هذيان عابر

طواف جمالي في كتاب ( هذيان منتصف العمر) لـ( خالد أبو شقة)

25564631_1704366582947619_653093674_n

عثمان الشيخ خضر
(1)
توطئة:
القصدْ من الطواف الجمالي أدناه هو محضْ ملاحظات تذوّقيه، تناسلتْ في ذهني أثناء قراءتي لهذا السِفر الفخيم للكاتب خالد أبو شقة. وهو طواف -بالطبع- يبتعد ابتعاداً تاماً عن إسقاط اي نظريات نقدية مُحكمة، تلك التي التي ليس لي بها أدنى إلمام بها.  وانما ما اكتبه في السطور التالية (هذيانات) قارئ او قل ملاحظات متذوّق أو طواف جمالي كما أسلفت، تحفها المحبة الكاملة لخالد ونصوصه الوسيمة.
 
(2)
خدش في جدار العتمة
بلاد ما بين النهدين 
انت اليجرحك الغياب
ليل يتثاءب في خمول
نوافذ مشغولة بالأرجحة
على سبيل التشظي أسأل:
ما جدوى الكتابة؟
 
النص أعلاه بعنوان (لا جدوى) من كتاب (هذيان منتصف العمر) للكاتب خالد ابو شقة، الصادرة في أكتوبر 2017، تحت بند (كتابة)، عن دار المصورات للطباعة والنشر بالخرطوم، في 92 صفحة من القطع المتوسط. الغلاف من تصميم ايمن محمد والتصميم الداخلي لموافي يوسف، والتدقيق لعادل سعد يوسف.
حٙوت المجموعة حوالي ثلاثة وثلاثين عنوانًا، منها إثنتا عشر عنوانًا تبدأ بكلمة هذيان، وإحدى عشر عنوانًا اخرى من غير هذيان.
أول التباس يقع فيه القارئ هو الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه الكتاب، والذي كشفه الكٙتاب في الغلاف بوضعه لمصطلح ( كتابة) وهو جنس أدبي لا ينتمي الا للكتابة نفسها، هذا غير أن لفظ (كتابة) يمثل مصطلح واسع الدلالة تندرج تحته نماذج مختلفة من الأجناس الكتابية العديدة والمتباينة، كالنثر والشعر النثري، وكتابة الخواطر، وربما السرد أيضاً.
(3)
 
الكاتب وبعد الاهداء المقتضب والخاطف، يتجاوز المقدمات المملة والتمهيدات الفجّة، ليدهشك كقارئ من اول نص والذي حمل عنوان ( هذيان هاجس) فيقول:
 
مُهجسٌ أنا 
بالشجن في القهوة.. 
بالعرقِ الأصّلي في 
كمبو  6.. 
بالنظرة الواجفة في
عين القتيل.. 
بالنهر العذب الدافق 
بين النهدين عذوبة.. 
بالوردة المراهقة النديْ
في الصباح.. 
 
فهذا المقطع تحتشد فيه تفاصيل الاشياء، وتزّدهي فيه اللغة؛ ففيه نفحة الشعر الجاذبة والرصينة، وسحر السرد المسترسِل الجميل، والالتقاط الذكي للمٙنسي والمُهمل من الاشياء، كالنظرةِ الواجفةِ في عين القتيل.
هذا الالتقاط من اولى مهام الكتابة، بحيث يتم فيه ترفيِع العادي والمَنسي والمُهمّش من الأشياء الى مستوى المُدهش والعبقري – كما يقول أستاذي احمد ابوحازم-.
 
تمضي بنا نصوص الكتاب، كنهر يشق الارض اليباب، فيكسوها خضرةً ونضرةً وجمالْ. في عوالم تتداخل فيها القصة القصيرة بسلاستها، والشعر بصرامته ورصانته، والقصة القصيرة جداً بسرعتها ودقتها. وكأن (أبوشقة) قد نزع عنا رهق التصنيف للنصوص، فجعلنا أمام لوحات سريالية نفسرها كيفما نشاء، بعيداً عن نظريات الكتابة التي تجنحْ غالباً نحو النظرة الأكاديمية الضيّقة.
(4)
 
ونقرأ مجتزأ من نص (هذيان الجسد باب الاعضاء) حين يقول :
 
اليد :
يدي بئرٌ معطلة.. يدي يعتريها وجع
كتابة .. يدي النغمُ في الربابةِ.. يدي وتر
كمنجة.. يدي تشيرُ إلي الصِحاب أجملُ
ما يكون العتاب.. يدي بصيرة لكنها في 
الوداعِ قصيرة..!
 
القدم :
قدمي لديها مِيولٌ عاطفية.. قدمي تنامُ 
خارج المنزل ولا تعود الصباح.. قدمي
مشّاية.. قدمي لا تعرف الوشاية.. قدمي
اليوم في عُطلة.. أقصد قدمي اليسرى.. 
قدماي أُلفة.. قدمايّ خط سكك حديدية
 يقود إلي المنفي..!
 
هذا النص الباذخ العميق الذي يُأنسن فيه الكاتب اعضاء الجسد -من الانسنة وهي اصباغ صفات الإنسان على الاشياء- ، ومن بوابة الانسنة هذه يتعرض لهموم المجتمع والسياسة والحياة. بلغة رشيقة ومراوغه وحادة، وبعبارة ذكية ومتفلته. مستخدما في هذا النص معظم النصوص فانتازيا عميقة وجميلة، وموظّفاً لها في خدمة نصوصه المدهشة.
هذا غير التعرجات المرحة مثل التي في نص ( هذيان غائب ) والذي نقرأ فيه:
 
مصابٌ على اي حال
بالضرورة
بالصدأ في باب القيامة
بالقبلة الخاطفة
بمنجنيق الغيوم…
 
(5)
 
•من الجميل قرأت كل النصوص وإعادة قرأتها، كما ليس من السهل تفكيك كل العناوين والكتابة عنها، ولكن يمكن الإشارة الى بعض التقنيات الكتابية المبتكرة والجريئة مثل ما يمكن تسميته بالكتابة الحوارية في نص ( هراء). أو نص ( هذيان منتصف العمر) ونص ( قبل التوبة)  والتي كما ويبدو أنها تمثّل منولوج داخلي يٙكتب فيه (خالد) هذياناته الداخلية ويوصل لنا صوته الخَفي والبعيد، ليحقق بذلك معقولية لغوية بتسمية الكتاب كما قال الأستاذ/محمد عثمان عبدالنبي.
أو نص ( كل شيء نسبي ) ونص ( هذيان الأسئلة ) الذي يكشف عن موسوعية الكتاب وفلسفته العميقة في تناول مفاهيم كالخوف والموت والسرد والوداع وغيرها من الأسئلة الوجودية. أما نص (العالم لا يتغير) والذي يبدو كأنه حوار حقيقي أجراه الكاتب مع نفسه ونقرأ فيه
 { لماذا تنشر هذيانك؟
-تخيل لو كان بوسعنا الحياة بدون كتابة !
-وماذا تفعل حينها دور النشر }.
 
أما نصوص ( ذكرى) ، ( اشياء بسيطة) ، ( لا جدوى ) ، (بعض شجن) ، (جثة) ، فهي اقصر النصوص من حيث عدد الكلمات ولكنها تحمل بداخلها افكار عظيمة وتبدو أقرب إلى النصوص الشعرية، فتارة تجنَح نحو الشعر المنثور،  وتارة نحو الشعر الحُر، ولنقرأ في نص اشياء بسيطة:
 
قبل أن اموت
أريد صديقاً مخلصاً
وعناقاً دافئاً
وحذاءً جديداً!
(6)
 
أن خالد أبوشقة أستطاع أن يصهر في هذا الكتاب كل قضايا المجتمع والسياسة والدين والثقافة والجنس في بوتقة نصوصه الماتعة، فتجدها موزّعة بين الصفحات لا ينفك نص إلا وتجد فيه إحدى هذه القضايا. ونجد هموم الكبار والصغار والنساء والاطفال بحيث لا ينتهي نص؛ الا وجدنا فيه احد هؤلاء المذكورين أنفاً.
كما تناول أيضاً مفاهيم الحزن والفرح والحب والبكاء والجنس. وكتب عن سفر الاصدقاء والقهوة وجلسات الانس المليئة بنُثار النيكوتين والشتائم الحميمة.
كتب عن الأم والوطن والحرية والكتابة وعن الحبيبة طبعاً. عن الموت والحياة الأخرى والفيسبوك. وكأنه وضع لنا منفستو نستطيع من خلاله إدراك الكثير من جوهر الاشياء وكُنهها. بما يعود علينا برهق لذيذ من بوابة طرح ذات الأسئلة على أنفسنا ومحاولة الإجابة عليها.
 
وبما يشبه الاعتذار يختتم خالد كتابه بنص ( هذيان أخير) والذي نقرأ فيه:
 
الآن..
الآن لم يتبق لي شيء لأفعله..
بِتُ أقوم بإعادةِ تدوير الكلام ليناسب ما 
يمضغهُ هذا الوقت المُستقطع من الحنينِ ، 
المُستهلك في هُراءاتِ ما يُسميَ الشوق
المُطهم بالغيابِ..
 
 
ديسمبر 2017

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان