الرئيسية / احدث التدوينات / ميتافيزيقيا الإنهاك: معركة القلب الثائر -2-

ميتافيزيقيا الإنهاك: معركة القلب الثائر -2-

39120df2c0c88ee54853724e12c62c7b

(أن تحب يعني أن تناضل، في ما وراء العزلة، مع كل ما يمكن أن ينعش وجودك في هذا العالم) – آلان باديو من كتاب مدح الحب.

إنهاك..إنهاك..إنهاك

لَا تَهُــزّني فَأَنَا مَلِيءٌ بِالدُّمُـــوعِ” – هِنري كَاليه

إمرأة ما….

رجل ما …..

يقعان على شق بعضيهما في جحيم الاختيارات، وبينهما فعل أصدق ما يتم تعريف صلابة العمر بمحتواه الصادق…

تبدأ الحكاية بارتكابهما لفعل الشجاعة والحياة….الحب

الحب..

قيامتهما أن كليهما لا يقوى على الحياة من غير وجود الآخر بجانبه أو على مقربة منه…

كلاهما مصممٌ على إقحام هواجسه في جب هواه، مخاوفه وتراحات صدره بجيب القلب الأوحد، لا تردد ولا قشعريرة تدعو للتراجع، الحب بينهما هو أقصى جراءة يصلها ارتداد نبضيهما، الحب لديهما قيمة ما لشيء لا قيمة لكل الأشياء إلا بوجوده، فغيابه يفسد الحياة ويسلب الروح، ولا يمكن تعريف الحياة إلا به و باخضراره وازدهاره، ولا يجب تخريس لسان التصريح بحقيقته لكليهما معاً.

امرأة ما ….قد تبدو جميلة ومذهلة////

رجل ما ….. لا يظهر على محياه الوسامة////

حبهما يكملهما ويزيدهما جمالاً ..

لن ترى إلا ما ترى… إنهاكٌ في إنهاكٌ

أنت كافر بالعشق ومذنبٌ ومصاب بالجرم المشهودِ على سارية القلب منكَ، أنت لقيط الحب وفتات الكلمات العذبة، أنت شبح الحرائق الحثيثة وإشتعالات الجراحات القديمة، أنت شريطة أن تفلح في إبداء أنكَ قادر على صناعة الحب وضخه في رحم الحياة، فلن تجد الحب ولن تشعر به قط.

العمر يغدو جميلاً بوجود الحب كغذاء الروح والقلب، الحبيب هو خلاصة صفاء الحياة وغاية راحتها، السرح لهاث الأغنيات واللحن عداؤها الأبدي، ولا يستقيم الإنهاك إلا بوجود الحب والحبيب.

إنهاك..إنهاك..إنهاك

قس على كيان الحب جلباب المحب، رداء الحبيبة هو كل المتاح من جحيم الأشواق ولهاث الآهات بحجم التعلق بالقلب المكون لخلية الكيان العاشق، المعشوقة كالنسمة هي خفيف اللمسة كداء العطر، الحبيبة هي غلاف الضلوع وكساء الصدر ونبض الفؤاد، الحبيب هو قماش الغطاء والستر ولحاف الأحلام لهما، ظنيّ، أن الحب (بلسانهما) هو كما واضحٌ بيننا، جدال البسيط ضد الكثير من الأنا، هو قسمة نصف الروح للروح الأخرى، هو لغم الضيق والذاكرة، هو ما قاسته عينايّ قبل لقاء المحبوب، يعكر صفو خيالك الآن، استدعاء شريّ لهياج الحبيب،عذابي يبدأ بحفنة أمنيات من بعد إمساك، حين يجد الرجل الحب الحقيقي، يغدو بلا عقل يفكر ولا حراك جسدي سوى ازدياد الهوس بالحبيبة، وحين تصادف المرأة الحب والعشق، تصير قنبلة متفجرة بالفتنة والجمال والحسن، المرأة حين تشعر بالحب تغدو قادرة عل العطاء بلا مقابل وعلى الحياة بفعل النبضات الشديدة لقلبها الكبير العاشق، لا تحسب مآلات الأشياء ولا تعير للخداع انتباهًا، الرجل شديد الحذر ومتوجسٌ بالخوف من الفشل، فالحب لدى المرأة يزيدها جمالاً ويجعلها آية من الإغراء، ويتغير حال الرجل فيميل للموسيقى والرقص والهندام الأنيق.

في الحب، فإن الحواجب تحجب المحجوب، وتجب ما قبله من السواد، فلا يستغيث ولا يستفيق، أسررت لها بإعلانيّ، لم تبالي قهقهة الروح منها ببكائيّ، إنه إنهاك السنونوات لغصن اليباب، يغثي الظهر ما يستفتي من وغثاء التباعد، دار بها فناء ترقوة الجرح القديم، إسترهاب العناق من بعد إسترغابك لهو حالة عدمية من انعدام وزن الظن بيّ، لا توجد قابلة تنتظر هنالك على الرصيف،

ساق الصديدِ من ساعة النداء بظهور الحب، صمغ الدعاء يصم آذان القلب بالوعد الجديدِ، هتافات كلسية ونداءات خزفية تتعاوى، قضاة التهديدِ يتوافدون على مندب الباب الأخير في الليلة الأخيرة ليشهدوا فناء المستور من دستوركَ ///

عدني بشيء واحد، أن لا تعدني بشيء ما سوى أن تظل على حبي باقياً حتى وإن مت قبلكَ يا حبيبي !

إنهاك..إنهاك..إنهاك

يقول ألان باديو: “وعلى الجملة، فإنّ كلّ فلسفة، وحتى وإن كانت مدعومة بمعارف علميّة معقّدة، وبآثار فنّية مجدِّدة، بسياسات ثوريّة، وبحالات حبّ كثيفة، إنّما هي ميتافيزيقا للسعادة، وإلاّ فهي لا تستحقّ أيّة لحظة عناء” وهو بهكذا قول إنّما يعلن انتماءه إلى تقليد فلسفي عريق في استشكال مسألة السعادة بوصفها موضوعًا فلسفيًّا أساسيًّا ولعلّها تكون هي السؤال الجوهريّ لكل فلسفة حقيقيّة.

وهو ما يجعلنا نتساءل هل للحب فلسفة أخرى وكيان مختلف عن ما بداخل قلوبنا؟ إذاً ما هو التعريف الحق للحب وفعله؟

تعريف يعتبر وفق عبارات الفارابي أنّ “السعادة هي أعظم الخيرات” وذلك ضمن تصوّر للمدينة الفاضلة التي “تحتاج إلى الفضائل النظريّة والأخلاقيّة”. وهذا التعريف يستأنف بشكل مغاير التعريف الأرسطي القديم بوصفه قائمًا على علاقة ضروريّة بين السعادة وتحصيل الحكمة. وهو ما يجعل لدى الفارابي “حصول المعقولات الأولى للإنسان هو استكماله الأوّل، وهذه المعقولات إنّما جُعِلت له ليستعملها في أن يصير إلى استكماله الأخير، وذلك هو السعادة”. أو لعله كان يقصد الحب!؟

إنهاك..إنهاك..إنهاك

التعريف الحديث ونجده بخاصّة في كتاب الأخلاق لسبينوزا 1632-1677) ) الذي يعتبر أنّ السعادة هي الغبطة التي ندركها حينما نتحرّر من عبوديّة الأهواء ومن الخرافات والأحكام المسبقة. وينطلق سبينوزا من تعريف للإنسان بوصفه “رغبة في ماهيته” لذلك فإنّ قدره الوحيد هو الفرحة بالوجود، وإنّ الإنسان عنده قادر على أن يكون سيّدا على رغباته عبر التفكير ولذلك يمكنه إدراك البهجة التي دونما تضحية بالرغبة بوسعها أن تصير إلى غبطة أي إلى فرح تامّ ودائم.

فهل من بعد هذا نستطيع أن نعتبر أن السعادة هي وجود الحب؟

ووفقًا لذلك يرسم باديو أفقًا فلسفيًّا جديدًا لاختراع مفاهيم وأحداث وحقائق جديدة. بحيث تكون الفلسفة قائمة على جملة من القواعد الفلسفيّة الطريفة من قبيل: “فلتبصر ما سوف يحدث، وليس فقط ما هو موجود” أو “اجعل من الكثرة التي هي أنت، جسدًا في جسد، مادّة لا تُمحى للحقيقة” أو أيضًا “إنّ الحقيقة هي ما لا متوقّع الأجساد”

للقلب حراك ذهني يستدل عليه بالبوح والدلال، للجسد هيستيريا تمجد إنهاك القلب بالحب، فلسفة التصريح بالحب هي صدمة الذات الجائعة للاحتواء

إنهاك..إنهاك..إنهاك

“وأُمكِنُ عاشقي من صحن خدي

وأعطي قبلتي من يشتهيها” – ولادة بنت المستكفي

نفور الحبيب من بعد إبداء الحب، يأتي بعد الخطأ والشر والطغيان، تتحرك المشاعر بالهمسات، وبعدم الاهتمام تموت هذه المشاعر وتتداعى ثم تزول.

(آه لو يدرك من يقرؤني

أن ما أكتبه في الحب

مكتوبٌ لتحرير الوطن) – نزار قباني

العاهرة ما صارت عاهرة إلا بشقائها في الحب

إنهاك..إنهاك..إنهاك

(الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني مليء بالجروح وما زلت أقف على قدمي) – كازانتزاكيس

 تضارب نبض المرء كضبابية غسق الشدة بمآزر فخ استدعاء ما لا يجدي من لصوص العشق، إنهاك الجسد يناهض عزلة الأشياء في فضاءات قاحلة من طبقات ما يتكرر من تجادل حركة الدوران لما حول الهدب وما يلف ستارات الفخ بالمآزر نفسه دوناً عن رأسمالية النبض

وقفتي حين بادلتني لهفة الحداد، بدت مقنعة وحالكة الصوت، لا ضوضاء ولا عناء وما يخفقها بالظهر بدا ساعتها قيد حراك الوقفة ذاتها محض إنهاك وهلاك عمر بالخراب، سأقضي على باب الفضاء الأخير فلا يدخل من بعدي محب أو عاشق.

وله أعز شذى اليافع من جزء قلبي حيث امتلكته، ولها أدفع بياقة قلبي أعطنها، أحوم حولها ملء شهوتيّ ونصب عينايّ كفها المحموم بالحب ودوافع السهر، منها يفوح الصندل فيتحرش بيّ حين يندمج الحب بالشغف، ملاحقة الهوى تبدأ بالبوح بشهقة الهوى وأنفاسه، بالوطيف من وضاءة التقرب إليه هذا الهوى

إنهاك..إنهاك..إنهاك

بالحب لا يوجد إذعان ولا استسلام مطلق، بل شراكة حقيقية تقوم على الصراحة ومنتهى ترادفية الشفافية.

(إن الحب على ركبتين راكعتين ليس حباً على الإطلاق بقدر علمي، حتى ولو أنه يبعث عاطفة داخلنا تجعلنا نذعن لمن نحب) – آلان باديو – من كتاب في مدح الحب

هل يخيفنا الاعتراف بالحب؟

هو إدمان السيطرة التامة على مجمل إطار الحياة، على قلب إنسان آخر وهو المحبوب، وتمتد سطوته لتشمل قلب المحب وأفعاله وقناعاته وخرافة تفكيره ومستوى نبضاته ولهاثه، هل نخشى الاعتراف بذلك ؟! فكرة أن إنسان ما يتملكنا بلا رابط دم أو قرابة أو صلة رحمية !؟ هل تصيبنا وجودية الحب والمحب والمحبوب بالذعر !؟ هل في الحب مسيطر وخاضع !؟ 

ما هي أحقية الدواعي لتشكل الحب ؟! من القلب ؟ أم هي جملة الحاجة للشراكة ؟! التكوين الاجتماعي والفلسفي للإنسان !؟

دواعي الوقوع بالحب كدواعي التصريح بحق الحب، لا منكور عنه ولا متجاهل به، ردود فعل المصرح له بالحب قد تختلف بالمفاجأة به وحجم الإساءة لقلب المحبوب قد يتعاظم وقد ينكمش، وتسوء الحالة بما يراه المحب تجاه محبوبه، أو قد تجعل منه الدرويش المحفوف بالسعادة، وقد تخلق المدمن المسرور بالطرب، ما أراه هو بلوغ اشتعال الحب منتهاه، لذا يقضي المحب بسرعة التعجل بالمشافهة بالحب، المحبوب له قاعدتين قبول المجاهرة بالحب كقناعة فالجة لحجاب سمائه، وشعور متبادل بالحميمية يخترق متارس كيانه، وذات نهمة جائعة وعطشى لألق المودة لمن صارحه بها، أو رفض التصريح بكلام الحب كأنه جريمة أو سباب كمن يعاكس شخص أو يهتف باسمه في جب طريق عام، كالجهر بالسوء وهو كعرف أخلاقي بمجتمع يحكم على الأنثى بأن لا تبادر بالمفاتحة بالحب، حتى لا يتم تعريفها بالفاسقة العاهرة.

والغالب في الاعتراف هو رد فعل التردد والحيرة وعدم القبول مع تصرفات تدل على المراوغة والهروب، سواء من المحبوب أو من تم التصريح له بالحب، وأحيانا يكن مقارباً لشعور الضيق في التنفس كالأزمة، المحبوب قد يحتاج لنجدة بجرعة من الأكسجين.

 قناعتي أن الاعتراف بالحب فضيلة حقة وسمو بفكر المشاركة في الحياة.

لم يخلق الإنسان ليعش وحيداً.

والاعتراف بالحب هو ملخص الإقرار بوجوب الحياة تحت كنف الحب وفي رعايته. لا حياة بلا حب.

 

 

 

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان