الرئيسية / احدث التدوينات / مُجرد قِطْعة…شوكُولاتـَة (3)

مُجرد قِطْعة…شوكُولاتـَة (3)

5dab129be7b604e396f77cc886cd0c6201d062e3

لا أعرف هل سأنجو حقًا أم أنني واهمٌ يتخيل النجاة ويبحث عنها وعندما لا يجدها يُقنع نفسه أنه وجدها..

كل الذي أعرفه أنني ما زلت موجودًا أمارس الحياة وأتابع ما يحدث في العالم من حولي ولكن بدون أن يدري عني العالم شيئًا !!

المفترض أن أعُرفكم بنفسي.. أولاً

ربما خالفت الأعراف والتقاليد المتبعة في الكتابة بلمحاتي الخاطفة المضطربة ما بين هنا وهناك..

فالتجربة التي عشتها كانت أقوى من طاقتي على التحمل, ولم أكن متأكدًا هل سأبقى سليمًا معافًا أم سيصيبني الوباء؟! لذا كان لزامًا عليّ أن أدون ملاحظاتي سريعًا بلا اتساق حتى لا أنسى شيئًا.. و فيما يبدو أنني لن أصاب بالمرض!! ربما لأحكي لكم وأكتب إليكم!!

ربما أراد الله أن أكون رسولاً أنقل للأجيال القادمة – إن وُجـِدت- رسالة عن عصر اندثرت فيه البشرية أو كادت تندثر..

لله في خلقه شئون!! ابتسمت لنفسي بسخرية وأنا أفكر!! قد أتفهم أن يبقى رجال العلم ورجال الدين أصحاء البدن والعقل والإدراك لحكمة لا يعلمها إلا هو.. ربما سيختفي الوباء فجأة كما بدأ فجأة وتعود الحضارة الإنسانية للانتعاش من جديد ويكون رجال الدين ورجال العلم هم أول من يُرسِي قواعدها من جديد على أساس سليم!! مع الباقين من البشر أو مَن يُشفَوْن لو قُدِر لهم الشفاء!!

أما أنا!!! فلنقل أنني ممن كانوا يُطلقون عليهم في القرن الماضي ضمير العالم.. أنا صَاحِب الْقَلَم!!

كاتب.. أديب.. صحفي.. أطلِقوا علّي ما شئتم من الأسماء فكلها تندرج تحت وصف واحد صاحب القلم!! ولمّـَا أنه لا يوجد الكثير لنكتب عنه فإن الحاجة للقلم لم تزد عن كتابة الأخبار الأحداث والتعليق عليها لمجرد العلم بالشيء, فلم يعد هناك ما يستدعي التصّدي له بالقلم!! أصبحت الوظيفة الوحيدة للقلم هي التدوين والتسجيل وليس إبداء الرأي!! أو طرح الأفكار و كشف الحقائق!!

هناك حالات شاذة بالطبع ولكنها بسيطة وقليلة, وكنت أنا أحد هذه الحالات!! كنت تواقًا دائمًا إلى مداعبة خيال القارئ من بين السطور!!

ربما لهذا لم أمرض بعد؟؟ وإلا فلماذا أبقى في هذا المكان الذي كان في الأسابيع القليلة مقر عملي وهو بالمناسبة أحد أكبر المؤسسات الصحفية والإعلامية في العالم  مجهز ومُعد لاستقبال الأخبار والأحداث على مدار اليوم بأحدث وسائل التكنولوجيا المعروفة منذ أكثر من مائة عام في مجال الاتصالات ونقل الأحداث ..أصاب الوباء كل العاملين هنا.. إلا أنا!! لأبقى شاهدًا على حقبة زمنية تستحق أن تُسَجل وتخلدها البشرية!!

لماذا أنا؟ لست عالمًا ولم أكن حتى على درجة قوية من الإيمان..أعترف!! لست بملحد!! نعم أؤمن بالله وأثق أنه خالق هذا الكون, ولكنني لست متدينًا أحيانًا أمارس طقوس عباداتي وأحيانا أكثر أتكاسل عن أداءها!! لم أرتكب من الذنوب ما يُعتبر من الموبقات, ولكنني لست ملاكًا بالقطع!!

تراودني نفسي بين حين وآخر لارتكاب المعصية حتى لو كانت مجرد الشعور بحقد دفين تجاه زميل ناجح أو صديق يُداخلني بعض من الغيرة تجاهه!! وهذا غريب!!!

غريب على عالمنا دعوني أقل لكم أن العصر الحالي يتميّز بشيئين لم يكن لصاحبِ الخيال الواسع أن يصل إليهما..

الشيء الأول أن مسألة الدين أصبحت من بديهيات الحياة بعد انتكاسات عديدة في القرن الماضي وأعني به القرن الواحد والعشرون في مسألة الدين بين اضطهاد ديني أو تعصب مذهبي عميق أو الحاد سافر وبعد صراعات عديدة قامت على أساس ديني طائفي في أنحاء الأرض!! فجأة تحول الأمر إلى ما يشبه التنفس لا يمكن أن يتوقف الإنسان عنه إلا بالموت!! اعتدلت وتوسطت طريقة ممارسة البشر لدينهم أو ديانتهم واختفى الصراع المذهبي بين أفراد الدين الواحد أو الصراعات بين أصحاب الأديان المختلفة!!

أما الشيء الثاني فهو زيادة قدرة وكفاءة الإنسان على العمل والإنتاج والإبداع.. في وقت ما من عصور الماضي البعيد كان يــُخشى من سيطرة الآلة على حياة البشر والتحول تدريجيا إلى الاستعانة والاستعاضة بها عنهم لأن كفاءتهم الإنتاجية تقل أو تتزايد تبعًا لحالتهم النفسية والمزاجية وكذا قدراتهم الذهنية؛ أما الآلات فلا تخطئ وإنتاجيتها لا ترتبط بمؤثر ما بل هي مبرمجة وثابتة لا تتغير!! ومن منطلق إنساني بحت توصل العلماء إلى طريقة تزيد من كفاءة الإنسان للعمل بصورة تماثل الآلة من حيث الكفاءة والقدرة والدقة.. وذلك بتعطيل كل مراكز الشعور والإحساس والذاكرة بالمخ إلا المراكز المسئولة عن التفكير والتحليل المنطقي والقدرة على الإنتاج دون الشعور بالتعب.. عن طرق ارتداء مايشبه الخوذة التي يضعها الإنسان على رأسه أثناء العمل فتتعطل كل مراكز الشعور المرتبطة بالعواطف البشرية.. يتحول الإنسان إلى ما يشبه الآلة يعمل بكفاءة عالية بلا أي مشاعر أو أحاسيس أخرى تشغله عن التفكير المحض في العمل والعمل فقط!!اختفى التواصل الإنساني خلال ساعات العمل فكل شخص يقوم بالإنتاج وأداء وظيفته فقط.. بالطبع زادت ساعات العمل الفعلية وحصيلة الإنتاج.. ولم تتجه البشرية لاستخدام الآلات التي أصبحت بلا قيمة أمام الإنسان!!

وأصبحت هذه الخوذة موجودة في كل مكان ولدى كل البشر على اختلاف أعمارهم.. بدءًا من طلاب المدارس ونهاية بحكام الدول!! الكل يرتديها وقت العمل ليحصل على التركيز المنشود والكفاءة المطلوبة!!

ولكن!!

هذه الحيادية السلبية.. غريبة جدا عندما أفكر في هذا الأمر أكاد أن أجزم أن الوباء الذي أصاب البشرية كان نتيجة طبيعية لتلك الحيادية الغريبة التي أصبح عليها البشر

نعم! السلام عمَّ أرجاء الأرض.. والهدوء النسبي أحاط بها وبسكانها وقلّ التوتر العالمي بين الدول والحكومات.. ولكن برتابة غريبة,فالتفاعل الإنساني والمشاعر الإنسانية المتناقضة لم تعد موجودة تناقصت تدريجيًا حتى….. حتى أصابنا الوباء!!

ارتعشت يداي وأنا أكتب!! فلقد توصلت لسِّر الوباء!!

إنه ليس وباء مفاجئ… بل هو مرض استشرى في أعماق نفوس البشر رويدا حتى تمكن منهم وأصبحوا كالآلات!! أصبحوا بلا حياة!!

أما أنا!! أعتقد أنني كنت مختلفًا لأن مشاعري الإنسانية الطبيعية لم تمت!! فأنا أمارس الحياة بكل انفعالاتها..وتوتراتها!! أمارسها بجنون وفرح وغضب وسعادة وهدوء!! مع أنني أيضا كنت أرتدي الخوذة أثناء العمل, أصارحكم بسر!! لم تكن تمنحني الأداء المطلوب, كنت أعمل بكفاءة وأنا لا أرتديها.. لذا عطلتها بحيث تبدو وكأنها تعمل بينما هي فقط مجرد شيء بلا قيمة أضعه على رأسي شأني شأن الجميع خوفًا من أن يتهموني بالجنون!!

يكفي أنني أوصف بالفعل بغريب الأطوَار!!

ما الغريب في؟! عن كل الناس الذين أحيا وسطهم..

لا أعرف!! لا شيء تحديدًا فأنا وُلِدت وعشت كالجميع ولم يكن ليُميزني شيء آخر أي شيء!!

إلا……….. إلا صفة واحدة

ألا وهي عشقي الغريب للشوكولاتة!!!

وهل عشق الشكولاتة غريب؟؟!!

نعم في زماني عشق الشكولاتة أو أي نوع من الطعام يعد أمرًا مستهجنًا.. الآن البشر يتناولون الطعام بمقاييس أخرى تختلف عن مقاييس الأجداد.. فكرة تفضيل نوع عن غيره في حد ذاتها لم تعد موجودة.. لأن البشر يتناولون طعامهم وفقًا لنظم معينة تختلف من شخص لآخر وفق حاجته وطبيعة جسمه.. و تكاد أن تتطابق في كل أنحاء الكرة الأرضية.. الغرض منها فقط تحقيق الاستفادة الصحية والغذائية من الطعام لدى البشر..

في القرن الماضي كان من ضمن الكوارث والأزمات العاصفة التي قضت على أرواح البشر أزمة الغذاء الكبرى التي فتكت بملايين الأرواح بعد انتشار المجاعات في أغلب أنحاء العالم.. إثر انتشار موجة جفاف وتصحر واسعة النطاق شملت أغلب أرجاء الكرة الأرضية ,, هذا الأمر حدث قُبَيل التوائم والتوافق الذي أصبح بين رجال الدين والعلم بفترة طويلة.. كانت هذه المجاعات هي آخر الكوارث التي أصابت الكرة الأرضية وبعد انتهائها أصبحت الأوضاع أكثر هدوءا واستقرارا حتى حدث الصراع بين رجال الدين والعلم والذي تم تلافيه بتبادل الخبرات عن طريق المادة الأثيرية..

أما مشكلة المجاعات ونقص الطعام تم حلها عن طريق تقسيم ناتج محاصيل الحبوب والخضروات والفاكهة وحتى الانتاج الحيواني من لحوم ودواجن وأسماك و منتجات الألبان ومشتقاتها وفق اتفاقية دولية تسري بنودها على سكان الأرض جميعهم!! لا أدعي أن الاتفاقية عادلة أو أنها كانت تعتمد على المساواة بين البشر.. ولكنني أعترف أن الجميع خرجوا منها راضين..

لا أعرف ولا أستطيع الاستيعاب وفق قراءاتي في التاريخ.. أعتقد أن البشر أصبحوا منطقيين بصورة مستفزة وغريبة!!

هل روضّوا مشاعرهم وانفعالاتهم مع الوقت!! أم أن حروب القرن الماضي وصراعاته وكوارثه جعلتهم بصدق يستوعبون الدرس ويحاولون الفهم!! يتعايشون في سلام كوحدة واحدة على الأقل تحت عنوان أنهم بشر..

ولكن!!

إذا كان هذا حقيقيا والحياة أصبحت أفضل.. لماذا حدث الوباء أو المرض .. أو هذا الشيء الذي لا نجد سبيلا لفهمه!! الحياة تبدو مثالية بلا صراعات ولا حروب ولا تعصب ولا عنف أو قمع أو اضطهاد!! ولكنها مع هذا حياة رتيبة لم تكن لتستهويني.. ياليتني أستطيع السفر عبر الزمن والعودة للماضي السحيق والحياة كما أبتغي!!

كلما فكرت أكثر كلما شعرت أنني كدت أن أصاب بالجنون؟؟

هل أنا الوحيد الذي لا تروقه الحياة بهذه الطريقة!! هل هناك من يشبهني!!

ابتسمت لنفسي وأنا أفكر.. هل هناك من تشبهني!! كنت أتمنى أن يخفق قلبي بالحب!! أو أن أجد من أمنحها قلبي بلا قيد أو شرط وأمتلك قلبها.. الحب لدي ليس مجرد وسيلة للزواج وإنجاب الأطفال وفق معايير وأسس محددة يتم دراستها والمزج بينها للحصول على أفضل النتائج..

أغلب البشر يتزاوجون عن طريق أبحاث ودراسات تجريها مكاتب الزواج التي تخصصت في الجمع بين الثنائيات لترتفع نسبة توافقها وقدرتها على خلق حياة بالزواج..

قلّما يبحث البعض عن الحب! أو يتحدثون عنه!! وهكذا بقيت بلا زواج رغم أنني قاربت منتصف الثلاثينات,,

بعيدًا عن الحب.. يكفيني أنني أعشق الشكولاتة وأبحث عنها دائما سواء أكانت بذاتها منتجًا خالصًا أو.. مُستخدمة في منتجاتٍ أخرى.. أتـذكر أنني في طفولتي كنت أرفض أي نوع من أنواع الحلويات المنتشرة بين الأطفال والتي استحدثت طريقة إنتاجها وتطورت عشرات المرات لتمنحهم البهجة والفائدة في ذات الوقت.. أما أنا فلم أكن أطلب سوى الشكولاتة حتى خشيت أمي أن أكون مريضا وعرضتني على طبيب أكد بعد فحوصاته.. أنني سليم ومعاف البدن صحيا..

وإن كان لدي قصور بسيط لا يدري الطبيب له سبباً يجعل مركز الإحساس بالسعادة والبهجة في المخ أكبر حجمًا وربما أعمق تأثيرًا لأن هذا الجزء يعتمد في عمله على طبيعة مواد كالأندروفينات والسيترونات التي تزيد من إحساسنا بالسعادة؛ وطالما أن حاجتي مضاعفة لهذه المواد.. التي تتزايد في الشيكولاتة.. لذا أنا في حالة طلب دائم لها لأحقق توازنًا صحيًا ونفسيًا..

مضت الحياة بي من نجاح لآخر أو من فشل لآخر.. كل الأشياء تتبدل وتتغير من حولي.. اختياراتي وأفكاري و طبيعة حكمي على الأمور… شيء واحد لم يتغير أو يتبدل!! بقي على حاله إن لم يكن في اطراد وازدياد.. عشقي للشيكولاتة التي شارفت على الانتهاء في مخبأي .. لا بد لي من الخروج إذا ومواجهة العالم!! مغامرة قد تكون غير محسوبة ولكن لابد من القيام بها.. فلن أبقى أسير هذه الجدران في انتظار أن يجد السادة المجتمعين الحل.. سأخرج وسأحاول أن أعود لمنزلي.. أجلب بعض الشكولاتة والملابس ومستلزماتي الشخصية.. إن بقائي هنا أفضل لأن أجهزة المتابعة المتصلة بالأقمار الصناعية والمحطات الأرض قمرية الخاصة ببث المعلومات.. هي وسيلتي الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.. وأعني الحياة الطبيعية فأنا لا أعرف هل بالفعل أنا محصن أم لا؟؟ سأعرف عندما أخرج!! سأنام الآن وأغادر غدا.. فلا داع للتأجيل!!

كان الصباح صافيًا مشرقًا وتبدو الشمس ساطعة تستقبلني بابتسامة واسعة وتخبرني بتصميم من خلف ابتسامتها، أليس من عجب! أن حياتكم أنتم البشر تتغير ما بين حين وآخر تتشكل وتتجمع لتتفكك وتعود لتتشكل من جديد!! وما زلت أنا موجودة كشاهد على حضارتكم ومتابع لانكساراتكم وانتصاراتكم.. لم أنفجر حسب أساطير المايا, ولم يبتلعني ذئب كالأساطير الصينية!! هممت بالرد على الشمس في حديثنا التخيلي هذا الذي استغرقني فلم أنتبه إلى أن الشمس حجبتها سحابة غيم أبت ألا تشارك الشمس صفحة السماء وتحجبها قليلا حتى تستطيع أن تطل بوجهها المكتنز الضاحك على الأرض بود!!! اعتذرت للسحابة عن استكمال الحديث على وعد بلقاء قريب!! وارتديت ملابسي على عجل.. ارتديت ملابس خفيفة وانتعلت حذاءا رياضيا لأسهل على نفسي الحركة..

كان هناك بوابتين رئيسيتين للمؤسسة إحداهما تطل على مبنى حكومي يشتمل على قسم شرطة ومستشفى صغير ومكاتب خدمية متنوعة الأغراض.. ولن أخرج من هذه البوابة.. فالحراسة والأمن هناك كثيفة.. وأنا لا أدري حقيقة ما حدث حتى الآن وآخر التطورات بل سأخرج من البوابة الأخرى التي إن أسعفني الحظ لن يتواجد عدد كبير من البشر حولها.. سأخرج منها وأتجه رأسا إلى النفق المستطيل الذي يتفرع إلى أنفاق أصغر تتجه إلى أشهر شوارع المدينة, لتعود وتلتقي ثانية بنقطة أخرى يقع لديها منزلي.. لو سارت الأمور جيدًا لاستغرق الأمر ساعة واحدة! شهيق.. زفير.. شهيق!! ها أنا ذا أتـنفس هواءًا يبدو نقيًا.. أو غير نقي لا يهم فأنا افتقدت الهواء أسابيع وأنا في المؤسسة.. قطعت الطريق إلى النفق بتمهل كاد أن يصبح هرولة.. كنت أريد متابعة البشر من حولي ولكن بطريقة لا تلفت الانتباه إلي!! لم يكن هناك الكثيرين كانت الحياة في الخارج تبدو كما لو كانت مثلما تركتها منذ ما يقرب من خمسة عشر يومًا.. من قابلتهم يسيرون في الشارع يبدو عليهم كما لو كانوا منومين مغناطيسياً أو مبرمجين.. إنهم في البداية!! ماداموا يسيرون ويتحركون فالوباء مازال في أطواره الأولى ولم يصل بعد لذروته..

فذروة الوباء سقوط المرء الذي يحمله بإعياء وتهافت والدخول فيما يشبه الغيبوبة.. وإن كان مفتوح العينين ولكن بلا حراك ولا وعي بما يحيط به..

لمحت وجهًا أو اثنين ربما أعرفهما وكدت أن اتجه إلى أحدهما وكان جارًا لي لألقي عليه السلام, ولكن!! للأسف مر من أمامي والتقت عينانا وأكمل طريقه وكأنني هواء!!

ها أنا ذا دخلت النفق الرخامي.. بالنفق ممر خاص للسيارات ولكنه مغلق منذ فترة طويلة, وجزء خاص بالمشاة يتسع لشخصان عرضيًا و يتميز بأنه متحرك.. يشبه السلم الكهربائي ولكن كخط مستقيم على سيور طولية ناعمة تعمل بالكهرباء وهو يتحرك آليًا بمجرد ملامسة الأقدام لأرضيته الرخامية المزودة بأجهزة استشعار للجسم البشري.. إن الأنفاق المستطيلة بهذا الشكل كانت وسيلة قديمة نوعًا ابتكرت منذ ما يقرب من خمسون عامًا لعلاج مشاكل المرور وساعات الذروة المزدحمة..

لم أخبركم في أي عام نحن!! نحن في عام2165 أي بالنصف الثاني من القرن الثاني والعشرين..

أنهيت النفق سريعًا ودخلت في النفق الفرعي الذي يتجه إلى منزلي.. وهو نفق أصغر وأقل حجمًا واتساعًا. جزء منه يُقطع بطريقة عادية وليس آلية..

مرة أخرى أنا بالخارج أتنفس الهواء وأشاهد السماء مباشرة لا خلف زجاج كما تعودت الأسابيع الماضية,,

ياالله!! ما هذا السكون؟؟ الحي الذي أسكنه يبدو كما لو كان مسكونًا بالأشباح!! صمت رهيب قطعه صوت شجار قطط الشارع.. الشيء الوحيد الذي لم يتغير من قرن لآخر … قطط الشارع وشجاراتها المعتادة!!

 ابتسمت لنفسي وأنا أدلف بهدوء لمنزلي… كم اشتقت إليك!!

منزلي!!! بيني وبين هذا المنزل وكل ركن فيه حكاية! وذكرى..

هذا المنزل اخترت بنفسي أثاثه وصممت ديكوره ولم أعتمد على متخصص في هذا الأمر..كما هو معتاد!! يحضُرني هنا أن أبلغكم أن منازل البشر تقريبا في أرجاء المعمورة أصبحت ذات شكل واحد وملامح واحدة وديكورات ثابتة لا تتغير من مكان لآخر.. وهذا أمر من الأمور التي ميزت عالمنا الغريب الذي أحيا فيه.. نعم هو غريب وليس جميلا من وجهة نظري.. يفتقد لمساتنا كبشر كل حسب طبيعته ووفقا لذاته..

كانت من مساوئ القرن الواحد والعشرين انتشار العشوائية والفوضى بين البشر فيما يكتبون أو يقرؤون أو يرتدون من ملابس.. اختيارات البشر في هذا العصر افتقدت الذوق تماما..الفن أصابه خراب الذوق على كل الأصعدة..مسرح وسينما وموسيقى ورسم!! المعارض الفنية سخيفة, وغير جميلة. وقاعات المسارح والسينما تحولت إلى مجرد قاعات ملآنة بمن يبحثون عن التسلية والسخرية من كل شيء ولو على حساب الجمال.. وانتشرت السطحية وضعفت قيمة التراث الإنساني المنقول من جيل لآخر.. اتفقت في هذا الدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء.. كانت انتكاسة حضارية بكل المقاييس..

أما بالنسبة لفنون العمارة فحدث ولاحرج.. لم يكن هناك تناسقًا جمالياً واحدًا في فنون العمارة والديكور.. فمهما زادت درجة فخامة المبنى أو المكان فهذا لم يمنع أن يكون بلا ذوق فني أو معماري على الإطلاق.. ويبدو أن البشرية أصبحت تميل إلى التطرف في كل شيء لا إلى الاعتدال..

وبالقرن الثاني والعشرين تطورت مجتمعاتنا نتيجة التطور التكنولوجي الحادث وأسلوب الحياة الجديد.. وأصبح الإبداع مقولبًا وجامدًا بلا روح وينقصه الشغف..

نعم اختفت العشوائية لتحل محلها النمطية والرتابة اللتان أصبحتا المعيار المتبع في البناء والتصميم..

لا أعرف!! أنا ضد العشوائية بالطبع.. ولكنني أيضًا ضد الرتابة!! أين روح التجديد.. أين لمستك الإضافية التي تجعل من هذا الركن أو ذاك دليلا على شخصيتك وسبيلاً لفهمك..

بالطبع لم يكن بيدي تغيير الشكل العام لمنازلنا التي قُسِمت مناطق تبعًا للأحياء التي تحتويها.. وأصبح لكل منطقة تصميم خاص بها يبدأ من عدد الوحدات المسموح ببنائها وألوانها وتصميمها الخارجي ونهاية لعدد الأشجار ونسب المساحات الخضراء موزعة طبقا لعدد السكان ومساحة المكان!! كل هذا بالطبع أمر لا غبار عليه لكن المشكلة أن يُجبر أصحاب الوحدات السكنية على الاختيار ما بين تصميمات ثابتة من مكان لآخر داخل منازلهم أيضًا..

هذا ما تمردت أنا عليه كعادتي.. ولم استعن بمصمم الديكور الموصى به لتجهيز منزلي بل بأحد أصدقائي من الفنانين وطلبت منه أن يجعل من المكان بطاقة تعريف وهوية لشخصيتي.. كما يراني.. ولكم أن تتخيلوا معي كيف يبدو المكان من الداخل.. فلقد بدا كلوح كبير من الشوكولاتة.. كل ركن فيه كما لو كان قطعة من هذا اللوح.. كل أثاث منزلي وحوائطه تدرجت ألوانهما ما بين لون الشكولاتة و الكاكاو بدرجات متفاوتة، وتوزعت الإضاءة بصورة مريحة في المكان.. البداية على يمين باب المنزل.. غرفة  معيشتي ومقاعدها الوثيرة  بلون الشكولاتة البيضاء والمكتبة الأنيقة في لون الكاكاو.. حتى البساط لونه كالبندق المقشور تتخلله تعريجات قاتمة اللون.. بالطبع انتثرت لوحات حائطية ما بين هنا وهناك تحمل رسومات للعصور الكلاسيكية في القرن الماضي.. يليها حجرة مكتبي  وهو من خشب الجوز ذو اللون البني القاتم.. ثم  مطبخي وكل ما فيه خليط من لون الشكولاتة السوداء والبيضاء والبنية.. الثلاجة والموقد ومنضدة الطعام .. ولأن صديقي عبقري فقد وزع الإضاءة بطريقة لم تجعل المكان مظلمًا أبدا على العكس فإن ظلال الألوان القاتمة توارت خلف انعكاسات الإضاءة.. وساهمت الحوائط العاجية اللون والستائر المائلة لللون الأبيض في إعطاء مساحة وهمية للمكان واتساع لا يصيب العين بالضيق.. وأخيرًا كانت حجرة نومي المرفق بها حمام صغير والتي تمازجت حوائطها بلون البندق وستائرها المنقوشة بلون الشكولاتة البيضاء والمزودة بسرير حائطي يفتح وقت النوم ويغلق باقي اليوم..

ابتسمت لنفسي وأنا أتخيل بعضكم..مستنكرًا وممتعضا من حالي ومن منزلي الذي يشبه الشوكولاتة!!

أعتقد أنني بهذه الإضافة قد بت مجنونًا بالفعل بالنسبة لكم, أو على الأقل غريب الأطوار..

وما الجديد فلقد تعودت على هذا!!

سريعًا لملمت بعض الأشياء الهامة التي أحتاجها بعض الملابس.. والمستلزمات الشخصية..ومخزون كافٍ من قطع الشوكولاتة.. بالإضافة إلى بعض الأسطوانات الموسيقية التي افتقدت سماعها..لم أستطع المغادرة قبل أن أحتسي فنجانا من القهوة بمنزلي.. أحسست أنه يشتاق لي كما أشتاقه وأن احتسائي لهذا الفنجان قد يعني له شيئًا ما!! نعم هو منزل!! مجرد منزل.. جماد!! بلا روح!!

هل هذا صحيح؟؟ هل الروح هي فقط ما يسكننا كبشر!! أم أنه هناك شيئًا آخر تحتويه الأشياء المادية يجعل لها كيانًا ما قد لا نفهمه ولا نستطيع وصفه ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود…

أفتقد البشر بكل سخافتهم من وجهة نظري!! على الأقل كنت أجد من أجادله, من يتهمني بالجنون أو يستغربني! أو على الأقل يزُم شفتيه ويغادر المكان مشفقًا علّي!!

أما الآن.. فأنا وحدي!! حتى منزلي سأغادره وأعود مختبئًا مترقبًا منتظرًا عودة العالم من حولي للحياة من جديد!!

توقفت عن تأملاتي حملت حقيبتي وألقيت نظرة سريعة على ارجاء المكان وفتحت باب المنزل لأغادره ولا أعلم إلى متى!! وهنا وجدتها أمامي تنتظر أمام الباب.. كما لو كانت تهم بطرقِه.. سمراء جميلة متألقة تضج بالحياة!! بدت كما لو كانت قادمة من عالم آخر بعينيها الواسعتين وشعرها المعقوص خلف ظهرها ونظارتها الصغيرة.. ليست مريضة بالتأكيد ولكن! بها شيء غريب لم أستوعبه أو أفهمه سريعًا وإن كنت لمسته وأحسست به..

تسمرت أمامها لثوان معدودة قبل أن أستفيق و اسألها من تكون؟؟

– ميرا اسمي “ميرا”.. وأخرجت بطاقة تعريف من حقيبة يدها.. ناولتها لي لأقرأ اسمها: ميرا آدم- عالمة طبيعيات- قسم الطاقة الحيوية – معامل رودهام

آه!! عالمة.. لذلك هي معافة وسليمة لم يصبها المرض!!

لكن لماذا تزورني أنا؟؟

ابتسمت لي وهي تقول ألن تدعوني للدخول؟؟

– بالطبع! أعتذر فأنا لم أعتد على استقبال زائرين بالفترة الماضي, في الحقيقة أنا لا أستقبل…

– نعم لا تستقبل ضيوفًا زائرين أصلاً.. أعلم!!

هل كنت أتحدث بصوت عال!! أعتقد أنني كنت أتحدث مع نفسي !! فكيف سمعتني وأجابت علّي هذه “الميرا” التي أتت من لامكان !

– لو تكرمت وسمحت لي بالدخول لفسرت لك الأمر كاملاً للمرة الثانية تجيب على أسئلتي بدون أن أنطق بها ! سمحت لها بالدخول مشدوهًا.. دخلت إلى المكان ولم تُبد هذا الاستغراب الذي تعودته من جميع الزائرين للمرة الأولى..

واختارت لنفسها مقعدا صغيرا وثيرًا من المقاعد الموجودة بغرفة المعيشة .. غاصت بداخله براحة كأنها تعودت الجلوس عليه لسنوات طوال..

هذه المرأة أصابتني بالدهشة !! وأنا الذي تعودت أن أدُهش من حولي بطباعي وشخصيتي الغريبة..

تبدو كما لو كانت صاحبة المكان !! فرضت على المكان سطوتها.. وتصرفت بطريقة دافئة !!  وكأن بينها وبين المكان انسجام طبيعي..

– سيد “نادر” هل لي أن أطلب شيئًا أتناوله؟؟

– بالطبع أعتذر  فلم أراع واجب الضيافة !!  “نادر” أتعرفين اسمي؟؟

ابتسمت بغموض محبب وهي تقول: أريد أن أتناول فنجانًا من الشكولاتة الساخنة.. لو كان ممكنــًا !!

شوكولاتة ساخنة !!

نعم بالطبع!! لحظة واحدة !

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .