغير جدا بمنهجهم السلفي الجهادي الذي يعتنقونه يعني “أنصار سنة إلا جهاد” فمثلا أنصار السنة يعتقدون بوجوب طاعة الحاكم، باختصار لولا طاعة أنصار السنة لعمر البشير لهدموا أضرحة شيوخ الصوفية مثلا .

كانت الدولة الإسلامية تؤمن بالقوة فهزمتها القوى التي هي أقوى منها .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .