الرئيسية / العدد الثامن والعشرون / قراءات : هاري بوتر – نهاية ملحمة – قصة إبداع

قراءات : هاري بوتر – نهاية ملحمة – قصة إبداع

276699

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

أين نحن من هذا؟؟

هاري بوتر “نهاية ملحمة” نعم هي ملحمة من الملاحم التي أبدعها خيال الإنسان أدباً روائياً ثم فناً سينمائياً..  

وأصبحت تلك الملحمة جزءًا من واقع بدأ في عالم الأدب بكاتبة مغمورة كانت تحلم أن تقدم عملاً للأطفال والشباب مستوحى من قصص السحر والغموض التي تحكي لابنتها بعضاً منها.. وجاءتها الفكرة ذات يوم في قطار لندن الشهير والذي كانت تستخدمه كوسيلة مواصلاتها اليومية, هذا القطار الذي أصبحت احدى محطاته وهي محطة “كنجز كروس” من أشهر محطات لندن بعد كونها علامة مميزة من علامات سلسلة هاري بوتر مثلما كان القطار الذي كان علامة مميزة في عالم الأدب الإنجليزي حيث ارتبط برائعة “آرثر كونان دويل” “شرلوك هولمز” وبقصص الرائعة “آجاثا كريستي” أو العبقري “الفريد هيتشكوك”.. لا أعلم ربـما لهذا القطار فألاً حسناً على أدباء إنجلترا ومبدعيها.. أو أن لهؤلاء المبدعين تأثيرًا بعيد المدى على هذا القطار..

نعود لحلم الكاتبة “جيه كيه رولينج” الذي بدأ بنشرها أول رواية في السلسلة بعنوان”هاري بوتر وحجر الفيلسوف” عام 1997 والتي حققت مبيعات خيالية وغير متوقعة في عالم الروايات وجذبت العديد من الأطفال والشباب في مختلف دول العالم وترجمت إلى عدة لغات كان منها العربية عن طريق دار نشر “نهضة مصر” والتي أعتبرها بالمناسبة أحد أهم رموز ودعائم نشر الثقافة في مصر والعالم العربي نظراً لدورها المتميز في هذا المجال.. وصدرت أول نسخة من هاري بوتر بالعربية في يوليو 2002..

وكالعادة سارعت شركة Warner Bros. لشراء حق تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي عام 2000 خاصة بعد ظهور الكتاب الثاني “هاري بوتر وحجرة الأسرار” عام 1998 يليه في العام التالي 1999 “هاري بوتر وسجين أزكبان” ثم في عام 2000 “هاري بوتر وكأس النار”.

بالطبع خلال الأربع سنوات منذ ظهور أول كتاب وحتى نشر الكتاب الرابع  حققت الرواية مبيعات خيالية وشعبية جارفة بين القراء.. كما حققت ثراءًا غير متوقع للكاتبة التي تحولت من كاتبة مغمورة وفقيرة في إنجلترا إلى سيدة بلغت ثروتها في وقت ما إلى ما يفوق ثروة ملكة إنجلترا نفسها.. ووضعتها في قائمة فوربس للأغنياء, وفي قائمة أشهر السيدات تأثيرًا على العالم..

وتتحدث الراوية عن عالم خيالي من السحرة وطفل لأبويين ساحريين قتلهما ساحر شرير في صراع غريب انتهى باختفاء الساحر وبقاء الطفل يتيماً ترعاه خالته حتى يبلغ من العمر أحدعشر عاماً ويكتشف حقيقته ويذهب لمدرسة السحرة “هوجوآرتس” وتبدأ المغامرات واحدة تلو الأخرى بتقدم الفتى في العمر عاماً بعد عام وصراعه المستمر هو وأصدقائه مع فولدمورت الساحر الشرير الذي عاد ليقتل هاري كما قتل أبويه.. ويتحكم في عالم السحرة وربـما عالم العامة الذي هو عالمنا نحن فيما بعد..

هذا وقد خلقت الكاتبة عالماً مليئاً بالتفاصيل والأشخاص والأماكن.. مئات الأشياء والأحداث التي تشكل في مجملها هذا العالم.. فكرة بسيطة وأبدية الصراع مابين الخير والشر.. الحب والكراهية.. التعصب الأعمى وتفضيل جنس على آخر وهنا في هذا العالم كان التعصب من السحرة الأنقياء ضد السحرة مخلوطي الدم “أي مزيج من العامة والسحرة”.. كما قدمت الرواية العديد من قيم التضحية وإنكار الذات… الخ من القيم النبيلة ولكن في عالم الفانتازيا والخيال..

بالطبع لم تسلم الرواية من الانتقادات والتي كانت هذه المرة من بعض رجال الدين في أوروبا والذين رأوا أن الراوية  تلوث خيال الأطفال وتتعارض مع تعاليم الدين وأشياء أخرى من هذا القبيل وعلى ما أذكر فلقد انتقد الفاتيكان الرواية وطالب “البابا بندكت السادس” الأطفال بعدم قراءة هذه الرواية التي اعتبروها شيطانية.. نفس الفكرة الأزلية منذ أيام محاكم التفتيش في أوروبا القديـمة والتي لم تتغير وإن ارتدت أقنعة مختلفة ولكنها دائماً تقف ضد الجديد وتسفهه أو تجعله آية من آيات الكفر حتى ولو لم يكن.. بالطبع كل هذا لم يـمنع من الإقبال على الرواية بل ضاعف منه واستسلم الفاتيكان وهدأت الزوبعة..

ولأن قيمة الإبداع الأدبي لها مدلول في أوروبا وأمريكا يختلف عن مدلوله في عالمنا العربي كان أمراً طبيعياً أن تقوم شركة Warner Bros. بشراء الراوية وشراء حق تحويلها إلى فيلم سينمائي وظهر الجزء الأول في دور العرض عام 2001.. ولاقى نجاح منقطع النظير وحقق مبيعات خيالية وتلاه الفيلم الثاني والثالث والذي كان اختلف في طريقة عرضه لأنه تم تغيير المخرج.. وكان للمخرج الجديد رؤية مختلفة حيث التزم بتقديم الفيلم بطريقة متقاربة مع العمل الأصلي وحرص على ألا يكون الفيلم مجرد مغامرة سينمائية  مبهرة بل بدأ في لمس البعد الانساني في القصة والذي كانت تقصده جيه كيه رولينج بالطبع..

وتوالت أجزاء الملحمة الأدبية , وكان ترقب ظهور الكتاب الجديد عاماً بعد الآخر علامة وسمة يشترك فيها الأطفال والشباب في كل أنحاء العالم حيث أصبحت الراوية تنشر في إنجلترا وباقي دول العالم بكل اللغات في أوقات متقاربة.. وكان الجزء الخامس بعنوان “هاري بوتر وجماعة العنقاء” ونشرعام 2003 وتلاه “هاري بوتر والأمير الهجين” عام 2005 ثم الجزء السابع والأخير” هاري بوتر ومقدسات الموت” ونشر عام 2007.

والذي سبق نشره ضجة واسعة واستفسارات مابين جميع القراء تدور حول فكرة واحدة هل سيموت هاري في صراعه الأخير مع فولدمورت؟! وكان البعض يرى أن من حق الكاتبة أن تقتل هاري حتى لايستغل الاسم أى فرد في أي عمل أدبي فيما بعد.. وكانت جيه غامضة بعض الشيء في هذا الشأن فكانت لاتعطي إجابة شافية عما إذا كانت ستقتل هاري في الجزء الأخير أم لا؟!..

وإن كنت أعتقد أنها كانت في حيرة أيضاً هل تنهي الحلم بـموت الشرير والطيب في صراع لاينتهي!! وربما تخسر قرائها ومعجبي هاري والذين لن يقبلوا بأي حال من الأحوال موته.. أم تنهي الحلم بقيمة جميلة وهي أن الخير دائماً ما ينتصر.. ويبدو أنها تعلمت الدرس مما حدث مع الأديب “آرثر كونان دويل” عندما قتل “شرلوك هولمز” في صراعه الأخير مع “جيمس موريارتي” عدو هولمز اللدود وكانت النتيجة غضب القراء العارم وعدم تقبلهم الفكرة وأيضا عدم نجاح أي قصة أخرى للكاتب على الرغم من موهبته الأدبية مما دفع به إلى استحضار شرلوك هولمز مرة أخرى للحياة وبقاءه حتى موته بالتقدم في العمر..

وهذا التمسك من البشر بالحلم أو الخيال أو بالشخصية الوهمية ماهو إلا نوع من الهروب من الواقع بكل آلامه إلى واقع أجمل وأفضل حتى لو كان واقعًا خيالياً, فكم منا من تأثر في طفولته أو شبابه بشخصيات وهمية جعل منهم أبطالاً وقدوة واقتبس منهم شيئاً في حياته..

وهذا ما فعلته جيه كيه رولينج حيث جعلت النهاية سعيدة ومابعدها أفضل حيث امتد العمر بهاري وأصدقائه ومرت سنوات ضعف عمرهم ليصبحوا آباء وأمهات يكملون المسيرة مع أبنائهم في ذلك العالم الخيالي.. الذي استمتع به الجميع سواء القراء أو المتفرجين.. وسيظل هاري أسطورة لسنوات حتى لو ابتكرت  شخصية جديدة في حكاية جديدة.. سيبقى هاري بوتر بالبعد الانساني الذي عايشه القراء والمتفرجين حتى في متابعتنا لأبطال الفيلم من الأطفال الذين كبروا وأصبحوا شباباً أمام أعيننا وشعرنا بالفعل أنهم يحيون معنا.. ناهيك عن شهرتهم في كل أنحاء العالم وكونهم أصبحوا من أثرياء عالم الفن من الشباب..

ومنذ ظهور الفيلم الأول عام 2001 حتى الفيلم الأخير الذي عرض على جزءين أحدهما عام 2010 والآخر هذا العام.. انتشرت الكثير من الرسومات والألعاب المستوحاة من القصة وأصبحت مصطلحات سحرية مثل “ألهومورا” أو “أفادا كادافرا” مصطلحات عادية بين الأطفال, وأصبحت لعبة “الكويدتش” السحرية تنافس ألعاب حقيقية مثل كرة القدم أو كرة القاعدة الأمريكية.. واستحدثت أشياء خيالية مثل عباءة الإخفاء وعصا الكبير ومحلات هاني ديوك وحارة دياجون.. ومخلوقات خيالية مثل أراجوج والكلب ذو الثلاثة رؤوس أو ثعبان الباسليسك وجني المنزل…. مئات الأشياء.. عالم ملئ بالتفاصيل.. لم تبتكرها الكاتبة فقط من خيالها بل بدراستها للعديد من الكتب التي تختص بالسحر أو بالأشياء الغامضة والأساطير المتوارثة في شعبيات وأدبيات كل البشر بكل اللغات.. حتى عالمها لم يقتصر على إنجلترا بل تخطته لتقول لنا أن السحرة موجودين في كل مكان في العالم وأن مدرسة “هوجوآرتس” ليست الوحيدة من نوعها بل يـماثلها العديد من المدارس في كل مكان.. حتى لعبتها المبتكرة “الكويدتش” يجرى لها مسابقة كأس العالم والتي يتوافد لها السحرة من كل الأنحاء, وكانت المسابقة الأخيرة والتي حضرها هاري في أحد الأجزاء بقيادة الحكم الدولي “مصري الجنسية” حسن مصطفى!!

لم تكن هناك لمحة عنصرية أو تعصب في كل السلسلة بل كانت الفكرة الأساسية هي رفض تعصب جنس لنوعه أو دينه أو وطنه فكل السحرة لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات.. كما أن عليهم احترام العامة مع أنهم مختلفون عنهم ولايتمتعون بنفس قدراتهم السحرية.. وبعيدًا عن الفانتازيا أو عالم الخيال!! أليست هذه هي الفكرة التي يدور عليها محور حياتنا, رغبتنا الأزلية في التعايش السلمي كل على اختلاف نوعه ودينه ولونه ووطنه.. ألا نتمنى جميعاً ألا ينسى كل منا أننا نشترك في نفس الأب والأم وأننا من أصل واحد!! أليس ما يحدث في الرواية حتى لو كانت خيالية هو ما نبحث عنه في عالم الواقع.. إنها نفس الفكرة ونفس الحلم الذي سيبقى العديد من البشر مفكرين وأدباء ومبدعين يبحثون عنه.. الفارابي في المدينة الفاضلة.. جون ميلتون فى الفردوس المفقود.. وليام بليك في عصر البراءة.. جي آر آر تولكين في سيد الخواتم.. جيه كيه رولنج في سلسلة هاري بوتر…

حتى ستيفاني ماير في سلسلة الغسق “توايلايت” رغم غرابة فكرتها وارتباطها بشيء خيالي غير موجود إطلاقاً-كما أعتقد-…

إن قيم الخير والتضحية والنبل والوفاء والبحث عن الحرية ومحاربة الشر وتقبل الآخر ليست أفكار على أرض الواقع فقط بل إنها أحلام للبشر ستبقى وتدوم حتى النهاية ولن يتنازلون عنها أبداً.. هذه النقطة الهامة هي جزء من البعد الآخر لكل ما تـمثله رواية هاري بوتر كعمل أدبي أو كفيلم سينمائي.. ليس فقط بنجاحها بل بـما تـمثله من معنى نكتشفه عندما ننظر لها من زاوية أخرى غير زاوية الامتاع وقضاء وقت طيب..

 

النقطة الأخرى التي تشغل بالي مع متابعتي للرواية ومشوار كاتبتها معها وماحدث من تغيير لحياتها.. هو قيمة الإبداع في عالم مختلف عنا.. عالم الغرب بكل ما يحمله من متناقضات.. هذا العالم يقدر قيمة الإبداع الإنساني ويستثمر طاقات البشر اللامحدودة واللانهائية للوصول إلى درجة من درجات التقدم الإنساني والحضاري.. إن هذا العالم نفسه هو الذي تقوم حكوماته بالسيطرة على العالم والاستيلاء على ثروات العوالم الأخرى وامتهان كرامة من يختلفون عنهم في الجنس واللون والوطن ويشتركون معهم ورغما عنهم في الإنسانية بمعناها الأكبر والأوسع شمولاً.. ولأنني غير متعصبة وأحاول كثيراً أن أكون حيادية أرى ما يفعلون من أشياء جميلة في الحياة وأحسدهم على أنهم يقدرون قيمة كان من الأولى أن نقوم نحن كمسلمين أولاً وكشرقيين ثانياً بتقديرها وإعطائها حقها من التقدير.. لأن الوازع الديني عندنا أكبر وأقوى.. لأننا تعلمنا من القرآن أن الانسان خلق ليعمر هذا الكون.. أين نحن من إعمار الكون إذا كنا نفسد فيه ونعيث فساداً.. أين نحن منه وقد ابتلينا بحكام فاسدون ومفسدون.. أين نحن وقد ابتلينا بإخوة لنا في نفس الوطن يرون أن مهمتهم في الحياة هي معاقبة كل من يشق عصا الطاعة على حاكم متسلط, أو من يعترض على نظام فاسد.. رضي إخواننا في الوطن أن يكونوا زبانية للنظام يجلدون ويقتلون ويمتهنون كرامتنا ويروننا أقل منهم درجات وفي منزلة العبيد..

تعالوا نتخيل لو كنا نقدر في وطننا قيمة المبدعين في كل مجال ونعطيهم أهمية تمكنهم من رفع شأن الوطن عالياً.. تخيلوا معي لو كنا نقدر علماء مثل أحمد زويل أو عصام حجي أو فاروق الباز…. وكثيرين حق قدرهم.. تخيلوا معي أن جيه. كيه. رولينج كانت إمرأة مصرية وأن إبداعها الأدبي هذا كان هنا.. ما الذي كان سيحدث لروايتها وإذا صادفها حظ ووجدت من ينشر لها ومن يؤمن بها ومن يشتري روايتها ومن يحولها لفيلم سينمائي وأصبحت كاتبة مشهورة وثرية… كيف كانت ستستمر حياتها فيما بعد.. هل كانت ستقبل السيدة الأولى أن توجد إمرأة تنافسها في مكانة حصلت عليه أو ثراء أصابها.. وهل كان سيتقبل الرئيس أن ينافسه كائناً من كان في شعبية وهمية يعلم تـماماً أنها لم تكن من حقه على الأقل منذ سنوات طويلة بل كانت مثالاً حياً على نفاق أهل المدينة الذي كان شبيهاً بنفاق أهل الصين لامبراطورهم العاري في رائعة كريستيان هانز أندرسون..

ياترى ما الذي كان سيحدث لو لم تقبل الكاتبة الأيادي , لو لم تكتب شعراً في السيدة الأولى أو السيد الرئيس, لو لم توظف موهبتها الأدبية.. من أجلهم ببساطة.. كانت ستقتل ولا أعني القتل بمعنى الموت, ولكن أعني قتل الموهبة وطمس معالمها لأنها لم توظف لخدمة النظام.. هذا لأنها لم توظف ما تمتلك في خدمة النظام … أما إذا تجرأت وعارضت النظام أو استغلت موهبتها في محاربة مايمثله ربما كانت القتل بمعنى الموت هو ما سيكون نصيبها..

نحن نغضب من الغرب ونلومهم على كل مايفعلون من سوء.. نعم هم يسيئون لنا وللإنسانية ولكنهم يقدرون مواطنيهم وإنسانيتهم ومواهبهم وإبداعهم وما يمثلونه من كيان يستحق الاحترام.. لم تغضب ملكة إنجلترا لأن أحد رعاياها أصبحت أكثر منها ثراءاً, ولم تحاول أن تشتري موهبتها لتمتدح الملكة وتثني عليها.. ولم تنبذها لأنها لم تنسب لملكتها وحكمتها ما وصلت إليه من موهبة وشهرة..

لقد غضب البعض من بعض الفنانين ولاعبي الكرة وغيرهم لأنهم كانوا ضد الثورة ومع النظام الذي يرفضه الشعب.. صدقوني أنا لا أحاول أن ألتمس لهم عذراً ولكن الحقيقة الواضحة التي لا نراها أنه حتى المبدعين والمشهورين والذين يمتلكون من المال والجاه والسلطة ما قد نراه سبباً لكي لا ينحنوا أو ينافقوا نظام لا يحتاجون منه شيئاً فهو لا يمن عليهم بمنحة سنوية أو يسقيهم من نهر الإبداع بيده.. فما يمتلكونه هو موهبتهم التي منحها لهم الخالق.. فلما ينافقون السلطة ولما يخالفون ما اجتمع عليه الناس.. ولكننا ننسى حقيقة غائبة عن أذهاننا فالنظام عندنا لم يكن يقدر القيمة الحقيقية للمبدع أو لإبداعه.. بل كان يشتري المبدعين بإغداق الهدايا أو الأوسمة عليهم.. ليقال أن النظام يرعى الإبداع والمبدعين.. ويمد يد المساعدة إليهم وقت الحاجة.. حتى يجد له سنداً وقت أن يحتاج.. حتى لو كان سندًا معنويًا..

ولكن ياترى كم من مبدع من شباب التحرير لم يجد فرصة ولم يجد يداً تساعد وتقدر قيمة موهبته وتعطيه ما يستحق من تقدير.. وكم من مبدع من شبابك يامصر أحس بالظلم والقهر والإحباط ولم يجد لموهبته متنفساً كي يعبر عنها ويفيد بها ويستفيد.. ولن أقول كم من انسان عادي لايمتلك موهبة إلا تميزه كانسان لم يجد الفرصة لحياة كريمة يستطيع أن يشعر فيها بإنسانيته وقيمته ومصريته.. بل على العكس وجد آدميته تمتهن على يد من يشاركونه في حمل اللقب “مصري”..

هل لو كنا نقدر قيمة الإنسان في بلادنا هل كان سيصل الحال بنا إلا ما نحن عليه الآن..

إلى الغاضبون من شباب الثورة.. إلى المعترضون على توقف عجلة الانتاج وتعطل مصالح الناس والانهيار الاقتصادي و….و…و…  توقفوا لحظة ياسادة!! توقفوا عن النظر تحت أقدامكم.. توقفوا عن التمسك بالحلول السهلة البسيطة.. توقفوا عن الرضا بـمبدأ ما يدرك كله لايترك كله.. توقفوا عن الإيـمان الخاطئ بأنه ليس في الامكان أبدع مما كان.. فهناك الكثير في الامكان.. لأن قدرات البشر لاتنتهي ولاتتوقف.. إن الانسان خلق ليعمر الكون وخالقه كريم ومنان.. الله عز وجل لم يخلقنا بلا طاقات وقدرات وفي الوقت ذاته ترك لنا مهمة إعمار الكون.. يا سادة لاتخلطوا الحابل بالنابل ولاتتهموا الشباب بكل التهم التي هم منها براء.. إن أعداء التغيير كثيرين ورغبتهم في هدم كل أمل والعودة كما كنا كبيرة وهم لايألون جهدا ولايتركون موهبة شريرة في نفوسهم التي لاتعرف إلا الشر لايستغلونها..

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .. صدق الله العظيم.

والتغيير لن يستمر ما دمنا نضعف ونستسلم ونتنازل عن أحلامنا في سبيل سنوات باقية من أعمارنا ستنتهي يوماً فما زال هناك أبناءنا وأحفادنا ومن يأتي بعدهم .. ما زالت هناك أجيال تنتظر أن تجد لنفسها فرصة لتبدع وتبتكر وتخلق عالماً جميلاً يظل في نفوس البشر دليلاً على صدق موهبتهم.. دليلاً على أن الإنسان المصري يستطيع أن يبدع ويتفوق.. وأن إبداعه لا يتوقف عند حد لأن احترام آدميته وإنسانيته لم ينتقص يوماً.. لأن كرامته لم تمتهن يوماً.. فإن إبداعه يظل نبعاً لاينضب..

هل لي أن أحلم أنه في يوم ما في المستقبل القريب.. سيجد أبناءنا فرصة حرمنا منها لكي يبدعوا ويتفوقوا.. هل لي أن أحلم بأنه في المستقبل القريب سيكون من أبناءنا وبناتنا من يجد فرصته ليقدم للبشرية اختراعاً مفيداً أو عملاً أدبياً رائعاً أو فنا راقياً.. وتطبق شهرتهم الآفاق.. ويصبح ما أبدعوه علامة من علامات الرقي والحضارة.. ودرجة من درجات التقدم الانساني نحو عالم أفضل جديد.. حتى لو كان عالماً خيالياً…..

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً