الرئيسية / العدد الثلاثون / قراءات : نادي السيارات

قراءات : نادي السيارات

13903_503686966347717_1325590127_n

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لم أتصور يومًـا أن أقرأ لعلاء الأسواني, كان بيني  وبين الرجل نوع من الرفض الصامت بلا احتجاج, عالم علاء الأسواني في الرواية والذي بدأه بيعقوبيان عالم قبيح لا أحب أن أرتاده أو أن أعايشه.. هو يستطيع وصف هذا العالم بامتياز.. ويرسم باقتدار ملامح شخصيات تمارس القبح وتعيشه..القبح جزء من حياتنا بلا إنكار ولكن بعضنا يستطيع تحمله والبعض الآخر لا……لم اكن أمتلك القدرة على ارتياد هذا العالم ومعايشته..و على هذا الأساس أبعدت نفسي تماماً عن عالمه وامتنعت عن الاقتراب منه ولو من باب الفضول…

ولكن!!

ها أنا ذا فعلتها.. أهداني صديق عزيز روايته نادي السيارات.. كانت مفاجأة لي سأقرأ له أخيرًا.. صديقي والذي أثق في رأيه جدًا كقارئ بارع ومثقف من الطراز الأول.. قال لي ستعجبك.. وقال لي علاء الأسواني يعيش مع شخصياته, يتخيلها.. يشاركها الحياة تتناول معه القهوة .. تخرج معه تجلس بجواره في السيارة, تجاذبه أطراف الحديث..وهذا ما يجعله مدركًا تمامًا لماهية الشخصية وكيف ستكون!!

كي أكتب عن نادي السيارات عليّ أن أتناسى تماماً رواية علاء الأسواني الأولى.. “عمارة يعقوبيان” لأنني أكره هذه الرواية رغم ثقتي في أنها مكتوبة باحترافية.. إلا أنها صادمة لي على المستوى الشخصي!! وسأعود لهذه النقطة فيما بعد…

نادي السيارات كتبها الأسواني بعد توقف عن كتابة الرواية دام خمس سنوات.. تحكي عن المكان “نادي السيارات ” المصري وكيف تم إنشاؤه وماذا كان يمثل خلال فترة زمنية وحقبة هامة في تاريخ مصر..

المكان موجود بالفعل.. شخصيات القصة بعضها شخصيات حقيقية بالفعل وبعضها من وحي خيال الكاتب..والأحداث هي مزيج من أحداث تاريخية وقعت في مصر والنادي نفسه, وأحداث اجتماعية وحياتية لأبطال الرواية..

بدأ الأسواني الرواية بتمهيد غريب ومفاجئ.. حيث أن حياة بطلي الرواية ( كامل و صالحة عبد العزيز همام) اللذان رسم ملامحها من خلال فصول الرواية هما بشر بالفعل وزاراه قبل طباعة النسخة الأخيرة من الرواية.. كي يكتبا حياتهما كما كانت وليست من وجهة نظره هو.. قالا له مادام يكتب عنهما فليعرف حكايتيهما كما يروياها لا كما يرويها هو..تركا له الرواية من منظورهما محفوظة على اسطوانة ممغنطة وهذا ما شاركنا به الأسواني..ولم يكتفي الأسواني بهذا التمهيد الغريب الذي يبدو كما لو كان فصلا في رواية خيال علمي أو رواية تتحدث عن الظواهر الخارقة.. فكان الفصل الأول الذي يحكي قصة اختراع السيارة الأولى على يد كارل بنز, وكيف تقبل الناس فكرة وجود سيارة وكيف قامت زوجته بيرتا وغامرت بتجربة السيارة في رحلة طويلة مصطحبة ولديها لتصبح السيارة أمرًا واقعًا في العالم أجمع، وتدخل السيارة مصر ويتزايد عدد مقتنيها, ويتم إنشاء النادي في مصر ويديره المحتل الإنجليزي ويتم اختيار الخدم من النوبيين المصريين ومن أهل الصعيد..

ثم يبدأ الفصل الثاني بالحديث عن عبد العزيز همام  وعائلته.. ابن العائلة الصعيدي الذي تكالب عليه الزمان والديون بعد أن أفقده كرمه ثروته.. وغادر إلى القاهرة مصطحبًا أسرته ليعمل بالقاهرة بمخزن نادي السيارات الملكي..

وتتوالى الفصول ما بين فصل وآخر يتناوب الأسواني وصف حياة الأسرة ملقياً بالضوء في الوقت نفسه على حياة شخصيات أخرى لها دور محوري في الرواية.. وبالتالي الحياة في نادي السيارات نفسه.. والحياة في مصر بشكل عام خلال هذه الفترة..

كل هذا بالطبع من منظور الكاتب نفسه ومن خلال فصول أخرى كتبها بطلي القصة كامل وصالحة بنفسيهما..حيث يروي كلاهما جزء من الرواية وأحداثها بطريقته..

استغرقت أربعة أيام ونصف تقريبا لإنهاء قراءة الرواية.. لا أنكر أنني انبهرت بأسلوب الأسواني وقدرته على السرد.. يجيد رسم ملامح شخصياته, يجيد التعبير عن نفوسهم., أفكارهم طبائعهم, نقائصهم ومميزاتهم..يجذب انتباه القارئ ويكتسب تعاطفه مع شخصية ما وكراهيته لشخصية أخرى..

قادر هو أن يقتنص منك البسمة أو الضحكة تفاعلاً مع شخصية ما, كما هو قادر على اقتناص دموعك بخصوص شخصية أخرى.. وقادر أيضاً على أن يصيبك بالاشمئزاز من شخصية أخرى..وهذه مشكلتي الدائمة التي لا تزول مع علاء الأسواني.. هو كالممثل العبقري الذي يجيد تقمص الشخصية التي يؤديها فتكرهه لأنه شخص شرير يمارس الشر بسلاسة  وكأنه شيئًا طبيعي..والأسواني يتقمص الشخصيات التي يكتب عنها ، يظهر أقبح ما في النفس الإنسانية ويحلله بسهولة ..وتتفاوت نسبة إحساسك بالاشمئزاز من رواية لأخرى… لذلك قلت أن عمارة يعقوبيان كانت صادمة لي.. تصفحتها سريعاً ولم أستطع قراءتها.. ربما  تختلف درجة تأثري هذه الفترة عن وقت صدور الرواية لا أدري.. فالقبح أصبح أمرًا مألوفاً في عالمنا..

شخصيات تكرهها عندما تبدأ في القراءة وتتصاعد حدة كراهيتك لها مع الوقت..

– شخصية قاسم محمد قاسم “الكو”.. كبير الخدم الملكي.. شخصية منفرة قبيحة غاية القبح, كريه و سيء ومستبد.. شخصية معقدة مليئة بالعقد المكبوتة والنزعات السادية.. ناعم كالحية, ومتلون كالحرباء.. يداهن وينافق وينتظر اللحظة المناسبة ليلدغ لدغة الموت.. ونهايته بالموت نهاية منطقية وطبيعية.. وكأن موته كان بداية النهاية للعصر الملكي من خلال الرواية..

– حميد المشكوك في شذوذه كما أشاع عنه العاملين بالنادي.. أداة التعذيب الذي ينفذ عقاب “الكو ” على من يغضب عليهم من الخدم, شخصية منفرة أيضاً, أشبه بكتلة لينة هلامية من اللحم والشحم..  ولكنها كتلة من الشر المركب مع الضعف المقيت..

– جيمس رايت –وهو ليس رايت إطلاقاً- مدير نادي السيارات الإنجليزي البغيض الذي يكره المصريين وينظر لهم بتعال واحتقار ومع هذا يبقى في مصر ليعمل بها وينال الكثير من المال الذي لم يكن لينال ولو نصفه لو بقي في بلاده.. مستعد لبيع ابنته للملك المهم أن ينال من السلطة والمال ما يريد..

هناك شخصيات أخرى تشعرك بالتوتر والضيق وإن كانت شخصيات مألوفة قد تصادف منها الكثيرين في الحياة..

– سعيد الابن الأكبر لعائلة عبد العزيز همام.. فشل في أن يستكمل دراسته جامعياً . فصب جام غضبه على أخته صالحة  وأخيه كامل طيلة تواجده مع الأسرة وأخيراً لم يقم بواجبه تجاه الأسرة وتزوج من “فايقة” ابنة الجيران وغادر القاهرة ليحيا معها على طريقته وبما يناسبهما.. زوجان يصلحان لبعضهما البعض.. هي الأنثى التي تجيد استخدام أنوثتها للحصول على رجل وتكمل مشوار الحياة بسيطرتها عليه, وهو كائن منفرد يرغب في الفكاك من محيط الأسرة والتزاماتها.. يرغب في الحياة مع نفسه على طريقته..

– الشيف ركابي, والمتر شاكر والحاج يوسف طربوش… نماذج لشخصيات موجودة بكل المجتمعات شخصيات تبحث عن مصالحها فقط  ولا يهمها شيء آخر في سبيل هذا.. شخصيات لا يهمها الكرامة أو الإنسانية أو الحق.. طالما كان كل شيء يصب لمصلحتها الخاصة.. لا نستطيع لومهم.. الحياة أتعبتهم وأرهقتهم كثيرًا.. حتى وصلوا لما هم عليه من مكانة وإن كانت كاذبة زائفة.. لكنها حياتهم التي يرغبون الحفاظ عليها كما هي حتى وإن فقدوا كرامتهم وآدميتهم..

وهناك شخصيات لا تستطيع أن تحكم عليها حكماً مطلقاً.. تتفاوت درجة حكمك عليهم لأنهم ليسوا أشرارًا أو أخياراً لديهم بعض من هذا وبعض من ذاك.. يرتكبون أخطاءً وذنوبًا وآثام.. يخطئون الحكم على الأمور ويترددون بين الفعل ونقيضه..

مثل محمود عبد العزيز همام الأخ الأصغر في العائلة وفوزي ابن علي حمامة البقال وزوجته عائشة وأخ فايقة..

– محمود وفوزي شخصيتين غريبتين بالفعل وخاصة فوزي تصادقا في فترة المراهقة عربدا سوياً ما بين تدريبات اللياقة للحصول على جسم رياضي وعضلات مفتولة, ولعب الكرة في الشارع و المراهنة على تناول أكبر كمية من الطعام والتزويغ من المدرسة لالتقاط الفتيات والخروج معهن لحفلات السينما الصباحية لاقتناص القبلات ولحظات المتعة المسروقة .. إلى إقامة علاقات آثمة مع سيدات عجائز جفت بشرتهن ونضبت, ولم تجف رغبتهن في التمتع برحيق الحياة… أمر مقزز نعم!! وخاصة عندما وصف الأسواني علاقة فوزي بالعجوز المصرية سليلة إحدى عائلات تجار الذهب الشهيرة في مصر في ذلك الوقت..

فوزي لديه قدرة غير عادية على تبرير أكبر الأخطاء بل و صبغ الموبقات بصبغة شرعية إن لزم الأمر.. العقل المدبر والملاك الحارس – على اعتبار أنه ملاك وحارس أيضاً- لمحمود بطء الفهم قليل الخبرة..

لم أكره فوزي لأنه أحمق.. رغم كل أفعاله إلا أنه في الحقيقة مجرد أحمق.. نتاج طبيعي لزوجين كعلي حمامة وعائشة..أما محمود رغم أنه بطئ الفهم.. وارتكب الكثير من الأفعال المحرمة.. لكنه في لحظة فاصلة عاد وتاب عن ذنوبه.. صحيح أن الخوف كان رادعه, لكن أصله الطيب كان مؤثرًا في عودته تلك عن ارتكاب الخطيئة..

– عائشة والدة فوزي وفايقة.. هذه السيدة التي لا تتورع عن الحديث فيما يخص العلاقات الحميمة, ولا عن استخدام الألفاظ النابية.. سيدة بلا أي حياء تقريباً, أنثى تدرك جيدًا كيف تسيطر على رجلها بمكر الأنثى ودهائها على طريقتها.. من تتعامل مع زوج كعلي حمامة ليس عليها إلا أن تتعامل معه من منطلق وحيد وهو علاقة الجسد التي تجيد استخدامها كأداة للحصول على ما تريد.. علمت ابنتها فايقة جيدًا اللعبة لتتقنها وتستغل أنوثتها ببراعة لتصطاد لنفسها رجلا كسعيد همام..

ولكن! عائشة أفضل من ابنتها, هي مع ذلك تتمتع بشهامة بنت البلد لا تتأخر عن مساعدة أي من جيرانها وقت الحاجة.. تعرف الحق ولا تحيد عنه, كان موقفها من حكاية صالحة التي تزوجت من شريك أخيها سعيد في مصنع النسيج, واكتشفت بعد الزواج أنه رجل عنين.. عائشة أعلنت بصراحة أن ما لا ترضاه لابنتها لا ترضاه لصالحة وأن صالحة من حقها طلب الطلاق.. عكس ابنتها التي كانت تهتم فقط بمصلحتها هي وزوجها وشراكة المصنع.. كما كانت عائشة خير عون للعائلة في أزمتها عند اعتقال كامل في قضية سياسية..

لا تستطيع أن تكره عائشة بل على العكس تشعر بأنك تحبها على خجل.. تبتسم لجرأتها وقدرتها على التفوه بكل ما هو صريح.. هي شخصية لها فلسفة في الحياة قد تتفق معها أو لا تتفق لكنك في المجمل لا تملك إلا الإعجاب بها..

ومن الشخصيات الجميلة المسالمة التي تشعر أنك مرتاح وأنت تقرأ جانباً من حياتها وأفعالها بالرواية..

– بحر البارمان.. هذه الشخصية تمثل بالنسبة لي نموذج الرجل الذي صهرته الحياة, طوحته يمينا ويسارًا.. شقي وتعب حتى وصل لمكانته, ولكنه لم يفقد آدميته.. لم يفقد كرامته, لم يكن مثل باقي العاملين في النادي من الكبار الذين استراحوا للسكوت عن إهدار الكرامة, طالما الأمر لا يصيبهم بشيء.. يدفعون الإتاوة للكو وهي نصف البقشيش الذين يحصلون عليه صاغرين.. طالما يأمنون شره.. بحر كان يدفع مثلهم ولكنه كان محتفظاً في الوقت ذاته بكرامته.. تشعر أنه له هالة مختلفة.. نعم هو واحد من كل, ولكنه مازال منفردًا ومتفرداً.. في الوقت المناسب ظهرت شخصيته الحقيقية, شكل مع عبدون الشاب عضو الحزب الشيوعي ابن البواب الوسيم ممشوق القامة, الذي كان بمثابة نقطة تحول في أحوال العاملين بالنادي.. شكل بحر مع عبدون بداية فريق المقاومة لظلم الكو واستبداده.. ظل ثابتًا على رأيه حتى النهاية, حتى تم القبض عليه وترحيله مع عبدون وباقي العاملين الذين قرروا أن يقاوموا ظلم الكو.. ورغم ما فعله الكو مع هذه المجموعة عندما عاد أفرادها إلى النادي وهم يرتدون عباءات وطرح كالنساء أمعنا في مهانتهم وذلهم أمام الخدم في النادي.. إلا أنهم في النهاية أخذوا حقهم وحق كل من أهانهم الكو في حياته بعد أن اقتحموا غرفته وأظهروا له كم هو جبان رعديد.. أعلموه بأن هذه لحظة الانتقام وأطلقوا عليه رصاصة الرحمة سريعًا…

فاصل// تمنيت لو أطال الرجال تعذيب الكو… كنت أتمنى لو استمتعت أكثر بتعذيبه ردًا على كل ما فعله.. عقابهم له كان نبيلاً.. مجرد رصاصة في رأسه!!! لا أعرف هل هذا إحساس بالشر اعتراني ورغبة في التشفي!! ربما ولكنه في الحقيقة دليل صادق على نجاح الأسواني في رسم هذه الشخصية المقيتة للدرجة التي تجعل القارئ راغبًا في الانتقام منها..

– الأمير شامل سليل العائلة المالكة, الذي يساند شباب الثورة وأعضاء الحزب الشيوعي في الخفاء.. رئيس التنظيم الذي كان يكشف فساد الملك والذي انتمى إليه عبدون وكامل وأوديت فتال الفرنسية عشيقة جيمس مدير النادي..

شامل كان أميرًا رحيماً نموذج قد نصادفه كثيرًا في العائلات الملكية.. الثائر على النظم الملكية الراغب في العدل.. الرجل الذي لا تفتنه الثروة ولا السلطة ويبحث عن الحرية والعدل.. يظهر كما لو كان مجنونًا أو زير نساء لا يهتم إلا بملذاته, بينما في الحقيقة هو مناضل بداخله.. نعم هو نموذج مستهلك قد تجده في أي رواية, ولكنك هنا رغم أنك لا تشعر بالمفاجأة لاكتشاف حقيقته, إلا أنك تستمع بطريقته وأسلوبه في الحديث, وطريقته في إدارة التنظيم, و أسلوبه في التعامل مع كامل ومساعدته له في إيجاد شقة لميتسي حبيبته ابنة جيمس رايت مدير النادي, و حله لمشكلة صالحة عندما استخدم سلطته مع زوجها عبد البر المدمن العليل للحصول على الطلاق..

وهذه ميزة تحسب للأسواني.. كيف يفتنك بالشخصية التي تقرأ عنها حتى لو كانت شخصية عادية, تصبح بقلمه شخصية متميزة..

– ميتسي ابنة جيمس رايت الابنة التي تكره أباها وتحتقره لأنها تفهمه وتستوعب أنه أفاق و بلا ضمير.. تعشق مصر والشرق, وتجد ملاذها وسلواها في الهروب من واقع علاقتها بأبيها إلى التمثيل, تتقمص الشخصيات المتنوعة وتتحول مشاعرها بين الشيء ونقيضه.. قادرة على الابتسام أو البكاء وقتما تريد.. تصطنع البراءة في لحظة بعد أن كانت لعوبًا في اللحظة التي تسبقها وهذا ما أمن لها النجاة من معاشرة الملك, عندما أفهمته ببراءة أنها مريضة بمرض معدٍ في حلقها.. انتهى لقاءها بها ولم ينل منها ولو قبلة واحدة.. ترفض البقاء في كنف أبيها لمجرد أنه ينفق عليها وتترك المنزل وتلجأ لكامل كي يساعدها..كامل همام الذي كانت تتعلم العربية على يده بعد توصية الأمير شامل لدى أبيها, ليقعا كلاهما في الحب, ويتزوجا في النهاية رغم أن كامل معتقل..

– أم سعيد “رقية” زوجة عبد العزيز همام ووالدة سعيد وكامل وصالحة ومحمود.. نموذج بديع للمرأة الصعيدية التي تتحمل خطوب الحياة بصبر وجلد.. الأم الحنون التي تتحول وقت الحاجة  إلى امرأة قوية, تقف أمام مدير النادي مطالبة بمعاش لزوجها.. تعلن أنها ستنال حقها وحق أولادها باللجوء للقضاء.. مما يضطر رايت للرضوخ لمطالبها ومساعدتها بقبول حل وسط وهو تعيين كلا من كامل ومحمود في النادي بدلًا من أبيهما الذي مات كمدًا بعد أن صفعه حميد على وجهه أكثر من مرة تنفيذًا لأوامر الكو.. تقبلت مشاعر ابنها كامل لميتسي الفتاة الإنجليزية وفتحت لها قلبها كما استضافتها في دارها.. هي لم تتقبل فايقة لأن فايقة لم تكن إنسانة جيدة… لكنها استشعرت روح ميتسي الطيبة وأحبتها لهذا..

– الخواجة كومانوس اليوناني, رغم أن هذا الرجل لم يظهر كثيرًا في الرواية.. ولكنه نموذج اليوناني المصري, الخواجة كما يطلق عليه المصريون ولكنه في الحقيقة ابن البلد صاحب  القلب الطيب و الروح الجميلة.. هو مدير مخزن نادي السيارات ورئيس عبد العزيز همام عامل المخزن,, الذي تعامل مع الرجل كصديق وليس كعامل.. علاقتهما علاقة رأيناها كثيرُا في المجتمع المصري أيام كانت مصر بلدًا ثانيا لليونانيين والإيطاليين.. علاقة صداقة جذورها تمتد لعلاقة بين حضارتين كحضارتي مصر واليونان.. كان للرجل دورًا هاما في التوسط لدى مدير النادي لحل مشكلة معاش عبد العزيز بتعيين ولديه للعمل في النادي..اختار كامل للعمل معه في المخزن وعامله كما لو كان ابنا ًله..

أجمل شخصيتين في القصة هما كامل وصالحة أخته.. ليس لأنهما البطلين فقط.. بل لأن الأسواني منحهما بطولة أكبر من البطولة العادية التي منحها الكاتب لأبطال روايته, منحهما الحرية في التحدث وقص حكايتهما كما هي من وجهة نظريهما.. علاقة الحب بين الأخ وأخته علاقة جميلة وحنونة.. عقلية كامل وطبيعة صالحة كلتاهما تكاد أن تكون مثالية.. لا تملك إلا أن تحبهما وتتعاطف معهما و تعجب بمواقفهما.. كانا كزهرتين جميلتين داخل غابة من الأشجار المتشابكة..

وهكذا في إطار متكامل ربط الأسواني بين الشخصيات وبين المكان..  ليصل بنا إلى الفكرة التي يريدها..لم يكن الأمر مجرد إلقاء الضوء على حقبة ماضية من خلال استعراض جانب من المجتمع بشخصيات روايته.. بل كان يمد خيوط التشابك بين الماضي والحاضر..

الظلال تمتد.. حتى عصرنا هذا, طبيعة المصري وشخصيته التي تحمل الكثير من المتناقضات بداخلها.. نعم هناك نماذج كثيرة مثل النماذج التي أشار لها الأسواني في روايته.. عاملو النادي من الصعايدة وأهل النوبة, هم شريحة من المجتمع تستطيع بسهولة مطابقاتها بشريحة أخرى لأشخاص نلاقيهم في حياتنا المعاصرة,, خاصة بعد أحداث ثورة يناير ونفس ردود الفعل من بعض الناس عليها..البعض خلق رافضا الذل والمهانة… والبعض الآخر خلق فقط ليعيش ولو بلا كرامة..

أقرأ للأسواني واكتب عنه!!!! غريب لكنه ممتع.. أعترف وحتى تكتمل الصورة علي فقط للإشارة إلى ملاحظتين..

الأولى…

أكره القبح في عالم الأسواني.. رغم اعترافي بأنه واقع لا يمكن إنكاره لكنه يصيبني بالاشمئزاز.. خاصة عندما يصف أسوأ ما في النفس البشرية من انحطاط.. هو يجيد هذا ولكنه في نادي السيارات خرج من عباءة عمارة يعقوبيان إلى حد كبير..
القبح هنا.. قد يُحتمل..

الثانية…

الأسواني تحدث عن فاروق كملك ووصفه من خلال أحداث الرواية بنفس الطريقة التي اعتدنا عليها بعد ثورة 52, ملك  عابث مستهتر وماجن لا يهتم إلا بالنساء ونزواته الغرامية.. هو يحكي من منظور أبطال الرواية  وبإطلالة على التاريخ.. ولكن!! أي تاريخ؟؟؟ التاريخ الذي كتبه صناع ثورة 52 ليس هو التاريخ الحقيقي.. اختلط الزيف بالواقع كثيرًا.. ولأغراض تخدمهم فقط!!

أتفهم أنه كان يجب عليه وضع هذا التصور حتى يكتمل السياق الروائي للقصة وإسقاط الضوء على أحوال مصر من خلال وصف النادي وحياة الأفراد الذين ارتبطوا به..لكنه هكذا رسّخ لنفس الفكرة السخيفة عبث الملك ومجونه وانحلاله.. الفساد في عهد فاروق كان أمراً واقعاً, وانحلال الكثيرين ممن أحاطوا به كان حقيقياً.. وإنما فاروق لم يكن دائماً وعذرًا للتعبير ((ماكينة للجنس)) فقط..

لدي قناعة أن الحقيقة لها نصف غائب دائمًا.. لا توجد حقيقة مطلقة لوصف البشر.. أو حكي التاريخ.. بل نصف حقيقة وأنا لا أعتبر بأنصاف الحقائق أمرًا مسلماً به..

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً