نافذة مائلة

58f3f2f548f653699c95071f4875093b

 

   بدت لي هيئته من خلف نافذتي كسيدنا سليمان ، اتكاءته على العصا وظل العمامة الذي حجب ملامح وجهه وجلسته الوقورة كملك يشرف على ألوف من الجن الضجرة.

قبيل ساعة كنت آيباً من وقفة احتجاجية  لضحايا حرب الكويت ، تقافزت متخطيا برك المياه الراكدة وعندما حاذيت العجوز، رفعت صوتي بالتحية فرد علي بحشرجة غامضة وأشاح بوجهه بعيدًا عني ، كنت معتاداً على تقلباته الدائمة إلا أنني تمنيته اليوم معتدل المزاج ؛ فإحباط ما بعد الوقفة يدفعني لتجاذب أطراف الحديث معه. أكملت بقية الطريق هرولةً وأنا أحتمي بصحيفة أحملها من هجير الشمس اللاذع .

تحت الدش أغلقت عيني وتركت برودة الماء تدغدغني، وشعرت بها تحتضنني من الخلف، تحسست عنقي وانزلقت راحتاها لتتمشى على عشب صدري ونهداها العاريان ينضغطان على ظهري ، فتحت عيني فانسحب كل شيء إلا من برودة الماء .

أعددت كوبًا من القهوة وحملته إلى مكاني المفضل خلف نافذتي التي تكشف شارعنا بأكمله ؛ فمنزلي ذو الطابق اليتيم عند أخر ناصية إذا ما ولجت الشارع من الشرق ، وعند أوله إذا ما أتيت من الغرب. أخذت رشفة وأنا أضع الصحيفة على فخذيّ , ثم تناولت المرقاب ووضعته أمام عينيّ ، كان الشارع خالياً إلا من سيدنا سليمان المتلفح بثياب العجوز .

عندما ابتعت هذا المنزل لم أضف إليه إلا هذه النافذة ، طلبت من البناء اختلاق نافذة معتمة على الجدار المقابل للطريق وعلى أن تكون مائلة ! ، نظر إلي متعجباً إلا أنه رضخ لمشيئتي ، بينما زينت الحوائط الأخرى بصور شاطئ المسيلة وجزيرة فيلكا الخلابة وبيت السدو التراثي وأبراج الكويت الثلاثة ، هذه الغرفة هي  الوحيدة التي أشغلها … هنا أجد نفسي أقرب ما أكون إلى زوجتي التي تركتها هنالك تحت أنقاض المدينة الجامعية. من هنا أراقب الطريق، العالم من خلف نافذتي يبدو مختلفاً كليةً، من هنا يتعرى الجميع أمامي، قد أبدو مختلاً وأنا أقضي ساعات طوال أتلصص على جيراني، لكن ماذا ستفعل لو كنت تعاني من الوحدة مثلي ؟!.

قلبت الصحيفة فلم أجد خبراً ولو صغيراً عن وقفاتنا المتكررة، نرفع شعاراتنا وتبح أصواتنا وتغلي أدمغتنا كالمراجل تحت لهيب الشمس، ولا نجد صدى، المركبات تمرق من خلفنا مخلفة بعض النظرات الفضولية فقط، هي لعبة وقت كما قال العجوز: ينتظرونكم أن تكلوا وتملوا .

العجوز هو الوحيد الذي حاز على اهتمامي من كل أهل الحي، سكنت قبله بفترة وجيزة، ظهر ذات ليل شاتٍ ، كان راجلاً ويتلفح عباءة حجازية باهتة ويتوكأ على عصا أبنوسية، وتتبعه عربة نقل تُقل زوجه العجوز وابنه وبناته الثلاث وعدد من الأحفاد الصغار، في هدوء سكنوا منزلاً متهالكاً بين بنايتين فخمتين، وأخبرني فيما بعد أن صاحب البيت تعاطف مع حاله فمنحه السكنى إلى حين .

عدلت جلستي وأنا أتابع جاري الشاب الذي ظهر أمام منزله، مرتدياً بنطال جينز قصير حتى منتصف الساق وفانيلة ذات حمالات حمراء مبرزة عضلات لا بأس بها وخلف أذنه سيجار، راوح بين قدميه، فرك يديه، ونظر بحقد إلى العجوز، دعك أنفه الأفطس وأطلق سباباً بذيئاً قرأته على شفتيه ثم اختفى. وضعت المرقاب جانبًا وأنا أطلق ضحكة جذلة … العجوز لا يدري شيئاً لكنه حجر عثرة أمام نزوات الشاب وجارتنا الفاتنة. عندما وضعت طفلها الثاني ذهبت مهنئاً زوجها ذو الأنف الدقيق ولم أندهش عندما حملت الطفل وشاهدت أنفه الأفطس .

رفع العجوز رأسه نحو نافذتي، تراجعت بظهري على المقعد … نظراته هذه دوماً تربكني، بالرغم من أن الزجاج معتم ويستحيل أن يراني إلا أن نظراته تخترق العتمة وتخترقني وأشعر أنه يعلم أنني خلف النافذة أرقبه . عاد إلى جلسته الأولى، كان كما رأيته أول مرة … عباءة حجازية بالية والعصا وعمامة ضخمة تنتحب على ماض زاهر .

صرت خبيراً بتقلبات العجوز النفسية… يستلطفني أحياناً ويدعوني لمجالسته, وحيناً يطردني ككلب أجرب . ذات صفو ومن بين ضحكاته أخبرته أنني أعلم أنهم يمرون بضائقة مالية؛ فابنه على باب الله، وبناته لا يعملن وأحفاده موزعون على المدارس، أنهيت مقدمتي مبرزاً حزمة نقود… تبدلت ملامحه واحتقنت عيناه بالدم ، هز عصاته في وجهي ثم أشار إلى منزلي وزأر كأسد داسه الزمن :” إذهب ” …

انسحبت خجلاً ولم يحادثني لأسبوع وتعلمت دس النقود في يد ابنه .

ذات يوم سألني : ( هل تريد تعويضاً لمقتل زوجتك ؟ )

تلعثمت نافضًا الاتهام عني : ( زوجتي لا تعوض بمال، هنالك فقدت مدخراتي وفقدت حياتي بموت حبيبتي، أنا أساند الضحايا أمثالي، أريد اعترافًا منهم أنهم تركونا في العراء تتناوشنا الذئاب، أريد اعتذاراً رسمياً عن تقصيرهم بمواطنيهم بالمهجر )

قهقه العجوز 🙁 اعتذار ورسمي ! )

بان ضيقي بملامحي : ( لم السخرية ؟… يبدو أنني سأندم على مسامرتك )

هممت بالمغادرة عندما جذبني من يدي ثم ربت على فخذي مهدئاً : ( لا تكن غضوباً… إنني لا أسخر منك بل من حالنا جميعاً، وضعنا كنافذتك مائل، امنحني أذنيك وستنسى ترهات الاعتذار هذه )

شبك يديه على عصاته و وضع ذقنه عليهما ودون أن ينظر إلي تحدث :

( يا بني … خسائرك كانت بأرض غريبة ومن أناس أغراب قذفوا قنابلهم يمنة ويسرة دون تمييز، ماذا لو مقتلعوك من أرضك وقاتلوك هم بنو جلدتك ؟ في زمان ما لم أكن العجوز الذي تراه، كنت هنالك … بأرض الفردوس، زرعها أخضر لا يصفر وماؤها عذب صاف، وعشيرة طيبة مسالمة، كنت حينذاك كبيراً للبلدة، لم أكن خيال المآته الذي تراه الآن، أفقر رجالنا كان غنياً بحسابات هذا الزمان، الآن لا ضيف يزورني وذاك من لطف الله فلو جاء لن أجد ما أجود به عليه… اليوم أنا متعطل كشاب أخرق من مدينتكم، خرطومكم التي لا أجد بها راحة، مدينة تعيش لنفسها ولا تستقبل غريباً حتى تتلاعب بأخلاقه وماضيه، عندما ألقي السلام على هذه المأفونة _ وأشار إلى منزل جارتنا ذي الطوابق الثلاث والتي كانت من كبار كارهي أسرة العجوز لأنهم وببيتهم الطيني يقللون من ” برستيج ” الحي _  لا ترد وتشتم أحفادي كلما وجدتهم يلعبون في ظل منزلها .

آيييه… كنا في الجنة عندما داهمنا الشيطان ، نتصيد أخبار الحرب الدائرة في حذر ولكننا لم نحسب أن لهيبها سيمسنا… ذات صائفة والكل قائل أو يعمل في الحقول باغتونا _ تمخط في كم جلبابه _ باغتونا كضباع الجبل ، نهشونا كجيفة، وعندما وصلوا إلى داري لم أجد أنا الشيخ العجوز إلا عصاتي لمواجهتهم بها ، تقاذفوني ككرة، صفعوا زوجتي وربطوها كنعجة، وجروا ابنتي _ تساقطت دموعه بينما احتقن وجهي _ تناوب على اغتصابها خمسة منهم وأنا الأب مرمي كخرقة بالية مشجوج الرأس انتحب كالنساء، ابني الأكبر ظهر كبطل من رمل فأردوه بالرصاص دون أن يطرف لهم جفن، وقتها حمدت الله أن ابني الأخر بالحقل…

نشج وهو يحاول كبت أحزانه …

(… تركونا وليتهم لم يفعلوا، وجدت فمي مختلطاً بلعابي وملح دموعي ودمي، هل كان دم أسناني المخلوعة أم دماء ابنتي المسفوكة ؟! وهربنا تاركين كل شي خلفنا، وتشردت عشيرتي، جلهم ” باركسوني ” و” فرشنا “* بتشاد , وقلة في ” الجنينة ” و”الفاشر “… طوال فترة هروبنا ظلت ابنتي المذبوحة مكتئبة وترميني بنظرات لائمة كأنني أخطأت ولم أمت كأخيها الأكبر !. نزلنا عند قريب لنا ” بالأبيض ” وبعد يومين من إقامتنا وجدنا ابنتي تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد ابتلاعها الصبغة، وحتى وهى تتحشرج حدجتني بنظراتها اللائمة) .

_ أيها الغضوب هل ستنتظر اعتذارًا ؟!

وجدت دموعي تذرف بغزارة وتختلط بدموعه وأنا أعانقه.

تفقدت هاتفي وأنا أشدو بشعر طريف حفظته عن العجوز :

دا وادي ولد الدندول الله يبارك فيه…

كساني لي توب وجبه وسروال …

وعمة توتال وملف شنشال…

أنا ضنيب القط ، قبيل ما بعرف المشي حسا بقيت قدال **

 

أعدت الهاتف إلى الشحن وعدت إلى مقعدي أمام النافذة، وكنت الشاهد الوحيد… لم يحتج الأمر إلى دابة الأرض كما حدث مع سليمان، تكفلت الجاذبية بإسقاط العجوز على وجهه في بركة آسنة أمامه، اختلط بياض عمامته بسواد الطين، ألصقت وجهي بزجاج النافذة متسمراً من هول الموقف عندما توقفت دراجة نارية عليها شابان لم أرهما من قبل، أسرع أحدهما وانحنى على العجوز … فتش جيوبه وعندما لم يعثر على شيء اقتلع العصا من يده ثم ركله في بطنه في حنق وقفز خلف السائق … وفرا  .

* معسكري نزوح للنازحيين السودانيين بدولة تشاد

** شعر حلمنتيشي : وادي هو الشخص الكريم الذي كسى أحدهم لباساً فصار من “ضنيب القط” كناية عن الضعف إلى شخص يجيد المشي ويقدل في مشيته

عن محمد حسن النحات

mm
قاص من السودان