الرئيسية / العدد السادس عشر / نبوءة الرحيل في الليل !

نبوءة الرحيل في الليل !

sudansudansudansudan24

أبوبكر العوض :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

“أيها الراحل في الليل وحيدا .. ضائعا منفردا،

أمس زارتني بواكير الخريف ..

غسلتنى فى الثلوج .. وبإشراق المروج

أيها الراحل فى الليل وحيدا

حين زارتنى بواكير الخريف

كان طيفى جامدا وجبينى باردا

و سكوتى رابضا فوق البيوت الخشبية …!”

 

الرحيل في الليل ، كلمات صاغها المرحوم عبد الرحيم أبو ذكرى وتغنى بها الوطن الأفلاطوني مصطفى سيد أحمد !

وبين عمق الكلمة ونقاء الصوت كنت أنا الضائع في المنتصف من الليل كل يوم !

يراودني شعور بأن الليل يشهقني ليخرج جسدي مني ويقف بعيدا وهو يراقب أعضائي !

وبين بواكير الخريف وسكون الليل تكون الروح ماء وسنبلة وشقوق غيمة وموت يهدد المساء !

ربما اشعر بالقسوة كما شعر بها أبو ذكري وهو في غربته عن الروح ، أقول غربته عن روحه لان الروح التي كانت في جسده كانت هي الوطن !

في توارداتي البسيطة لم يكن أبو ذكري يفتقد قريته ، ﻷن من تشبع بطهر وقداسة القرية يضع في ذهنه وطنا واحد ، وطنا لا يعرف كيف يكون الانقسام أو الانفصال !

وهذه هي التعاسة التي أعيش فيها وأنا أعزي روحي بصوت المصطفى وكلمات أبو ذكري !

وأجدني افتقد ماريا في قصيدته :”صباحيه

كم تمنيت أن يتأخر القدر قليلا وأتأمل ماذا كان سيكتب أبو ذكري المعتق بحب الوطن وهو يبصر إليه ينقسم إلى نصفين في منتصف الليل ، ليأتي الصباح بنبأ فاجعة الانقسام ..!

 إنه الشاعر الدكتور / عبد الرحيم أبو ذكرى رحمه الله واسكنه فسيح جناته !

سيرة الشاعر:

هو عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم،ولد في تنقاسي السوق (منطقة دنقلا – شمالي مروى) – وتوفي في موسكو،عاش في السودان وفي عاصمة روسيا.

التحق بالمدرسة الأولية ثم المدرسة الوسطى بمدينة كوستي، والثانوية بمدرسة خورطقت، أرسل في بعثة للدراسة بالاتحاد السوفييتي فالتحق بجامعة الصداقة في موسكو.

حصل على درجة الماجستير في اللغة الروسية وآدابها، ودبلوم في الترجمة بين الروسية والعربية (1971)، ثم درجة الدكتوراه في فقه اللغة (1987) من أكاديمية العلوم بموسكو.

عمل سكرتيرًا للتحرير ومشرفًا على مجلة الثقافة (السودانية): 1976 – 1978، وعمل أستاذًا – غير متفرغ – بكلية الآداب – جامعة الخرطوم.

الإنتاج الشعري:

– له ديوان: «الرحيل في الليل» – جامعة الخرطوم 1973 (طبعة ثانية – عزة للنشر والتوزيع – الخرطوم 2001).

من شعراء الحداثة في حركة الشعر بالسودان، اتخذ من قصيدة التفعيلة شكلاً ومن الرمزية أسلوبًا لمعالجة قضايا العصر، يعد من شعراء الواقعية (دون مناقضة لأسلوبه الرمزي) لاهتمامه بمعاناة مجتمعه، ولما يلوّن به مشاهده وصوره فتبدو على جانب من القتامة والقسوة. في قصائده موقف حضاري ورؤية سياسية، ظلت شعرية صافية لم تفسدها الشعارات أو الهتافات.

 تكتنف العديد من الصعوبات دراسة هذا الشاعر المتفرد في حياته التي عاشها في عين العاصفة وفي شعره الذي ابتعد بمسافة كبيرة عن التيارات الشعرية الحديثة في السودان التي عادةً يصنف أفرادها في مجموعات تنتمي إلى فترات وعقود بعيدة يربط بينها القاموس المتشابه مهما اتسع وتحكم إبداعها أحداث تاريخية او سياسية.

  أبو ذكرى من شعراء الستينيات الذين اكتمل نضوجهم في السبعينيات من القرن الماضي. من ناحية أخرى فقد وصلنا النذر اليسير من شعره المتمثل في ديوانه الأول والأخير «الرحيل في الليل» وبعض أشعار ديوانه الثاني المخطوط « العصافير تتعلم الطيران» الذي أورده الأستاذ محمد أحمد يحيي محمد أحمد في كتابه الصادر أخيرا بعنوان: « أبو ذكرى أخذ زهور حياته ورحل». ورغم ان للبعض مآخذ وتحفظات على هذا الكتاب إلا أنه ينم عن جهد ضخم في رصد وتتبع حياة هذا الشاعر وقد انفق فيه من الجهد والسنوات وربما الحرج الكثير وربما نتناول هذا الكتاب المهم والمشكل في القريب العاجل، كما أن حياة الشاعر الفاجعة الملتبسة والغامضة جعلت بعض النقاد يميلون إلى استخلاص وتصيد الإشارات الدالة على وقائع حياته في شعره وهو منهج قديم ويشفي الغليل يعود إلى القرن التاسع عشر وقد استخلصه العقاد في كتابه عن ابن الرومي وتبعه بعض كتاب السيرة والنقاد.

عر فت أبا ذكرى معرفة شخصية وثيقة وربطت بيننا أواصر الصداقة الحميمة التي امتدت حتى وفاته المفاجئة وان فرقت بيننا الظروف أحيانا. كان ابو ذكرى قروياً وافداً من مدينة كوستي في النيل الأبيض يحمل كل طباع القروي من سذاجة مشوبة بالذكاء الحاد وثبات على الرأي وعناد جعله ينفر من كل ما لا يراه صواباً أو ما يرى فيه انحرافاً عن جادة الطريق أو نفاقاً ومدارة تنغص الحياة في المدن الكبيرة، ولم يكن يتزحزح قيد أنملة عن أحكامه الأدبية والفلسفية خاصة في الجانب الجمالي منها. وكان هذا هو الأهم، مرهف الوجدان فائق الحساسية الى درجة لا ترتقي إلى الوسواس ولكن ربما أسلمته إلى نوع من الإحباط لا يرى الآخرون مبرراً له وقد أسلمته هذه الحساسية إلى الانكفاء على الذات والتوجس وطلب الوحدة والانعزال غارقاً في عالمه الشعري. وهو هنا قريب من عالم التيجاني يوسف بشير.وبعيداً عن عالم الناس الذي لم يستطع التواؤم معه، ورغم ذلك فقد كان رجلاً محباً للناس وعلى الأخص البسطاء منهم، يرجو الخير لنفسه ولغيره وكان على بساطته صعب المأخذ وكان هذا هو ديدن شعره أيضاً فهو يمكن تصنيفه من السهل الممتنع الذي يعز على نظرائه من الشعراء في هذا المنحنى، يمت بصلة القربى الإبداعية للشاعر اللبناني المهجري ايليا ابو ماضي وكان مدمناً لقراءته وكان دائم الترديد لقصيدته الشهيرة التي ربما كانت تعكس بعض أحواله النفسية كالإحساس بالقهر والظلم:- فوق الجميزة سنجاب وأنا صياد وثاب لكن الصيد على مثلي محظور إذ أني عبد وفيما بعد عند ذهابه للاتحاد السوفيتي كانت تأسره الأشعار المتميزة بالدقة والبساطة لمبدعين كبار أمثال باسترناك وآنا اخماتوفا وآخرين. ولكن هذه البساطة الخادعة التي تميز بها شعر أبى ذكرى اكتسبت من الزمن بعداً آخر. بدأت أشعاره تتسم بعنف اللغة والحدة المعنوية وكأنه طفل يشعل الحرائق في حطب الحياة البائسة. وأصبحت كلماته في شعره الناضج كتلاً من النيران مهما كان موضوع قصيدته، وظني انه كان يريد الحفاظ على براءته الأولى في وجه الشر الذي يكتسح العالم هنا تصطدم المجرات وتسقط الأنجم مستنزلة اللعنات على بني البشر( انظر مسرحية شكسبير المأسوية التي يكثر فيها استحضار اللعنات السماوية والتوسل بالطبيعة العاصفة مثلاً ) وربما استكناه هذا العنف اللغوي البالغ السخونة هو المدخل الصحيح لقراءة شعره.

وفي هذه المرحلة يبدو جلياً اثر الشاعر الروسي المنتحر مايا كوفكي بلغته اللاهثة المتوترة على شاعرنا خاصة في قصيدته الطويلة « غيمة في بنطلون» التي قام بترجمتها ابو ذكرى ترجمة غاية في الدقة والإتقان كما هو دأبه في ترجمة الشعر الروسي. ومن المؤثرات الواضحة في شعر أبي ذكرى الشاعر اللبناني الكبير الملقب بالشاعر الرجيم تشبيهاً بالشاعر الفرنسي بودلير والياس ابو شبكة صاحب ديوان «افاعي الفردوس» وكنت أراه ملازماً لشاعرنا لمدة طويلة، وذلك في لغته المتشائمة ونبرته الهجائية.

 لابد ان نذكر بجانب غير خفي في شاعرنا واهتمامه بدراسة الشخصية السودانية التي كثر الحديث عنها في ذلك الحين، وكان رأيه سلبياً للغاية اذ اتهمها بالكسل والتواكل، وكان يرى أن المقدمات المسلم بها في وصف الشخصية السودانية مشكوك فيها فهي واضحة لكل منصف إضافة إلى الحماقة والمزاج المتقلب، وهذه النزعة الهجائية انعكست أيضاً على شعره وأصبحت سمة من السمات الفارقة في قصائد «الرحيل في الليل».

كان من اللازم ان نذكر هذه الخصائص في شخصيته وإبداعه لتكون مدخلنا إلى القراءة المنهجية لهذا الشاعر الذي ظل يغرد خارج السرب إلى أن اختطفته المنية وراح مأسوفاً عليه وعلى الوعد الكبير الذي بشرنا به.

 أهم قصائد الشاعر المرحوم  أبو ذكرى :

 صباحية

أضاء النورُ نافذتي صباح اليومْ

ودفَّقَ ماءَه النوريَّ والبلّور تحت البابْ

فلم يلمح بأروقتي سوى تنهيدةِ الأشواقْ

ويُبْصرني أحدِّق في الشبابيك التي تصحو

لأسمعَ ثرثراتِ الناس حول موائد الإفطارْ

هُنَيهتَها أحسُّ بلذَّةِ الدنيا

تغلغلُ في ضلوعي ثرَّةً حلوه

ومن فرحي

أكاد أعانق البَصَّات والإسفلتْ

وأسبحُ في اخضرارِ شجيرةٍ تنمو

أمامَ البيتْ

وأغرق في ندى عيني فتاةٍ حلوةِ العينينْ

 

دفء هذا المساء

هل صحيحٌ أنه بعد الشتاءْ

يسقط الدفء السماوات علينا مددا

هذا المساءْ

أبيضًا مؤتلقًا فوق الحديقهْ؟

ووراء الجسر تنهار العواميدُ الوحيدهْ؟

هل صحيحٌ أنه بعد الشبابيكِ

التي نُغْلقها دون الهواءْ

وكأن الشُّهْبَ والأفلاكَ في الموت تنامْ

وكأن العالم المرهَقَ زنزانةُ ثلجْ

تصبح اللحظة تنويرًا ورسمًا وبريقا

هل صحيحٌ أنه سوف يجيء المدُّ

بالرحّالة التَّعْبَى وروّاد البحارْ

وبهم تنهمرُ الراحةُ والنسرين في الأرض الصديقه

هل صحيحٌ، هل صحيحْ

ها أنا أنقل أنواريَ في الليلِ

وأرجو الصيفَ والنجماتِ والدنيا الغريقه

ها أنا أنتظر البعثَ هنا كلَّ مساءْ

هكذا كلَّ مساءْ

 

الرحيل في الليل

أيها الراحلُ في الليل وحيدا

ضائعًا منفردا

أمسِ زارتني بواكيرُ الخريفْ

غسَلتني بالثلوجْ

وبإشراقِ المروجْ

 أيها الراحلُ في الليل وحيدا

حين زارتني بواكيرُ الخريفْ

كان صيفي جامدا

وجبيني باردا

وسكوتي رابضًا فوق البيوت الخشبيّهْ

مُخفيًا حَيْرتَه في الشجرِ

وغروبِ الأنهرِ

وانحسار البَصَرِ

لوَّحتْ لي ساعةً حين انصرفنا

ساعةً حين انصرفنا

ثم عادت لي بواكيرُ الخريفْ:

حين عادتْ

وثب الريحُ على أشرعتي المنفعلهْ

سطعتْ شمسُ الفراديسِ على أرْوِقتي المنعزلهْ

ومضتْ تحضنني الشمسُ النديّهْ

والتي ما حضنتني

التي ما عانقتني

في الزمان الأولِ

في الزمانِ الغائبِ المرتحلِ

انتظرْني

فأنا أرحَل في الليل وحيدا

موغِلاً منفردا

في الدهاليزِ القصيّاتِ انتظرني

انتظرني في حفيفِ الأجنحهْ

وسماواتِ الطيور النازحهْ

وقتَ تنهدُّ المداراتُ

وتسودُّ سماءُ البارحه

انتظرني

 

فتاة في المطر

لما تحوَّلتْ إلى المكانْ

لما تحوَّلتْ إلى المكانْ

توهَّجَت فجاءةً منائرُ النّيونْ

وخارجَ المقهى توقَّف المطرْ

توقَّفَ الحديثْ

تجمَّد البرّاد في منتصفِ الطريق للأكوابْ

وفي السكونِ فَرْقَعَتْ زجاجةٌ على البلاطْ

فالتفت النادل ثم انسَمرتْ عيونُه

صبّةٌ! اللهُ لي!

الله يحفظُ العيونَ المزهرهْ

الله يحفظ الجدائلَ المنهمره

هذا الجمال والشباب – تبارك الذي خلقْ

وانحدرت في الليل هذه العيونْ

تَشقَّق السكونُ في المكانْ

فاندفع الروّاد تحت الخُصَلِ المسترسِله

واضطجعوا على عبير ثوبها المبتلِّ بالمطرْ

 ما هكذا ! ما هكذا!

تكاد تجرح العيونُ رمشها المحُتارْ

وشعرَها الذي أتى ليستريحَ

من بكاء الريح والأمطارْ

فوجِئَ أن الريح هاهنا وهاهنا الأمطارْ:

الريح في المقهى تهبُّ من كلِّ اتجاه

يحميك رافعُ السماءِ يا هذا السَّنا التَّيّاه

الله لكْ

هذي العيون عن تحسُّسِ الدفءِ

تكادُ تذهلكْ

 وانسحبتْ إلى المطرْ

فانهمرَ السكونْ

دقيقةً

والآنَ عاد للمقهى الضجيجُ والغُبارْ

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً