الرئيسية / مختارات قصصية مترجمة / هاريسون بيرجيرون

هاريسون بيرجيرون

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تأليف : كورت فونيجت

العام هو 2081، وأخيراً الجميع مُتَساوون. لَم يكونوا فقط متَساوين أمام الله والقانون. كانوا كذلك مُتَساوين بكُلّ الطُرُق. لَم يكُن أحَد أذكى مِن أَحَد. لَم يكُن أحَد أجمَل من أحد. ولا أحَد أقوى أو أسرع من أي أحدٍ آخر. كُلّ هذهِ المساواة كانت نسبًة للتعديل رقم 211، 212 و 213 من الدستور، و أيضًا نسبًة لليقَظَة الغير متوقفة لعُملاء جنرالات الولايات المتحدة للإعاقة.

بعض الأمور الحياتيّة لم تَكُن تمامًا متساوية. شهر نيسان مثلًا، لا زال يدفع الناس إلى الجنون؛ بعدم حلول الربيع بحلوله. وفي ذاك الشهر بالذات، أتى رجال جنرالات الإعاقة وأخذوا هاريسون، إبنَ السيد”جورج” والسيدة “هايزِل بيرجيرون”، البالغ أربعة عشر عامًا، بعيدًا.

كان مأساويًا، تمامًا، لكن جورج و هايزل لم يستطيعا التفكير بذلك بشِدّة؛ فذكاء هايزيل متوسط بالفعل، مما يعني إنها لن تستطع التفكير بشيء سوى بتفاهات متقطّعة. و جورج، بينما كان ذكائه فوق المتوسط بكثير، كانَ لديهِ راديو إعاقة ذهنيّة صغير في أذنه. كانَ مُلزمًا، وفقًا للقانون، بأن يعتمره كلّ الوقت. كان الجهاز موصولًا لجهاز إرسال لدى الحكومة، وكلّ عشرين ثانية أو ما يقارب، يبعث الجهاز بضجّة حادّة للحفاظ على أن لا يستخدم أناس مثل جورج دماغهم بصورة غير عادلة.

جورج وهايزل كانا يشاهدان التلفاز. كانت الدموع على خدّي هايزل، لكنّها نسيت في الوقت الحالي ما كان سببها.

في التلفاز كُنَّ راقصات باليه. وفورًا صدر صوتُ صفّارة من الراديو في رأس جورج. هربت أفكاره بفَزَع، كما يفعل اللصوص حينَ يعمَل إنذار السرقة.

– “رقصة جميلة، تلك التي أدّوها للتو” ، قالت هايزل.
– “هاه” قال جورج.
– “حقاً تلك الرقصة لطيفة ومدهشة”..
– “نعم”. قال جورج. حاول التفكير قليلًا براقصات الباليه. لم يكُنَّ جيدات تمامًا – لَسنَ أحسَن مما قد يكون أيّ أحد آخر، على كل حال. كُنَّ مُثقلات بأوزانٍ حديديّة، ووجوههن مقنعة، تحديدًا؛ كيّ لا يحسّ أحد، في حال رأى حركة حُرّة ورشيقة، أو وجهًا جميلًا، بشيٍئ غير اعتيادي. كان جورج يلهو بالفكرة المفعمة بعيدًا، بأنّهُ ربما يجب عدم كرسحة الراقصات. ولكنّهُ لم يمضِ طويلًا قبل أن ينثُرَ أفكارهُ ضجيجٌ آخر من راديو الأذن.

جفلَ جورج. كذلك اثنتان من الراقصات الثمانية.

رأته هايزلي جفل. دونَ أيّة إعاقة ذهنيّة لديها، وجَبَ عليها أن تستفسر جورج عن ماهيّة آخر صوتٍ صدَر من الراديو.

– “بدا كصوت ضَرْب أحدهم لكرتون حليب بمطرقة”، رد جورج.

– “أظنّ أنّه مثير للإهتمام سماع كلّ الأصوات المختلفة”. قالت هايزل بقليل من الغيرة. “كلّ الاشياء التي تفكرون فيها.”

– “ممممم”.

وتفكرت هايزل، بقدر ما يسمح عقلها المتوسط:
-“فقط، لو كنتُ ضمن جنرالات الإعاقة، أتحكم في صوت الراديو، أتعلم ماذا كنت لأفعل؟”. وتخيلت هايزل نفسها مكان جنرال الإعاقة الأكبر، السيدة ديانا مون جلامبرز. إنها حقاً تحملُ شبهها إلى حد بعيد.. قالت : “لو كنتُ ديانا مون جلامبرز، لأسمعتكَ دقات أجراس يوم الأحد، فقط الأجراس. تكريمًا للدين بالطبع”.

– “لكن الأجراس لن تعيقني عن التفكير”، أجاب جورج باستياء.

– “حسنًا، ربما أجعلُ صوتها عالٍ بما فيه الكفاية”، ضحكت هايزل. “أعتقد أنّي جنرال إعاقة جيّدة” .

– “إنك جيّدة كأي أحدٍ آخر”، قاطعها جورج.

– “أمتساوية كأي جنرال عادي؟” سألته متشككة.

– “صحيح”. رد جورج وبدأ بصيص التفكير بابنه هاريسون -الغير اعتيادي، المسجون- يشغل باله، لكن صوت واحد وعشرين طلقة من جهاز الراديو أوقفت ذلك.

– “ويلاه!” انتفضت هايزل فزعة عند سماعها الفرقعة في أذن جورج، “أكان ذاك مروّعاً؟”

كان أكثر من ذلك، لدرجة أنّ جورج بدا الآن شاحبًا ويرتجف، واعتلت الدموع أحداق عينيه الحمراوين. اثنتان من ثمانِ راقصات انهرّن على أرض الاستوديو، متمسّكات برؤوسهن وبأجهزة الراديو خاصتهن.. يبدو أنهن سمعن اللعنة نفسها.

عطفت هايزل على زوجها:
– “يا حلوي، إنك متعب جدًا. استلقِ على الأريكة كي تتكئ بكيس الإعاقة على الوسادة”. ونظرت بشفقة للعشرين كيلوغرام المعبئة بكيس قماش، مربوطة بقفل محكم حول عنق جورج. “هيّا ارح الكيس قليلاً فأنا لا أمانِع إن لم نكن متساويين”

وزن جورج الكيس بيديه. ثم قال: “أنا لا أشعر به… بل لم ألحظه حتى. إنّهُ جزء منّي فقط”

قالت هايزل:
– “مؤخرًا، أجهدت نفسك بحمله.. فقط لو أن هناك طريقة لصنع ثقب أسفل الكيس وإخراج بعض الكرات المعدنيّة.. بضعها وحسب”

– “سنتان في الحبس وغرامة ألفا دولار مقابل كل كرة أخرجتها”. قال جورج، “لا أُسمّي ذلك صفقة”.

– “فقط اخراج بضع كرات حين تعود إلى البيت من العمل”، قالت هايزل. “أقصد، أنتَ لا تتنافس مع أحد هنا. أنت تجلس في المكان.”
أفهمها جورج:
– “لو حاولتُ الهروب بذلك، حينها ربما ينجح أناس آخرون بالهرب، وقريبًا سنعود جميعًا إلى العصور المظلمة، حيث يتنافس الجميع ضد بعضهم. بالتأكيد لن يعجبكِ ذلك“.
– “كنت لأكره حدوثه”، قالت هايزل.
– “وهاكِ أيضًا” قال جورج. “في الدقيقة التي يبدأ الناس فيها غش القوانين، ماذا تراه يحدث للمجتمع؟“

لم تستطع هايزل التفكير في إجابة بعينها لهذا السؤال، وحتى جورج، نفسه، لم يقدر. فقد كان هنالك إذار يصرخ في رأسه.

– “أظنّ أنّ كل شيء سينهار”.
– “ما الذي سينهار؟” سأل جورج ببلاهة.
– “المجتمع،” أجابته هايزل بعدم ثقة. “ألم يكن هذا ما قلته للتو؟“
– “من يعلم؟” همهم جورج وسكت.

قُطِعَ برنامج التلفاز فجأة لنشرة إخباريّة. لم يكن واضحًا في البداية ما هو محتوى النشرة، بما أنّ المقدّم، ككل المقدمين، عانى من عائق جدّي في النطق. لنصف دقيقة.. وفي حالة حماس عاٍل، حاول المقدّم القول: “سيّداتي سادتي.”

أخيرًا تخلّى عن ذلك، وأعطى النشرة لإحدى راقصات الباليه لتقرأها.

– “لا بأس”. علقت هايزل على المقدّم، “لقد حاول. هذا هو الشيء المهم. حاول فعل الأفضل بقدر ما أعطاه الله.. يجب أن يحصل، لمحاولته الجادة ذي، على علاوة”.

– “سيّداتي وسادتي” قالت الراقصة وهي تقرأ النشرة. كان جمالها استثنائي حتماً، بما أنّ القناع الذي ارتدته قبيح. ومن السهل أيضاً رؤية أنّها الأقوى والأكثر رشاقة من بين جميع الراقصات، لأنّ أكياس إعاقتها بضخامة تلك التي يرتديها رجال بوزن مئتي رطل. وكانَ عليها ان تتأسّف في الحال بسبب صوتها، حيث من غير العادل استخدامه للنساء. كان صوتها لحنًا دافئًا، مشعًا و سرمديًا. قالت :“عذرًا”، وبدأت من جديد، جاعلًة صوتها غير منافس أبدًا.

– “هاريسون بيرجيرون، أربعة عشر عاما” نطقت الراقصة بزعقة كالغراب، “هرب للتو من السجن، حيث احتجز لاشتباهه بتخطيط لقلب الحكومة. إنّهُ عبقري ورياضيّ، وتحت إعاقة جبرية، يجب اعتباره خطيراً إلى أقصى الحدود”

عُرضت صورة لهاريسون بيرجيرون على الشاشة عموديًا، ثم أفقيًا وعاموديًا، وأخيرًا أفقيًا. أرَت الصورة هاريسون بطوله الكامل على خلفية مقسّمة لإنشات وأقدام. كان طوله سبعة أقدام بالتمام. بقيّة مظهر هاريسون كان ملابس هالوين وخردوات. لم يحمل أحد من قبل إعاقاٍت أثقل كتلك. كانَ يتفوّق على الإعاقات أسرع من ابتكار رجال الإعاقة لها. فبدلًا من جهاز راديو صغير في الأذن للإعاقة الذهنيّة، كان يرتدي سمّاعات هائلات، ونظّارات ذوات عدسات غليظة ومتعرّجة. غايتها أن تجعله نصف أعمى، وكذلك، لتمنحه أوجاع رأس مُدوية أيضاً.

خرد معدنيّة علّقت عليه في كل مكان. عادًة، كان هنالك تناسق معيّن، أناقة عسكريّة للإعاقات الصادرة للناس الأقوياء، لكن هاريسون بدا كساحة مخلّفات. في سباق الحياة، حملَ وحده ثلاثمئة رطل.

ولمعادلة منظره، اقترح رجال الإعاقة أن يرتدي في جميع الأوقات أنفًا مطاطيًا أحمرًا، وأن يُبقي على حاجبيه حليقَين، مغطيًا أسنانه البيضاء المتساوية بأغطية سوداء عشوائيًّا…

– “إن رأيتم هذا الولد” ، قالت الراقصة. “لا تحاولوا،.. أكرر، لا تحاولو التفاوض معه بالعقل”.

لكن فجأة، كان هناك زعيق باب ينخلع من مفصليه. صراخ وصيحات ذعر أتت من جهاز التلفاز. صورة هاريسون بيرجيرون قفزت على الشاشة مرّة وأخرى، كأنّها ترقص للحن هزّة أرضية.

جورج بيرجيرون تعرّف للهزة الأرضية، وبحقّ، لأنّه لعدّة مرّات كان عليهِ الرقص في بيته لنفس اللحن. قال:
– “يا الهي، هذا حتماً هاريسون، هذه الضجة يصدرها هاريسون!” ثم جاء الإدراك في عقله تمامًا مع صوت اصتدام سيّارة في رأسه. وحين استطاع جورج فتح عينيه، كانت صورة هاريسون قد اختفت. لكن عوضصا عنها، كان هاريسون بشحمه ولحمه، حيّ ويتنفس، يملأ الشاشة.

مقعقع، تهريجي وضخم، وقف هاريسون منتصف الاستوديو. ومقبض الباب المخلوع لا يزال في يده. راقصات الباليه، الرجال التقنيين، الموسيقيين، والمقدّمين خرّوا على ركبهم أمامه، متوقعين الموت.

– “أنا الإمبراطور!” صرخ هاريسون. “هل تسمعون؟ أنا الإمبراطور! على الجميع أن يفعلوا ما آمر به في الحال!”. ضرب الأرض بقدمه فاهتزّ الاستوديو.
قال:
– “حتى حينما أقف هنا” انحنى وأشار لمكان دقيق، “مُعاقاً، أعرج ومريض، أكون أعظم حاكم من أي رجل في التاريخ! الآن، شاهدوا كيف أنني أكون ما أستطيع!”

مزّق هاريسون أحزمة الإعاقة التي تطوقه كالأوراق المبتلّة، مزّق أحزمة تضمن حمل خمسة آلاف رطل. إعاقات الخردة المعدنيّة وقعت على الأرض. وأدخل إبهامه تحت القفل. فانكسر كالكرفس. حطّم السمّاعات والنظّارات في الحائط. رمى بأنفه المطاطيّ الكروي، وكشف عن نفسه .. إله رعد.

– “سأختار الآن إمبراطورتي!” قال، ونظر متملقاً الناس الخائفين. “لتكن هي أوّل امرأة تتجرأ وتقف على قدميها. من منكن تطلب الملك والعرش!”

مرّت لحظة، وحينها ارتفعت إحدى الراقصات، وهي تتأرجح كشجرة الصفصاف. مباشرة سحب هاريسون جهاز الإعاقة من أذنها، وأزاح الإعاقات الجسديّة عنها بحنيّة مذهلة. وأخيراً قلع قناعها. كانت جميلة حدّ العميان.

– “الآن “ قال هاريسون، آخذاً بيدها، “ هل نُري هؤلاء الناس المعنى الحقيقة للكلمة (رقص) “ أمر: “ موسيقى!”.

حالًا تزاحم الموسيقيون إلى كراسيهم، هاريسون أزاح عنهم إعاقاتهم أيضاً. “اعزفوا أفضل ما لديكم، وسأجعل منكم بارونات ودوقات وإيرلات.”

بدأت الموسيقى. كانت عادية بادئ الحال، رخيصة، بليهة، كاذبة. لكن هاريسون خطف اثنين من كراسيهم وهزّهم كالعصي بينما غنّى العازف كما أراد. ورمى بهم رجعًة إلى الكراسي.

بدأت الموسيقى مجددًا.. تحسّنت بأداء مزهل.

هاريسون والإمبراطورة استمعوا فقط للموسيقى، انصتوا جيدًا، كما لو أن ّدقّات قلوبهم تتزامن معها. ثم نقلاها بأوزانهم لأصابع القدم. وضع هاريسون يديه الضخمتين على خاصرة الفتاة النحيفة، كي تحسّ بالوزن الذي سيكون لها قريباً. وعندها، في انفجار فرح ورشاقة، قفزا في الهواء.

لم تُهجر قوانين الأرض فقط، بل قوانين الجاذبيّة والحركة أيضاً. اِلتفّا، دارا، انتفضا، وَثَبا، طَفَرا.. قفزا كغزلاٍن على القمر. كان سقف الاستوديو بعلو ثلاثين قدم، لكنّ كلّ قفزة قرّبتهما إليه. كأنّ هدفهما الواضح هو تقبيل السقف. قبّلاه. وحينها، أبطلا الجاذبيّة بواسطة الحب والإرادة الطاهرة، بقيا معلّقين في الهوء تحت السقف، قبّلا بعضهما لوقتٍ طويل، طويل.

حينها أتت ديانا مون جلامبرز، جنرال الإعاقة، انبثقت من العدم إلى الاستوديو، مع بندقية مزدوجة الأنبوبة. أطلقت النار مرّتين، والإمبراطور والأمبراطورة كانا ميّتين قبل أن يلمسا الأرض. ديانا مون جلامبرز عبّأت البندقيّة مجدداً. ووجهتها إلى الموسيقيين.. قالت أنّ لديهم تسع ثوان لإعادة لبس إعاقاتهم…

حينها، حين انقطع البث من تلفاز عائلة بيرجيرون. استدارت هايزل لتعلّق على الانقطاع. لكن جورج كان قد ذهب إلى المطبخ ليحضر علبة جعة.

عاد جورج مع الجعة بينما هزّتهُ إشارة من الإعاقة. جلس، وسأل هايزل “أكنتِ تبكين؟!”.

-“نعم”.
– “لماذا؟”.
– “نسيت الآن… لكن شيئًا ما محزن على التلفاز”.
– “ماذا يكون؟”.
– “إنّي مشوّشة” .
– “هيّا، انسيها الأشياء المحزنة”.
– “دائماً أفعل” قالت هايزل.
– “هذهِ فتاتي الحلوة” قال جورج. لكنه جَفل.. وكانَ هنالك صوتُ مسدّس في رأسه.. صدى قنابل لا منتهية،
– “ياه.. يمكنني أن أقول بأن مايحدث لك الآن مروّع“ .
– “تستطيعين قولَ ذلك، متى شئتِ”.
– “ياه” قالت هايزل، “ما يحدث لك حقاً مروّع”.

____________________________
* نشرت القصة أول مرة عام 1961 ، ناقشت الديستوبيا المقننة ، وتم تحويلها أكثر من مرة إلى فيلم خيال علمي.

روائي وقاص أمريكي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة