نجمة

4917872015_0ecffd3378

 بقلم: نوف عائض

كانت في السابعة من العمر عندما كانت تلقي بالمكنسة في حظيرة الغنم وتركض نحو ابن الجيران الذي يمر أمامها في طريقه من المدرسة.. أخرج لها دفتره سعيدا وفتحه على عجل،يسابق الصفحات حتى وقع على الصفحة المطلوبة، قرّبها من وجهها  ووجهه يفيض بشرا وسعادة وهو يقول: انظري، لقد كتب لي الأستاذ: يا بطل! وأعطاني هدية.. فأخذت الدفتر بين يديها وأخذت تتأمل الرسمة الصغيرة باللون الأحمر بينما انحنى يفتح حقيبته ويخرج بسكوتا ويقول:”انظري..أعطاني هذا البسكوت لأني كتبتُ كل الجمل صحيحة” وفتح كيس البسكوت وقسم لها نصفه،أخذته من يده وجلست على الأرض ووضعت الدفتر أمامها وقالت:”ما هذه الرسمة الجميلة؟” أجابها بسرعة وهو يشير بإصبعه على الحروف:”انظري، هنا مكتوب،أحسنت الكتابة يا بطل!” فأشارت بيدها نحو الرسم وقالت:”وهذا؟!” أجابها:”هذه نجمة..لأني بطل،رسم لي الأستاذ نجمة!” سألت في دهشة:”مثل النجوم التي في السماء؟!” أجابها باسما:”نعم” قالت له وهي تبتلع آخر لقمة من البسكوت:”أريد أن أرسم مثلها..أتعرف كيف رسمها؟!” أجابها:”سأعلمك كيف ترسمينها بعد أن تعرفي كل الحروف” وقام مبتعدا إلى منزله بينما ذهبت هي إلى الأغنام التي تركتها في الباحة تشرب الماء قبل أن تدخلها الحظيرة..

بعد أسبوع سمعته يناديها عند باب الحظيرة، كانت تساعد خروفا صغيرا ليرضع من أمه، فتركت الصغير وانطلقت نحوه، وجدته يقف أمام الباب يحمل في يده ورقة، قال لها:”أغمضي عينيك” بلا تردد أغمضت عينيها، قال لها:” والآن انظري..” وعندما فتحت عينيها وجدت أمامها ورقة مزينة بنجمتين كبيرتين ونجوم صغيرة ملونة حولها..فتحتْ فمها دهشة وسعادة والتقطتها من يده تتأملها وتلمسها.. قال لها:” هذه النجوم كلها لكِ..”أجابت وعينيها تنطق سعادة:”رائعة، ولكن كيف صنعتها؟!” أجابها:”بالمعجون..” متسائلة قالت:”معجون؟!” ضحك وقال:” معجون نستخدمه في المدرسة، سأحضر لكِ مثله في المرّة القادمة” أمسكت كفّه وقالت:”أريد أن أرسم مثلها..”هزّ رأسه موافقا:” سأعلّمكِ، ولكن ليس الآن..لأنّي سأذهب مع أبي إلى البستان” وابتعد قليلا ثم ألتفت نحوها وسأل:” هل حفظتي كل الحروف؟!” أجابته ضاحكة:”كلها..اسألني لتتأكد” مبتسما قال:” انظري إلى الورقة واقرئي ما كتبته لكِ” وركض مبتعدا.. تأملتْ الورقة،أشرق وجهها وهي ترى اسمها مكتوبا بحروف صغيرة قرب نجمة خضراء كبيرة..بحثت عن حروف أخرى فلم تجد، حملتْ ورقتها وعادت مسرعة نحو البيت،وفي الغرفة التي لا يكاد يدخلها أحد بحثت عن مخبأ، وضعت ورقتها في آخر دُرج في الدولاب،ثم عادت لتكمل عملها.

بعد صلاة العشاء تناهى إلى أسماعهم صراخ من بيت الجيران، حملتْ أمها الفانوس وخرجتْ. مشتْ هي خلفها تستطلع الأمر. وعلى ضوء الفانوس كانت ساحة بيت الجيران تقترب، وهناك رأت جارتهم جاثية  ملتاعة وهي تحتضن أحدا لم تتبينه..بحثت في الوجوه عن البطل، ففزع قلبها لغيابه..فاقتربت مسرعة من الجارة لترى الوجه الذي تقبّلهُ..كان هو..مبللا شاحبا كأن ابتسامة تطوف حول وجهه..وأمه تناديه دون أن يجيبها…تراجعتْ نحو أمها وسألتها بحروف متقطعة: “لِمَ لا يرد؟!” أجابتها :” مات!” فالتفتت إلى جارهم فوضع يدهُ على كتفها وقال:” وقع في البئر..” وانسلتْ دمعة على خده..سألته وجِلة:” مات مثل أبي؟!” فضغط على كتفها وهزّ رأسه…جفلتْ وركضت مسرعة نحو البيت، وكل النجوم التي في السماء تقع خلفها حتى اسودّت السماء..

بعد أسبوع من الحمى وقفتْ على قدميها. ذهبتْ تبحثُ عن الورقة في مخبئها،أخرجتها وتأملتْ في النجمة البيضاء الكبيرة التي تقترب من نجمتها الخضراء..وبقلمها الرصاص كتبت اسمه بخط كبير يلتف حولها ثم أعادت الورقة في مخبئها..

بعد عامين، وقفتْ مع أختيها وأمها تغلق أبواب البيت بإحكام..نظرت نحو الحظيرة الخالية، والطريق الموحش..وضمّت إلى صدرها حقيبتها التي تخبئ النجوم ومضت خلفهن..ابتعدت بهن سيارة خالها عن القرية، وكانت آخر تلويحة وداع ترفعها المقبرة التي تنبسط على المدخل مودّعة ومستقبلة..نظرتْ نحو القبور، وآلاف النجمات ارتفعت عن أحدها ملوّحة …

بعد سنين أحصاها الحزن سألتها صديقة وهي تنظر إلى لوحتها الفائزة في معرض الفنون السنوي:” في كل لوحة تضعين نجمة..أهذا حب الشهرة؟!” أجابتْ وهي تغالب الغصة: “إنها..إنها البطل؟!” سألتها باستغراب: “أي بطل؟!” نظرت بعيدا في زوايا قلبها وقالت:” الذي علّق النجوم وسقط!” قالت صديقتها حائرة: “لم أفهم..” سكتتْ هي وتعلّقت أهدابها في طيف ابتسامة شاحبة لوجه صغير مسجى بين يديّ أمه التي تناديه ولا يُجيب..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة