الرئيسية / احدث التدوينات / نجيب سرور ” نبي وسط الأوغاد‬”

نجيب سرور ” نبي وسط الأوغاد‬”

17840732

انتهيت أول أمس من قراءة رواية سرور للكاتب طلال فيصل.

الرواية عبارة عن سيرة ذاتية بقلم الذين عاشوا في حياة ( النجيب ).

بدأت الرواية  بشهادة ساشا، الزوجة الروسية المخلصة، المؤمنة بزوجها الفنان العبقري الصادق، آمنت به إلى الحد الذي رأت فيه أنه كان ( نبي وسط الأوغاد ).

ثم شهادة ثروت شقيق نجيب و الذي تربى معه في منزل واحد، فجاءت شهادته أنه مجرد كاتب موهوم، يرى الأشياء الصغيرة بعدسة مكبرة، فيخلق منها عالم كبير لا وجود له سوى في مخيلة عقل هذا الطفل الصغير نجيب.

أما زوجته الفنانة سميرة محسن ، رأته كاتب حاد مشتبك مريض بالوهم، وهو السبب في مرضه .

والأستاذ نجيب محفوظ، رآه كاتبًا مبدعًا، لكنه سلبي ومهزوم.

أربع شهادات متضاربة عن نجيب سرور، من هو نجيب إذن ؟ ولماذا تضارب الأقوال حوله ؟ هكذا وجدتني حائرة، واسأل نفسي هل بعدما حصلت على الرواية التي كنت أبحث عنها، تزيدني حيرة حول نجيب ؟

يحاول طلال بعد ذلك محاورة ابنه الأكبر شهدي، لكن الشرطة المصرية قبضت على الابن بعدما أسس موقعًا إلكترونيًا لحفظ تراث والده من مسرح وشعر.، وكأن نجيب مازال مطارد حتى وهو داخل قبره.

بعد ذلك يبحث عن نجيب من خلال الأطباء النفسيين الذين تلقى العلاج على أيديهم، لعله يقف على السبب الذي أودعه داخل مستشفى العباسية.

ثم كمال الفوال، الطبيب الذي حاول أن يرى الأمور بشكل وسطي، لا هو بالطبيب المتشدد الذي لا يعرف شيء سوى الطب، ولا هو بالطبيب الذي يحاول أن يثري عقله بمعارف مختلفة، فكان يرى نجيب أنه مريض بالفعل ولديه بعض الضلالات ويحتاج إلى علاج، كان كمال الفوال لا يستطيع البت في حالة نجيب سرور، محتار لكنه مائل إلى أنه كان شخص طبيعي ولكن ينتابه أحيانًا بعض الضلالات والتهيؤات، فيلزم معالجته لكنه يعود ليقول يصعب إعطاء رأي نهائي في حالة نجيب.

تضاربت الأقوال مرة ثانية، من جانب الأطباء،  لم يستطع أحد منهم أن يعرف من هو نجيب، وما هي حالته، ولماذا يتحدث بما يتحدث به، لماذا كتب ( الأميات )، ولماذا يصرخ قائلًا سيقتلون عبد الناصر قريبًا ؟
أجدني حائرة مرة ثانية، ظننت أنني لن أعرف شيئًا عن هذا النجيب غير المسرور أبدًا، إلى أن آتى الدكتور جلال الساعي، الذي لولا موهبته في الكتابة، ورغبته في تسجيل يومياته لما عرفت ملابسات حالة نجيب، ولما عرفت لماذا فعلوا معه كل الذي فعلوه ؟
  
دكتور جلال الساعي، الطبيب الأديب والمثقف الواعي، لذلك كان أول ما تعامل مع نجيب، الذي سمع به من قبل وكان معجب بكتاباته، تعامل معه على أنه كاتب موهوب أولًا، استمع إليه، واستوعب أخيرًا كلامه، فهم ما بين السطور، وما وراء الكلمات، أدرك أن نجيب أعقل منهم جميعًا، وأن وجوده هنا جريمة ارتكبتها الدولة في حقه.

نجيب لم يكن يومًا مجنونًا، بل ناصر وحاشيته هم من أصروا على إسكات أي صوت واعي، طردوه من الجامعة، ورفضوا تعيينه في وزارة الثقافة، طردوه من كل مكان، حتى أصبح فقيرًا معدمًا، ملابسه مهلهلة، ولم يكفهم ذلك فأودعوه في مستشفى العباسية للأمراض النفسية، وقالوا عنه مجنون، فرد هو قائلًا ( مجاذيب وفيها نجيب ).

استمع له جلال الساعي، وأوقف العلاج فورًا عنه، لأنه عرف أنه سليم تمامًا، و عرف أيضًا أنه لو كان نجيب مجنونًا فلن يكون أحد إذًا عاقلًا في هذا البلد.

خرج نجيب من المستشفى بمساعدة جلال الساعي، وأول ما ذهب كان ليرى أصدقاؤه ويسجل بينهم ( الأميات ) التي كتبها داخل جدران مستشفى العباسية.
قال جلال الساعي ( لو كان نجيب مجنونًا، فإدراكه الشديد بالواقع وكل ما يدور حوله ، وعبقريته في تحليل الأمور، تنفي عنه هذا المرض تمامًا).

أخيرًا وبعد شهادة الدكتور الراقي، جلال الساعي، والذي كان يدون يوميًا بعد عودته من المستشفى حواراته مع نجيب سرور، فنشر طلال فيصل هذه المذكرات كما كتبها الدكتور جلال، أخيرًا تأكدت أن نجيب لم يكن يومًا مجنونًا، وأنه كان العبقري النجيب، الذي لم تتحمله السلطة أبدًا، لأن الدولة كانت تقرأ في كلماته انكساراتها وضعفها وفاشيتها، لذلك كسرته الدولة وأودعته مستشفى العباسية وقالت أن نجيب جٌن، ثم محت أعماله بعدم نشرها والتكتم عليها، بل وحبس ابنه بعد ذلك عندما نشرها.

شكرًا لطلال فيصل، شكرا جدا.

 

عن لمياء يسري

mm
كاتبة مصرية ليسانس أداب ،تخصص الدراسات الكلاسيكية مهتمة بالفلسفة والتاريخ والأدب