الرئيسية / العدد الرابع والثلاثون / نوح القيوطي وضوء القمر (3)

نوح القيوطي وضوء القمر (3)

d8b9d8a8d98ad8b1

عبير عواد :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“نوح” القيوطي.. رجل الأســرار

روح مغامرة.. قلب لا يخشى الخطر ونفس فقدت الاهتمام بالعادي والمألوف بين البشر..

القيوط.. هو ذئب البراري (*)

أما “نوح”.. شاب في منتصف العشرينات من العمر، قد يراه البعض وسيمًا بينما البعض الآخر سيستغرب ملامحه المتناقضة, بين جسد طويل نحيف وإن كان قوي البنيان ووجه وسيم وسامة غير عادية وإن كانت وسامة مشوبة بالحزن، رجل من طراز خاص.. عاش حياة محفوفة بالمخاطر .. حياة لم يهتم يوماً وهو يحياها حد الثمالة إلا بما يغترفه من متعة خالصة.. ولكنها متعة بريئة.. متعة تجعل للحياة لذة ونشوة لا تقارنا ولا تقترنا بالخطأ كما تعودنا ..

كلما ذكرت المتعة ذكر الخطأ وكأن الاستمتاع لا يتأتى إلا بما هو محرم أو غير متاح.. ربما تكن فلسفة, لم تجد من يغبها ويطرح ما يناقضها, ولكن “نوح” نجح في خلق فلسفة مغايرة بغير أن يدعي أنها فلسفة.. فلم تكن مقاييس ومعايير البشر تعني إليه, إلا ما يخصهم..

أما هو!!! كانت له مقاييسه ومعاييره الخاصة.. يحكم على كل شيء بما يتوافق معه هو شخصيته وحياته, وكل ما عاشه.. الشيء الوحيد الذي كان يصنع فارقـــًا بالنسبة له.. احترامه لنفسه وكبريائه كإنسان!! كان يمنعه من اقتراف ما يندم عليه!! لم يرتكب ما يعرضه أمام نفسه للمساءلة قبل أن يضعه أمام مساءلة من حوله أو حتى وقوفه أمام الله موقف المذنب الخاطئ..

رغم أن “نوح”لم يكن بالشخص المتدين الملتزم بأداء العبادات.. بل كان إيمانه إيمانًا من نوع خاص.. إيمان لدرجة اليقين بإنسانيته.. بالكون والطبيعة من حوله.. بالعبادة التي تأتى من لحظات تأمل, كل ما يحيط بنا من دقائق صغيرة ومكونات لهذا الكون الشاسع حولنا, والذي يعلن كل لحظة عن وجود اله.. عن وجود الله..

كان يعبد الله على طريقته كإنسان قبل كل شيء, كيف وصل “نوح” لقناعته هذه وكيف أصبح هكذا؟؟ هي نقطة التحول التي تأتينا حين غفلة أو بعد حادث صادم, يغير مجرى حياتنا نهائياً..

وهذا ما حدث ل “نوح”.. وهو سليل العائلة عريقة الأصل, وإن لم تكن واسعة الثراء.. ولكنه استطاع بعبقريته كصاحب عمل خاص أن يحول ما تملكه العائلة إلى ثروة أضعاف ما ورث عن أبيه..رغم أنه بدأ صغير السن لم يتم التاسعة عشر من عمره بعد!! كان “نوح”أريباً وذكياً بالقدر الكافي الذي مكنه من إجادة ما يقوم به.. نجح في خلال سنوات قليلة في تحقيق نجاحات كبيرة في المجال الذي اختاره.. حيث امتلكت الأسرة مصانع شهيرة لإنتاج أنواع نادرة من الرخام مستخرجة من مناجم كان لهم حق التنقيب عنها (*).. واستطاع “نوح”بدراسته لأهم أنواع الرخام من حيث الطلب والإنتاج وأماكن توافره تقنين ما ينتج وتصنيفه فيما يتزايد عليه الطلب بغض النظر عن السلبيات التي تتعرض لها هذه الصناعة و الضغوطات منذ زمن طويل على مستوى العالم أجمع بسبب الاتجاه للرخام الصناعي لأنه أرخص وأوفر استخراجيا وإنتاجياً و بالتالي فإن الطلب على إنتاج الرخام الطبيعي يمتاز بالندرة أو لنقل بالخصوصية.. طلبات لفنادق فئة السبعة نجوم.. قصور.. مسارح أو قاعات فنون أو دور عرض مميزة..

قدم “نوح”عروضًا لا يسهل رفضها.. فعندما تحصل أنت كعميل على سلعة أصلية وبسعر ينافس المقلدة بالتأكيد ستشتري الأصلية.. وهذا ما فعله “نوح”حيث قام بتخفيض أسعار الرخام الطبيعي بما يعادل تكلفة إنتاج وبيع الرخام الصناعي فزاد الطلب على الطبيعي رغم هامش الربح البسيط.. واتفق أيضاً مع كبار التجار والموزعين على هذه الأسعار… نظريته ربما أنقذت العديد من أصحاب المصانع أو مراكز التوزيع من الإفلاس.. رغم المعوقات التي واجهته نظرًا لسطوة أصحاب مصانع الرخام الصناعي.. إلا أن دبلوماسية “نوح”ساهمت في إحداث التراضي المشوب بقبول اضطراري بين كلا الطرفين..

وهكذا مضت حياة “نوح”ما بين العمل.. وتحقيق المتعة التي ينشدها لسلامه الداخلي.. رحلات السفاري.. تسلق الجبال.. الصيد.. و تربية أخته الصغيرة الوحيد ““نجوان”” كانت بمثابة ابنة لا أخت.. رغم أن الفارق العمري بينهما لم يتجاوز السنوات العشر.. إلا أن “نوح”اعتبرها ابنته الأولى.. كانت ““نجوان”” متعلقة بأخيها الأكبر وتقلده في كل شيء.. شبت عن الطوق وهي تشاركه رحلات الصيد والمغامرة والسفاري.. وكان هو سعيدًا وفخورًا بها, للحد الذي كان يصرح عنده دائمًا بأن ““نجوان”” هي بالفعل الابنة التي ينشدها ويحلم بها وأنه لو تزوج ورُزِق بابنة لن تكون أفضل مما هي عليه..

تدأب الحياة سعيًا نحو هدفها الذي نعيشها من خلاله.. تتبادل معنا الأخذ والرد .. الشد والجذب!! هي أدوار نؤديها.. والحياة تلعب دائمًا دور البطولة المطلقة..تصر على منحنا أشياء.. وسلبنا أشياء أخرى!! لكنها أحيانًا تسلبنا أغلى أو أعز ما نملك.. وتترك لنا ما لو فقدناه لم نشعر بنفس التأثير لو فقدنا غيره..تختبر صبرنا واحتياجنا للشيء فتحرمنا منه.. تترك لنا لوعة الألم والحسرة, وتبتسم ابتسامة ساخرة وهي تلوح لنا ساعية إلى تحقيق أهدافها..

ماتت ““نجوان”” أو بالأحرى قتلت.. في رحلة سفاري في الوادي مع الجامعة التي تدرس فيها..وقيل أن من قتلها الذئب المصري أو ابن آوى المصري (*) قيل أنه عضها ونهشها عندما ضلت الطريق داخل الوادي إلى بعض المغارات والدهاليز الخفية في الجبال..

لم يكن الأمر سهلاً على “نوح”.. فلقد فقد الفرد الوحيد الباقي في عائلته بعد وفاة والده ووالدته.. كما فقد الأخت والابنة بموت “نجوان”..ومن سخرية القدر.. أو لنقل من خطوب الأيام أن يفقدها على يد الحيوانات التي يدافع عنها.. فالذئب المصري من الحيوانات المهددة بالانقراض للأسف وأعداده ربما لا تتجاوز المائة..

كان غريبًا أن يرتكب الذئب هذه الفعلة.. وقبل أن تتسرعوا في الحكم عليكم أن تعلموا تماماً أن الذئب كما كان بريـئــًا من دم ابن يعقوب كان بريئـــًا أيضًا من دم نجوان (*)..

“نوح” كان يعلم هذا تماماً ويُصِر عليه..فهو أدرى الناس بأن الذئب المصري لا يقتل.. بل هو يخشى الإنسان ولا يحبه.. كانت إحدى هوايات نوح الاهتمام بالبيئة والحيوانات التي توشك على الانقراض.. كان يهتم لأجل الحيوانات التي توشك على الانقراض وتدفع ثمن أخطاء البشر في حقها وحق الحياة..

استغرب عندما أصر رجال البحث الجنائي.. أن الجثة نهشت بواسطة حيوان يشبه الذئب طبقًا لآثار العض والنهش.. وعندما أخبرهم شكه في أن يكون كلبــًا مسعورًا لا ذئبًا من ذئاب الوادي..!! نظروا إليه كما لو كان مجنونًا فقد أخته الوحيدة ويهتم ببراءة الذئب.. كانوا سيجرون حملة موسعة للقبض على الذئب وإعدامه, ولكن نوح ناشدهم ألا يفعلوا.. وقال أنه يكفيه وفاة أخته, ولا يريد أن تزهق حياة أخرى بلا فرية أو ذنب!!

ولم يكن هناك فائدة من الشرح والتفسير, فحتى أفراد عائلة نوح و نجوان , والأصدقاء كلهم استنكروا موقفه الذي كان يصر من خلاله على براءة الذئب من دم الفتاة.. قال أحد أعمامه له: ما بك يا نوح!! هل أفقدتك الصدمة عقلك؟؟ كل ما تفكر فيه الذئب أليست هذه أختك!! سحقا للذئب وليذهب للجحيم.

تركهم نوح ومضى.. وانعزل لفترة طويلة عن كل شيء.. بقي بعيدًا مع نفسه وأفكاره وأوهامه…بعد عزلة طويلة دامت لشهور ثلاث.. عاد نوح بقرار غريب..سيترك إدارة المصانع والمناجم لأحد الأعمام وابنيه.. وفق ترتيب قانوني مدبج تدبيجًا سليمًا بما يضمن حقوق الجميع..وسوف يغادر ليعيش في الصحراء..بعيدًا عن العمران والبشر..

برر موقفه.. بأنه لم يعد ليطيق البقاء في منزل العائلة بلا نجوان.. ولم يعد يهتم بالعمل أو سواه…يحتاج لعزلة مع نفسه..وعليه اتجه إلى صحراء الواحة التي تسكنها “ضوء القمر” بعد أن اشترى مزرعة صغيرة متخامة لمزرعة والدها ..ليبدأ بعيدًا من جديد.. ولتبدأ فصول الحكاية بلقاء… وأسرار تتبدى و تنكشف!!

وهذا الملحق

(*) القيوط Coyote الوعوع أو ذئب البراري أو الذئب البري أو ذئب السهول أو ذئب البوادي أو ذئب المروج أوالذئب الواوي حيوان يعرف بعوائه الغريب المخيف الذي يسمع عادة في فترة المساء،والليل أو في الصباح الباكر يعيش في السهول المفتوحة في شمال أمريكا من كوستريكا إلى آلاسكا، و كندا والمكسيك يتباين لون الفراء من البني إلى الأصفر مائلاً إلى الرمادي في الأجزاء العلوية، أبيضاً عند العنق والبطن. و تكون الأقدام الأمامية، أطراف الرأس ومقدمته بنية محمرة. ويعتمد اللون على نوع القيوط ومكان سكنه إذ أن القيوط التي تعيش في الجبال تكون أغمق من التي تعيش في الصحراء حيث تميل هذه إلى اللون الأخضر, و يعتمد حجم الأذن على حجم الرأس، وتكون الأقدام صغيرة بالنسبة إلى الجسم. وقد لاحظ بعض العلماء أن حجم الدماغ يقترب من حجم دماغ الكلب أكثر من حجم دماغ الذئب. وذئب القيوط لا يخرج للصيد في جماعة إنما منفرداً أو في أزواج من نوعه، أما في الجماعة تقوم الآباء والأمهات بتعليم صغارها فن الصيد. وتتغذى القيوط على الأرانب البرية والقوارض الصغيرة وصغار الأيائل, والقيوط ذئب نشيط وأكثر فترات نشاطه الصباح الباكر ولاسيما فصل الشتاء وهو من أشهر الذئاب ذكاء وواسع الحيلة وهو قادر على تكييف نفسه حسب الظروف المحيطة به ويستطيع ذئب القيوط أن يقضي على عشرة آلاف فأر في العام الواحد، وبذلك يخلص الإنسان من مضارها والخسائر التي تكبدها للزراعة..

(*)الرخام المصري.. أشهر مكان لإنتاجه في منطقة شق الثعبان بالبساتين.. أغلب مصانع إنتاج الرخام بهذه المنطقة..

يوجد الرخام الطبيعي والجرانيت في مصر بالبر الشرقي لنهر النيل وحتى الشاطئ الغربي للبحر الأحمر أما الرخام الأبيض والأسود والرمادي في منطقة العلاقي بجنوب شرق السد العالي.و الأسود بأسوان , وكذا بسفوح الجبال في البر الشرقي لسوهاج.. والأحمر بسيناء.. و أنواع الرخام المصري هي كالتالي بنفس الترتيب:

الصني Sunny السلفيا Silvia الجولدن كريم Golden Creamالجلالة Galala التريستا Triesta

الخاتمية Khatmiaالامبرادور Impradoreالماريولا Marullaالسماحة Samahaالجولدن سينا Golden Sinai البريشيا Brecciaالساقلتة Sa΄oltaنوفوليتو Novoletoكوارتزيت Quartiziteبيرلاتو Perlato

سيسليا Seselia .. والانواع السبعة الاولى هي الاكثر أهمية لأنها الأكثر طلباً وانتاجاً..

(*) الذئب المصري ابن آوى المصري Egyptian jackal الاسم العلمي Canis aureus lupaster الذئب المصري أو الديب ، اسمه بلغتنا المصرية القديمة ساب وهناك خلاف بين العلماء هل هو سلالة من ابن آوى الذهبي ؟ أم الذئب الرمادي؟ هناك أبحاث و دراسات حديثة تنص على وجوب إلحاقه بالذئب الرمادي أو تصنيفه كنوع مميز لكنه حتى الآن يعتبر سلالة من سلالات ابن آوى الذهبي رغم أن تحليل الحمض النووي اثبت انه ينتمي إلى الذئب الرمادي.. يتغذى على الحيوانات الصغيرة والأسماك والمحاصيل والفواكه ، ويتعرض لحملة إبادة من البشر عندما تتداخل منطقة سيطرته مع التوسع العمراني للسكان يتواجد في مصر بوجه بحري و قبلي على طول وادي النيل حول الصحراء و الجبال و المزارع و بالقرب من المدن أيضاً .

عرف المصريين القدماء ابن آوى وعبدوه في صورة الإله أنوبيس وهو عبارة عن جسم إنسان برأس ابن آوى ، كما وضعوه تماثيل له في مقابرهم كما في مقبرة توت عنخ آمون ربما كتعويذة تمنعه من نبش القبر

لون الإقدام و البطن اصفر إلى برتقالي و الظهر رمادي وبه شعر اسود و ابيض و الوجه و الذيل لونهما رمادي . متوسط طوله يصل لـ 85 سم و طول الذيل يصل لـ30 سم و وزنه يصل لـ 13 كجم .و هو يشبه كثيراً الكلاب البلدي أو الضالة في مصر و الذي يعد جدها .

خلافاً لسلوك الذئاب هو حيوان انفرادي لا يعيش في قطعان فهو يعيش كأفراد أو أزواج و هو حيوان ليلي النشاط و موسم التزاوج يكون من شهر مارس و حتى مايو .ليس خطراً على الماشية و الدواجن فنادراً ما يحدث حالات تعدي و غالبا ماعز صغير أو طائر تائه عن مكان تربيته أما بالنسبة للإنسان فلا يمثل خطر حيث انه لا يعيش في قطعان و بالتالي مهاجمة ذئب على إنسان بالغ نادرة جداً و لكن في الحقيقة تلجأ الذئاب كبيرة السن لاماكن مقالب القمامة تقتات على فضلات البشر فعندما يشاهدها البشر يظنون أنها أتت لتهاجم في القرى أو المدن ولكن ذلك لا و لم يحدث حيث أن هذه الذئاب بطبعها تنفر من البشر و من أماكن تواجدهم و تبتعد قدر الإمكان عنهم لان البشر يمثلون الخطر الأكبر بالنسبة لهم ثم الكلاب الضالة. أعداده غير معروفة و البعض يشير إلى أنها قليلة جدا أي تعد بالعشرات حوالي مائة ذئب على أكثر تقدير..و للأسف اعتباره كسلالة من ابن آوى الذهبي جعل الدراسات حول هذا الحيوان قليلة جداً و في الحقيقة هو مهدد بالانقراض بشدة.. ولا توجد له أي برامج حماية أو إكثار..

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً