الرئيسية / العدد الخامس والعشرون / ” هانس زيمر ” و التعبير السماعي .. ” انترستلار ” نموذجاً

” هانس زيمر ” و التعبير السماعي .. ” انترستلار ” نموذجاً

98caac85-f5ed-419a-8a2e-672a10473ea3

إبراهيم مرسال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

كنت قد وعدت في مقالي السابق أن أواصل حديثي عن المسلسلات التلفزيونية  وعصرها الذهبي ..وقد تحدثت من قبل بصورة سطحية سريعة عن فلم (انترستلار) العبقري ..  إلا ان صدور نسخة (البلو راي) أجبرتني للعودة لهذا الفيلم المهم ..

الفيلم الذي كتبه وأخرجه العبقري (كرستوفر نولان) تجدد الحديث عنه مع صدور نسخة العرض المنزلي الخاصة به , بعد تمتعه بعرض سينمائي قوي إستمر شهوراً عديدة.. وقد أتاحت لي نسخة (البلو راي) أن أستعيد متعة مشاهدة هذا اليفلم المذهل في كل تفاصيله , بإرتياح في المنزل و بعمق ..

ورغم أن الحديث عن الفيلم تركز في غالبه حول الجانب العلمي و جانب المؤثرات البصرية الخلابة .. إلا أن أكثر ما ميز فيلم انترستلار عند مشاهدتي له في أول يوم عرض له في السينما , كانت الموسيقى .. مرت شهور منذ تلك الأمسية التي جلست فيها في قاعة السينما أنظر الى جلدي المقشعر بعد إنتهاء الفيلم مأخوذاً بكل تفاصيله.. وقد انسحبت التفاصيل مع مرور الزمن كعادة كل ما يبهرنا , يتحول الإنبهار الى مجرد ذكرى فضول عابرة .. إلا أن الموسيقى العبقرية التي كتبها وأنتجها الألماني (هانس زيمر) لم تفارقني مطلقا ..

كما قلت, اتاحت لي مشاهدة فيلم (انترستلار) مؤخراً و بهدوء , فرصة العودة بتأني و تدقيق الى هذا الفيلم العبقري .. قضيت عدة مشاهدات لأعرف ما الذي يجعل هذا الفيلم بالضبط يضرب على أوتار معظم مشاهديه و ينتزع منهم مشاعر الانبهار .. حتى كتابات الذين لم يعجبهم الفيلم , كنت أجد فيها إعترافاً بإحساس الضخامة الذي ميز الفيلم ..

ورغم تركيز الجميع تقريباً على المادة العلمية و المؤثرات .. إلا أنني أعتقد أن سبب نجاح هذا الفيلم بهذا الشكل يستقر في الموسيقى .. موسيقى الفيلم تحكي قصة آخرى تماماً عن ما يحدث في الشاشة .. قصة ترتبط بذكاء مع القصه البصرية في الفيلم ..

وعملية خلق موسيقى فيلم (انترستلار) كانت مختلفة عن الطريقة العادية في إنتاج القطع الموسيقية .. في الغالب يتم انتاج الموسيقى قرب نهاية عملية تصنيع الفيلم , إلا ان موسيقى انترستلار بدأ انتاجها قبل عامين من عرض الفيلم .. قبل كتابه السيناريو النهائي!

والحكايه ان (كرستوفر نولان) ارسل ورقه واحده للموسيقار هانز زيمر .. لم يخبره بقصه الفلم .. أو حتى نوعه .. كل ما أحتوته الوريقة كان قصه حب أب لإبنه و بضع حوارات .. طلب المخرج من الموسيقار أن يقوم و في ليلة واحدة بكتابه قطعة موسيقية تعبر عن هذه الفكرة .. وقد ذكر (هانز زمر) أن هذه القطعة التي كتبها في تلك الليلة كانت شخصية جداً .. لقد إستوحاها بالكامل من علاقته بابنه !

دون أن يدري بأن الفيلم ذو طابع خيال علمي وأن حجمه بحجم المجرة نفسها .. أعطى (هانز) في اليوم التالي للمخرج قطعة موسيقيه تصل لأربعه دقائق .. هذه القطعة هي بنيه الخلق الأساسيه في كتابة السيناريو وإنتاج الفيلم ..

إن حقيقه أن الموسيقى هي التي ساعدت في خلق الفيلم و ليس العكس .. هي في رأيي طريقة ذكية ساعدت في إنتاج هذا العمل الفريد ومكمن إبداعه الأول .. فالموسيقى المصاحبة للفيلم ليس فيها ما يميز أفلام هذا النوع , أفلام الخيال العلمي لا تحتوي موسيقى حية بهذا الشكل , فبينما يتجه مخرجوا أفلام الخيال العلمي الى الحس التقني في الموسيقى للتعبير دوماً عن الجانب المستقبلي لهذه الأفلام .. إعتمد فيلم انترستلار على آله الأورجان الكنسية , كآله اساسية في كل القطع .. وهنا مكمن الإبداع الثاني في هذه التحفة ..

أهم ما يميز آلة الأورجان الكنسية شيئان .. الربط الديني الواضح المتكون لدى المستمع .. هذا الربط الذي “يدفع و يعبر عن الشعور بالذهول أمام الغيبيات التي لا ندري عنها شيئاً كبشر” كما وصفها المخرج (كرستوفر نولان) , والتي حاولوا تضمينها في الفيلم .. فمسرح الفيلم , الكون الشاسع , ينتزع منك خوفاً بدائياً ضد المجهول .. هذا الخوف الغيبي الذي حاولت الموسيقى الدينية تهدئته على مر العصور, استخدم ببراعة لعكس شعور شخصيات الفيلم التي لا تدري .. هل ستعود الى موطنها الأرض؟!

المميز الثاني لهذه الآلة الرائعة .. هو إعتمادها على مرور الهواء خلال أنابيب ضخمة لإصدار الأصوات .. هذه العملية التي شبهها الموسيقار (هانز زمر) بعملية التنفس .. إنها آلة حية تسمع من خلالها الشهيق .. شعور الحيوية هذا قال عنه المخرج (كرستوفار نولان) : ” للآلة إحساس إنساني, وقد كان هذا الإحساس مهماً لإيصال فكرة أن الفيلم ليس عن الفضاء , ولكن عن البشر الذين في هذا الفضاء ” ..

والبشر الذين في هذا الفضاء , همهم أهلهم .. سواء كان بطل الفلم الذي خرج لإنقاذ أسرته .. أو بطلة الفيلم التي خرجت لإستكمال اسطورة أبيها العالم الفيزيائي و رسالته ..

هذه الرسائل , الحماية وإستكمال أسطورتنا كنوع بشري , تشعر بها وأنت تستمع للمقطوعات على حدا .. شيء ما حول شهقات آلة الأورغان في مقطوعة No Time For Caution المركزية في الفيلم .. يجعلك تشعر بالذعر و بالشجاعة في نفس الوقت .. إنه خوف المستكشف , الوجه الآخر لشجاعته .. وليس من لقطة أفضل تعبيراً عن هذا , أكثر من لقطة البطل (كوبر) و هو يتحدث مع زميله عن كيف أن أشهر البحارة المستكشفين, لم يكونوا يعرفون السباحة .. وكيف أن خوفهم من الغرق هو ما منحهم الشجاعة اللازمة لمواصلة الرحلة ! ..

هذه العبقرية في استعمال خصائص الآلات .. وهذا الحساب الواثق و العارف لجوهر القصة , هو ما أقصد به بكلمة (التعبير السماعي) .. موسيقى انترستلار تحكي لروحك, لعقلك اللاواعي,  القصة الجوهرية , أو الثيمة الرئيسة , بشكل واضح. بينما ينشغل عقلك وراء القصة المعقدة التي تظهر أمامك ..

 (هانز زمر) ترشح لأوسكار أفضل موسيقى عن هذا الفيلم .. وخسر .. لكنه كسب موقعاً متميزا في التاريخ ..

لا أعتقد أن الكثير من الموسيقيين يمكنهم القول أن إنتاجهم كان الدافع الرئيس لانتاج فيلم كلاسيكي معاصر, كفلم انترستلار !

للإستماع للمقطوعة الموسيقية إضغط ( هنا )

عن إبراهيم مرسال

mm
صانع أفلام يعيش ويعمل في النرويج .

أضف تعليقاً