الرئيسية / العدد الأربعون / موقاي .. نصوص سردية

موقاي .. نصوص سردية

13267743_563491440498242_3130858441107422626_n.jpg

منصور الصُويِّم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

موقاي: إسم مأخوذ من التراث السلطاني في دارفور، وهو رتبة وظيفية تقترب في معناها من دور وسائل الإعلام في الوقت الحاضر أو وزارة الإعلام والثقافة مدمجتين، الموقاي هو ذلك الشخص الذي كان يتلو المراسيم السلطانية على الرعية، ويقرأ أيضا الأشعار والحكايات الطريفة على السلطان.

1-استحلاب:

عينان صغيرتان، أو موضعهما صغير، مساحتهما صغيرة. العينان صفراوان، خفيفتا الصفرة. صفرة ليست كصفار البيض. صفرة باهتة رقيقة متعثرة الانتشار. العينان صغيرتان، مُسبلتان أو ناعستان، جفناهما مرتخيان، يبدوان أسودين. الحدقتان تحدقان، أو لا تحدقان. ..

تريان ما تريانه، أو تريان ما لا يُرى. العيون ساكنة في حركتها، أو هي متحركة في سكونها، لكنّ الشفتين تتحركان ببطء، برقة. السفلى لا تلحظ حركتها، تضم وترتخي في تتابع رتيب متواصل…

العليا تمد وتضم. الشفتان غليظتان، رقيقتان، تحوطان خرقة القماش. الخرقة لونها مبهم، أو لونها واضح، أو هو إعصاري. الأعاصير التي تبدأ نحيلة ثم تكبر حلزونيا، وتصير كالأهرام المقلوب. الخرقة لونها من الأعاصير، لونها منها. الشفتان تضمان الخرقة بحنوٍّ، برقة، ثم تطلقانها. وهكذا تبدوان: شفتان غليظتان منفرجتان تنتظران شيئا. اليدان أصابعهما تتحرك. أصابع ناحلة تتراجف. الأصابع تمسك بالصباع، تستحلب. السائل يتدفق بتكاسل متدليا، السائل الأبيض؛ أبيض في بدايات استيلاده لألوان شتى. السائل مرن لزج. السائل متماسك يتثنى كما العسل، العسل لذيذ، والسائل أيضا لذيذ. السائل متمايلا يلامس الخرقة, تحتضنه وتمتصه ثم ترتفع – الخرقة – تلامس الشفتين النشطتين الرقيقتين، تملأ الفراغ وتسده. الصدر يبدو كصدر به نهدان صغيران متبرعمان، أو هو صدر أملس عادى، يعلو ويهبط. أضلاعه اليمنى تبدو واضحة، واليسرى لا ترى, مخفية. الصدر متراكم الأوساخ, ما تحته – البطن- لا تظهر، أو هي غائبة. لكنّ القدمين واضحتين، تماما ظاهرتان، حاضرتان. قدمان مدهشتان محيرتان، بعيدتان عن التراب، لكن التراب قريب منهما, ذراته تغلفهما تغطيهما. القدمان جميلتان، أجمل قدمين بترابهما واهتزازهما البطيء, مسترخيتان مستمتعتان. لكنّ الشفتين تنقبضان وترتخيان، والصدر يعلو ويهبط، والبطن غائب، والعينان تريان ما تريانه.. لكن – إنه- ….

2-القصة الواقعية:

12923349_1116155145115372_7838256203495233250_n.png
كنت عائداً من سهرة الجمعة، الساعة الثانية والربع صباحا بالضبط حين أبصرت الكلب ذا الجلد المبرقع والأذنين المنتصبتين في تحفز، جالسا بهدوء مريب على مؤخرته يحدق صوب شيء ما لم أتبينه في البداية بسبب الظلمة الخفيفة المنتشرة في المكان. أنا لا أخاف الكلاب، مبرقعة الجلد أو غيرها، لكن توخيا للحذر رسمت بخطواتي نصف دائرة تجاوزا للكلب الهادئ المريب حتى أكون تماما في مدخل المنعطف الذي يقودني إلى بيتي؛ هنا لمحت بقية الكلاب، وأدركت فيمَ يركز هذا الكلب المريب بصره. كانت مجموعة، ربما سبعة كلاب أو ثمانية، طوال وقصار وضخام ونحاف، بألوان متعددة وآذان متنوعة وأذيال بعضها ملتف على صوفه والأخرى مفرودة تتراقص في شعاع لمبة الشارع شحيحة الضوء. كانت هناك كلبة، ميزتها من انكسارها وفزعها وتضعضعها، الكلاب السبعة أو الثمانية تحاصرها وتحصرها في زاوية ضيقة على حائط أحد المنازل، جسدها منكمش وذيلها منقبض وبعينيها شراسة متوارية وراء رعب اللحظة، ثم انتبهت إلى أن الكلاب السبعة أو الثمانية جمعيها في حالة انتصاب قضيبي طافح بالرغبة والشبق، ذكورهم حمراء طويلة ونحيلة تتصارع وتتقاتل على مؤخرة الكلبة المنقبضة. الكلبة لا تنبح، صامتة ومذهولة، والكلاب الثمانية أو السبعة ألسنتها متدلية ولعابها منهمر بكثافة لكنها لا تصدر أي صوت، الصوت الوحيد الذي زاحم أذني في ذلك الليل، كان يأتيني من جهة الكلب المقعي المريب، لهاث ثقيل وكاتم يجثم على الوقت والمكان ويغطي على الأشياء. هبطت الكلبة المذعورة متداعية على الأرض وأعضاء الكلاب الحمراء النحيلة المنتصبة الثمانية أو السبعة تناوش منتفخة وجهها وظهرها ورأسها وكل شبر من جسدها. تلفت ثم انحنيت على الأرض والتقطت عددا من حصى الشارع، تقدمت نحو الكلاب وحصبتها وأنا أصرخ “جر يا كلاب، جر، جر”، تراجعت الكلاب الثمانية أو السبعة إلى الخلف وكشرت عن أنيابها، صمت الكلب المقعي المريب، اختفى لهاثه، التفت نحوه حين انتبهت إلى أن الكلاب الثمانية أو السبعة أخذت تحدق به في رعب قبل أن تلف ذكورها المنتصبة مع أذنابها المتدلية وتنطلق هاربة وتتركنا وحدنا: أنا والكلبة المذعورة المتداعية والكلب اللاهث المقعي المريب. زحفت الكلبة محتكة بالحائط حين استقام الكلب، كان طويلا وشاهقا جدا، يقف على قوائم أربع متينة ملتفة العضلات، تحرك خطوة، كأنه ذئب، كأنه فهد، كأنه أسد، كأنه غوريلا أو دب؛ كأنه كل تلك الوحوش المرعبة مجتمعة في غابة هذه اللحظة من الليل. تقدم خطوة أخرى وأطلق زمجرة خفيضة أحسستها ضرب زلزال رجني وأرجعني خطوات إلى الوراء. أحصيت سريعا الحصى المتبقية في كفي، ثلاثة، علي أن أرجمه بها وأبعده عن الكلبة المتلاشية الآن في شلل رعبها، قذفته بالحصاة الأولى وصرخت “جر يا كلب”، أصابته في جبينه، توقف، بدا مترددا، لكنه بعد هنيهة واصل مسيره، حصبته بالحصاة الثانية، أصابت ظهره، نفض فروه الثقيل المبرقع وكأنه يزيح ماءً يبلله، مضى، رميته بالحصاة الأخيرة وأنا أجازف بالاقتراب منه وأصرخ “جر جر يا كلب”، أخطأته الحصاة فقفز في الهواء كالبهلوان، قفزتين، والثالثة كانت الكلبة المرتعشة تئن تحت قائميه الأماميين، يتشمم جسدها ويلحس بلسانه أنفها قبل أن يعوي في ذلك السكون المظلم عواء طويلا جنائزيا وكئيبا. نهش بأسنانه الصفراء الحادة عنق الكلبة وأثداءها ثم بقر بطنها. هرولت متعثرا بحصى الأرض وأنا أنشد البيت البعيد هناك في آخر الشارع.

3-صحراء:

10628401_789233974474159_8376226810186863179_n

إذن، نام الأطفال العشرون، كل في غرفته الأميرية، أطفئت الأنوار في هذا الجناح من القصر، وأضيئت باشتعال مبهر في أجنحة أخرى، ترددت أصداء الموسيقى والغناء، وضحكات سعيدة هنا وهناك، وهذه المرأة الأندونسية، دقيقة الجسد، تغلق الآن آخر غرفة بعد أن أنامت آخر طفل، تتنهد وتجر قدميها صوب غرفتها؛ متجاهلة ترددات الموسيقى والضحكات والحركة الضاجة في مكان ما من القصر تعجز عن تحديده. في الجانب الآخر من القصر وفي محاولة فاشلة للهرب من الأصوات المبتهجة يحشر سائق سوداني عملاق الجسد في أذنيه سماعة موسيقى الموبايل، يركن العربة في المرآب ويجر قدميه صوب غرفته الصغيرة في إحدى الزوايا المعتمة. لكن، بصراحة، القصة بدأت قبل ثلاثة أشهر، حين بدأ السائق السوداني مهمته الجديدة في إيصال مربيات أطفال القصر الآسيويات في إجازاتهن الأسبوعية للتبضع، كن متشكلات بصورة مقعرة في المرآة الأمامية للسيارة الجي إم، ضئيلات وقصيرات وغائبات في سواد العباءات وأقنعة النقاب؛ لكنهن نساء، يحركن شيئا ما في صحراء الرجال؛ إلى أن قبض هذا الشيء بنفسه حين تعمدت إحداهن ترك رقم هاتف في مقعد ما، أيهن؟ لا يهم. اتصل. عربي مكسر، لكنه يصل. نداء، هذا واضح. اسكايب؟ نعم موجود. ادخل. فدخل.
جرجرا أقدامهما كل إلى غرفته. ستستحم هي. تترك شعرها المبلول ملتصقا على ظهرها العاري. نسكافي وقطعة بسكوت. مثل فراشة مذعورة تتحاوم حول جهاز اللابتوب. تتردد قليلا قبل أن تهبط على الفراش وتضغط زر التشغيل. هو، سينزع مباشرة عن جسده القميص والبنطلون ويرتمي على الفراش وأمامه اللابتوب. سيتلهى قليلا مع أصدقاء فيس بوك، وعينه تراقب إشارة الإسكايب، وحين تضيء؛ يجدها هناك عارية، نهداها الصغيران في وجهه، يدها اليسرى تعتصر حلمة أحدهما والأخرى تنزل بطيئا على الجسد الضئيل إلى أن تسبح متموجة في بئر فرجها. يتوشوشان، يتأوهان، يرتج جسدها، ترتعش ُسرتها، يتقلص جسده وينتفض، يقذف وينطفئ.
بينما تصارع هي وخزات الندم اليومية، يعيد هو تكرار السؤال: أيهن هي، يا ترى، أيهن؟

* تشكيل – بيكاسو

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً