الرئيسية / العدد الخامس والثلاثون / نوح القيوطي وضوء القمر (4)

نوح القيوطي وضوء القمر (4)

عبير

عبير عواد :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الذئبي… وعاشقة الحيوانات..ما بين تـِبْرٌ ولجُـَيّـنْ طريق مُعبد بالصعاب

قد تجمع الحياة بين الشتيتين بعد فراق… قد تلاقي بين أنصاف وتتمها.. أنصاف متشابهة أو أنصاف مهما تلاقت لا تكتمل..إن فكرة التلاقي نفسها تخلق مجالاً من التطور للحياة.. و الأنصاف التي تتلاقى لا أعني بها هنا قصة حب.. فقد تكون علاقة صداقة قوية بين إنسان وآخر.. هي علاقة اكتمال…

نوح وضوء القمر- عاشق الحيوانات وصاحبة السر- كلاهما معا يكمل علاقة أكثر قوة ورابطة,, بعض الأشخاص يكونون لبعضهم البعض بمثابة نقاط تحول.. نقطة يبدأ من بعدها دوران جديد تكتمل به دائرة أخرى من دوائر الحياة..

كان اللقاء الأول بحكم الجيرة مجرد لقاء عابر … دعا والدها نوح لحضور عشاء شهري معتاد بين أعضاء رابطة أصحاب المزارع بالواحة..حيث يقومون بمناقشة ما يحتاجون إليه أو المشاكل التي تواجههم وتحتاج لحلول..

وهذا اللقاء يتم بالتبادل كل شهر في إحدى المزارع بما يتيح تقوية الروابط الأسرية أيضاً بين أعضاء الرابطة وعائلاتهم..

كان أبناء الجيل الثاني أو الثالث من الأبناء تربط بينهم علاقات صداقة سواء بالجيرة أو بدافع الدراسة التي تجمعهم منذ الطفولة.. والتي وصلت ببعضهم حتى الجامعة.. إلا ضوء القمر فلم تكن تدرس معهم وبالتالي صداقتها بهم لم تتجاوز حدود الزيارات للمزرعة هذه أو تلك.. إلا صديقة واحدة وأخوها التوأم ” ندى و نور ” كلاهما كانا الوحيدين اللذين استطاعا التواصل مع ضوء القمر منذ طفولتهما المبكرة.. محبتهما لضوء القمر كانت بغض النظر عن حبها للحيوانات.. كانا يحبانها ويقتربان منها بكل يسر..وتواصلهم جميعًا كان أمراً عادياً.. يتشاركون اللهو واللعب والأحاديث الطفولية البريئة بشكل طبيعي.. ومع هذا بالنسبة لباقي الأطفال ورغم أن ضوء القمر كانت بالمعنى المتعارف عليه ذات طبيعة خاصة.. حتى وإن لم تعامل كصاحبة إعاقة.. ربما كنوع من التهذيب حيالها وحيال أسرتها سواء من الكبار والصغار.. لأن علاقة والدها ووالدتها بالجميع كانت طيبة لا تشوبها شائبة تعكر صفو العلاقات.. إلا أن جمالها غير العادي وارتباط الحيوانات بها خلقا حولها جوًا من الألفة.. حيث كان يشير الأطفال إليها بصديقة حيوانات المزرعة.. نجحت ضوء القمر رغم عدم قدرتها على التواصل لغويًا مع قرناءها من الأطفال في إشاعة المرح والبهجة, كما أحاطها الأطفال بفضولهم .. يستغربون كيف تستطيع إخضاع كل الحيوانات؟؟

و على أعتاب فترة المراهقة أسموها دكتور دوليتل.. تيمنًا بالشخصية الخيالية للبيطري الذي يستطيع الحديث مع الحيوانات

وعلى الرغم من أحدًا لم يرها تتحدث فعليًا مع الحيوانات.. إلا أن الأطفال كانوا مصممين على هذه الفكرة.. ضوء القمر تتكلم مع الحيوانات.. والحيوانات تطيعها..

كانت أميرة متوجة.. ولكنها أميرة صامتة !! ترى هل كانت بالفعل صامتة !!!

يوم اللقاء الأول الذي جمع بين نوح وضوء القمر.. كان يومًا مميزًا جوه خريفي معتدل والسحابات تتناثر بالسماء.. مفعمة بسحر الخريف الذي لا يتأتى إلا بوجوده.. وكان ضوء القمر الحقيقي منتشرًا بالمكان .. منعكسًا على أشجار الموالح المتناثرة والنخيل الذي تنتشر ظلال جريده على الأرض راسمةً أشكالاً تخيلية تختلف ملامحها بين مشهد وآخر.. وبين السحابات التي تغطي القمر لحظة بعد أخرى تضاء مساحة من الضوء تلو الأخرى.. وتنعكس على بحيرة الأسماك الصغيرة التي يقوم عمر بإجراء تجاربه العلمية عليها بغرض التوصل لإنتاج نوع متطور من السماد الطبيعي..

بهذا اليوم.. كانت ضوء القمر.. مرهقة طيلة النهار.. تعمل يدًا بيد مع العمال حرصًا منها على تهيئة المزرعة لاستقبال الضيوف.. كان يضايقها ويقلقها بالوقت ذاته أن الحيوانات يتم وضعها في حظائرها مبكرًا.. الدجاجات والأرانب والخيل وحتى ساكن ومثابر..وقطتها الصغيرة برق.. ضوء القمر كانت على وفاق أكثر مع الحيوانات عنه مع البشر.. رغم أن علاقتها بالبشر تطورت كثيرًا مع الوقت.. إلا أن تفضيلها للحيوانات كان أمرًا جديرًا بالملاحظة..

وأثناء اللقاء كانت تتنقل بين الجميع ببراءتها وجمالها المعهودين.. والكل يثني على أدبها الجم ورقتها في التعامل والترحيب بالضيوف.. كانت نائلة والدتها تبتسم في سرها, لأنها كانت تعلم أن هناك ما هو غير واضح للعيان.. ضوء القمر ترغب في الاطمئنان على نباتات المزرعة وزهورها..اللقاء داخل حديقة الزهور بالمزرعة كان يقلقها.. لذلك تقترب من الضيوف حتى تتابع تصرفاتهم حيال أحواض النباتات وأصص الزهور..وبين تنقلها كالفراشة هنا وهناك… لمحت بالتفاتة نوح الضيف الجديد والجار الذي كان جالسًا بمفرده تحت شجرة من أشجار الصفصاف المتناثرة على حدود المزرعة.. يبدو كما لو كان قد انفصل عن الجميع.. موجود وغير موجود.. استغربت جلسته الانعزالية تلك.. مع أن والدها وصفه بالشخصية الودودة, “فكيف ينعزل عن الجميع هكذا” ويبدو كما لو كان بعالم آخر؟؟ اقتربت منه قليلاً, راغبة في إجراء حديث معه على طريقتها بالطبع وهذا ما كانت تخشاه..اللقاء الأول.. كونه وافد جديد.. يعني مزيدًا من الشرح والتفسير لحالتها.. تبرمت قليلاً.. عالمها أصبح محدد المعالم والتفاصيل.. لا أشخاص جدد ولا تفسيرات مكررة عن حالتها.. تذكرت أمرًا.. فسارعت إلى حجرتها وتناولت مجموعة من الكروت التي تشبه أوراق اللعب وكانت مطبوعة مكتوب عليها بعض الجمل التي تصف حالتها كانت تستخدمها وهي صغيرة في بداية عهدها بالاحتكاك بالعالم الخارجي.. وعادت إلى حيث يجلس نوح.. اقتربت منه ببطء كان ساهمًا ينظر للسماء يتابع حركة القمر من وراء السحاب.. انعكس ضوء القمر الحقيقي على وجه نوح.. هذا الوجه الوسيم الحزين.. المستفز!! شعرت ضوء القمر أن صاحب هذا الوجه مستفز!! به شيء ينفرها.. شيء لا تتقبله.. شعرت برغبة في الهروب.. أو كادت.. حيث انتبه نوح لوجودها والتفت لها مبتسمًا ابتسامة باهتة ترحيبًا بها…

-أهلا بك.. أنتِ ابنة السيد عمر صاحب المزرعة أليس كذلك!! مد يده إليها مصافحاً.. وهو يقول عفوًا لا أتذكر اسمك!!

مدت إليه ضوء القمر لتصافحه مرتبكة فأوقعت الكروت من يدها.. سارعت بالانحناء لتلتقط الكروت وانحنى نوح ليساعدها

نظر إلى أحد الكروت فوجد عليها عبارة “أسمع ولكنني لا أتكلم ” تلاقت أعينهما بسؤال وإجابة..

شعرت ضوء القمر أن نوح يسألها: هل هذه هي أنت وأجابته: نعم أنا !!

أجابته بعقلها.. وكأنها قرأت سؤاله الذي لم ينطق به.. الغريب أن نوح بدا كما لو كان قد فهمها لأنه رد عليها”نعم!! فهمت”

تراجعت ضوء القمر برأسها للوراء قليلاً.. حائرة “هل سألني وهل أجبته !!” احتوى نوح لحظة الصمت والدهشة بينهما وأخذ يقلب الكروت بين يديه وقرأها جميعًا..

– اسمك ضوء القمر!! اسم جميل وغير مألوف.. ثم ابتسم ابتسامة أكثر وضوحًا فارتعشت ضوء القمر وقالت لنفسها: ابتسامته جميلة لما لا يبتسم دائمًا؟؟

بدأ نوح حديثه معها بلغة الإشارة, وقال لها أنه يفهم لغة الإشارة قليلاً ويحب لو تحدثا معًا بها..نظر إلى المدعوين وقال .. الناس لطفاء ولكنني لا أستطيع بعد التواصل معهم أفضل العزلة قليلاً.. لست ثقيل الظل.. ولا غير محب للناس.. ابتسمت ضوء القمر لأنها كانت تراه ثقيل الظل منذ قليل , واتسعت ابتسامتها عندما ابتسم نوح ابتسامة ساحرة جعلتها تغير رأيها به من فورها… زال نفورها وأخذت تتحدث وتحكي عن نفسها وعن دراستها وعشقها للحيوانات ورغبتها في دراسة الكائنات البحرية لمساعدة والدها بما يقوم به من أبحاث.. حكى لها نوح عن عمله بالرخام وعن كراهيته للعمل بهذا المجال لولا إحساسه أنه يتيح له نوعاً من التواصل مع الطبيعة بشكل أو بآخر..

صمت نوح فجأة فقد لاحظ أنه تحدث كثيرًا وأنه لم يتحدث هكذا منذ وفاة شقيقته.. وأنه لم يكن يحكي مع أحد سواها بهذه الطريقة.. ربما لأن ضوء القمر تقارب شقيقته في العمر.. هذا ما تخيله!! فقال لها:لم أتحدث مع أحد منذ شهور كما أفعل معك ! لم أكن أتحدث هكذا إلا مع نجوان!! وتابع نجوان شقيقتي الوحيدة التي قتلت في حادث.. حادث غريب !!

واتهموا الذئب بقتلها.. انتفضت ضوء القمر!! وتقلصت عضلات وجهها وشعر نوح بها.. فسارع لتهدئتها قائلاً: أنا لا أصدق الذئاب لا تفعل هذا بالبشر.., وكأنه أزاح حملاً عن كاهلها فانبسطت أساريرها ولكنها أطرقت بصمت.. تفكر في شقيقته تلك التي قتلت بحادث؟؟ وكيف يقتلها ذئب؟؟ وأين !!

– سألها نوح بعد أن لاحظ شرودها: هل أنتِ بخير؟؟ أومأت برأسها..

-نعم أنا بخير.. وتابعت “أريد أن أعرف فقط عن حكاية شقيقتك عندما يتسع وقتك إذا لم تمانع!! وإذا لم يزعجك”!!

– لاح على وجه نوح شبح ابتسامة وهو يقول لا لا يزعجني إطلاقًا.. الغريب أنني منذ شهور ومنذ الحادث, لا أحد يجرؤ على الحديث معي بخصوص هذا الأمر, ولم أكن لأتصور أن أتحدث مع إي إنسان.. لم يجرؤ أحد على الاقتراب مني إلى هذا الحد.

ربتت ضوء القمر على يد نوح, وكأنها أم تواسي طفلها الغاضب, لما يكابد من ألم!! استغرب نوح لمسة يدها ولكنه بدا مستسلمًا للمسة يدها الحانية.. استكان لها وبدأ يشعر بالهدوء.. إن علاقة الإنسان بالحواس ليست مجرد علاقة عشوائية, إن حواسنا تعبر عنا وتعبر عن كل ما يتملكنا من مشاعر بلحظة.. عندما يفتقد أحدنا لحاسة ما فإن بقية الحواس تواصل دورها تعويضًا عن حاسته المفقودة.. تخيل أن ترى بأذنيك إذا افتقدت حاسة البصر!! أو أن تتحدث بلمسة يد إذا ما افتقدت قدرتك على النطق!! حتى الرعشة والهمهمة والزمجرة.. أو الإيماءة أو عبوس الغضب أو تقطيب الجبين…

ورغم أن ضوء القمر لم تكن تتكلم.. إلا أن لمستها ونظرة عينيها وارتعاشة جسدها بين لحظة وأخرى كانت رسائل تنتقل لنوح، مثيرات إرسال تقابلها مستقبلات.. وكلاهما يعبر عن استجابة بين إنسان وآخر..

فكرت.. سنتحدث معًا!! سأزورك أو تزورنا وتحكي لي عن كل شيء!! وتابعت بجزل!! كما أنني أريد أن أرى زهورك النادرة التي استجلبتها خصيصًا من هولندا, وتزرعها بصوبات مجهزة كما سمعت.. أريد أن أراها!!

– أو تهتمين بالزهور أيضًا؟؟! أرى لديكم مجموعة لا بأس بها من أنواع الزهور!! جميل.. يسعدني أن … و توقف نوح فجأة عن الحديث!! ونظر مصعوقًا لضوء القمر!! التي ألجمت الدهشة لسانها وتجمدت ذاهلة فبدت كمنحوتة مرمرية باردة!!

لم تكن ضوء القمر قد أفصحت بعد بلغة الإشارة عن أفكارها بخصوص الزهور!! وزيارتها لمزرعة نوح!! كيف سمعها؟؟

أما نوح, فلم يجد تفسيرًا لقد كاد أن يقسم أنه سمع صوت ضوء القمر وهي تطلب منه زيارة المزرعة ومشاهدة الزهور؟؟ كيف يحدث هذا بينهما؟؟

– هنالك سر في هذه الفتاة لا أستطيع فهمه أو إدراكه!! لكن بالتأكيد هنالك سر..

أما ضوء القمر فلم تكن بأقل دهشة من نوح نفسه..

هي كانت تعلم تمامًا أنها تستطيع التواصل مع الحيوانات بعقلها.. وبطريقة هي نفسها لا تكاد أن تدركها أو تفهمها!!

لكن البشر!! لم تتواصل مع إنسان من قبل هكذا ولا حتى مع والدتها التي لم تفارقها!!

-هنالك سر في هذا الرجل لا أستطيع فهمه أو إدراكه!! لكن بالتأكيد هنالك سر!!!

شردت ضوء القمر وهي تتذكر حكايتها مع أسماك البحيرة!! الحكاية التي حدثت وهي بالعاشرة من عمرها!! وقتها أدركت هي ووالديها أنها طفلة مختلفة!! وأن صمتها غير المعلومة أسبابه لم يكن مجرد صمت!! بل ربما كان فداءً لمباركة أخرى خُلِقت بها ضوء القمر.. لتستطيع فهم الحيوانات والتواصل معها..

أفاقت ضوء القمر من شرودها على صوت نوح وهو يخبرها بأنه سينتظر زيارتها له بالمزرعة بالوقت الذي يناسبها..

ابتسمت و مدت يدها مصافحة إياه!! أرادت أن تخبره بطريقتها سأحكي لك عن حكايتي مع الأسماك عندما أراك!!

لكن!!

يبدو أن جلبة المغادرين وضحكاتهم أعاقت التواصل اللا صوتي بينهما.. تردد نوح في الرحيل.. وغادر ساهمًا, وهو يفكر..

“لقد كانت تحدثني عن شيء” قالت لي …… لا أدري!! “ربما أعلم

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً