الرئيسية / احدث التدوينات / من واحة رمضان

من واحة رمضان

الصور_العشر_الاواخر_من_7

قال تعالى (يا أيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) سورة البقرة الآية  183

كلما قرأت هذه الآية نظرت خلفي لسنين عددًا كتب الله لي فيها صيام شهر رمضان الكريم.. سائلة نفسي عن تقواها.. عما أورثنيه صيام تلك الشهور.. أفي الروح ارتقاء؟.. أفي القلب صفاء؟.. أفي النفس تقوى وركون لآيات الله؟.. وما إن أسألني هكذا.. حتى انصرف عن سؤالي لنفسي لسؤال الله عز وجل أن يجعل ما كان وما سيكون من صيامي متقبلًا.. وأن يهديني سبيل الصيام الحق كما ينبغي لنا صدقًا فيؤتي لنا في حاضرنا وعاقبتنا على السواء.

إن كان جليًا لنا أن الصيام فعل امتناع عن شهوة النفس تهذيبًا لها.. ففي علة أخرى هو انفتاح للروح.. إضاءة لطريقها.. ولعلي إذ أنظر إلى التقوى التي نبحث عنها بالصيام .. أرانا نحرك سواكن القوة المتنازعة بداخلنا.. فسطوة النفس المفروضة علي الجسد بشهوانيتها تطغى على طاقة الروح وسماويتها الكامنة في داخله.. وفي الاعتدال بينهما خير.. وترويض النفس بكبح جماحها يعطي الجسد فرصة لاختبار انفعاله الروحاني.. فغاية الحرمان لا لذاته ولكن لعطاء متصل.. وإن اقتربنا من جوهر الصيام قرأنا حقيقة إلتهائنا عن جوهره إلى ظاهره.. فترانا نبتعد عن الشعورية الوجدانية ونقترب من الشعائرية الوصفية.. فبات الصيام بيننا طقوسًا وعادات.. سحور وإمتناع وفطور وقيام فسحور وهكذا.. إلتهينا بصفة الصيام عن حاله.

لا يقتصر شهر رمضان على تلك الاحتفالية داخل الجسد.. ولكن الاحتفالية الطقوسية تبدأ من قبل الشهر الكريم.. وليس فيها ما يعيبها.. وقد نلمس فيها الكثير من الحب في الاستعداد للصيام.. وبعض الشكوى  والتخوف لا يتعدى طبيعة البشر المائلة للجزع.. ارتفاع درجات الحرارة.. انقطاع الكهرباء.. غلاء الأسعار.. شيء من اجترار الواقع.. إلا أن محبة الشهر وقدسيته تغلب على ذلك.. وما أن يبدأ الشهر حتى يختطفه الإعلام دنيا ودين.. فترى شاشات التلفاز امتلأت بالمسلسلات والبرامج الدينية.. وترى الساحات ضجت بالليالي الرمضانية والجوامع بالخطب المسائية.. ربما لا يجوز هذا السرد لمقاربة البعيد.. إلا أنني لا أقصد فيه تشابه الفعل ولا وزنه إلا في ما يُفضي إليه من العبث بإرادة الأفراد وسلبهم ما كان من خاصة وقتهم وخصوصية فعلهم.. فما أسهل الانشغال عن أصل الفعل بروافده. نغرق في دوامة المتضادات تلك إلى أن يأتي الشهر على خواتيمه فيختطفه منا العيد وكعكه. فنكون مذ أن بدأنا استعدادنا للشهر لاهين ملتهين عنه بحب وفي ذلك غفلة. 

ما يميز شهر رمضان لنا كأمة يختلف عن ما يميزه بيننا كأفراد.. واستقبال شهر الصيام بين عامة الناس ليس كاستقباله عند خاصة الأفراد.. إن كنا نبحث عن ما يجعل الشهر مميزًا لنا فلننظر إليه وكأنه لنا وحدنا.. فلنأخذه على محمل الفردية.. فنجعل ما فيه بينا والله أكثر مما فيه بيننا والناس.. طلبًا للتقوى كما قال عز وجل.. فقصد التجربة الروحانية من الشعائر يتطلب مجاهدة ومثابرة.. ربما جُعل الصيام شهرًا حتى نختبر في أيامه ونترقى في فهم المقصد ونتلمس الطريق فيه على بصيرة.. ومفتاح الطريق إتباعه.. والإتباع نية يُصدقها العمل.

بعض الاعتدال والمراجعة في سلوكنا خير.. ليس في ذلك انتقاص لحق دنيانا ومتعة أنفسنا ولكن انتباه لروعة ما نفلته من بين أيدينا كلما غرقنا في تفاصيل أضلتنا الطريق.. إن الأمر بحكم الله وإرادته التيسير لا نقسوا علينا فنشقى ولا نفرط فينا فنضل.

قال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) سورة البقرة

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .