الرئيسية / احدث التدوينات / هل الإسلاميون السودانيون لا يحبون الغناء..؟

هل الإسلاميون السودانيون لا يحبون الغناء..؟

600px-No_music_svg

سؤال يبدو أن إطلاقه يفتح الكثير من الأبواب، فبواقع الحال يأتي التساؤل لو أنهم لا يحبون الغناء،فالسودانيون يعشقون الغناء والرقص، وعليهم التعامل مع هذا الأمر بحصافة وهم على السلطة، كانت تلك العبارات من رحيق أول أيام الإنقاذ، سنين إعلان الشريعة الإسلامية والمشروع الحضاري.

فهل المشروع الحضاري الإنقاذي ضد الغناء جملةً وتفصيلًا أم نوع معين منه،هنا نسأل الأستاذ عادل عبد الرحمن عمر الكاتب والملحق الإعلامي لسفارتنا في الأردن والإسلامي وتحديداً من الذين قادوا حوارات أول أيام الإنقاذ مع المبدعين والفنانين لخلق التواصل المطلوب.

أراد أن يثبت للآخرين بأنهم ليسوا ضد الغناء،قاد حوارات بين فرقة عقد الجلاد والأمن لتوضيح الكثير من الأشياء الغائبة،ولكنهم يحبون الغناء،مشروعهم الحضاري لا يعترض عليه كشكل من أشكال الثقافة.

هنا نريد أن نفصل بينهم كشخصيات لها ارتباط تنظيمي،وبين أنهم غير ذلك ؟

هل لا يحبون الغناء جهراً، لكنهم يموتون فيه عشقاً سراً…؟

البحث عن هذا الأمر يبدو مثل المشي على حقل من الألغام، فهنا الإسلاميين أكثر حرصاً على مبدأ السرية إلا من رحم ربي، فهل المجاهرة بحب الغناء يعتبر خروجاً على التنظيم، أو بعض العقوق التنظيمي.

الأغلبية منهم لا تجاهر بذلك،بل تمارس ذلك سراً، أو قل بشكل لا يصل إليه الإعلام، الأستاذ بابكر حنين الإعلامي المعروف وأحد الذين تولوا إدارة التلفزيون القومي وقناة النيل الأزرق،قال أنه يحب الغناء جداً ،بل مارس هذا الغناء في المعتقلات، وكشف سراً مفاده أنه وحسين خوجلي كانا يغنيان للمعتقلين في سجن دبك،بل مضى أكثر من ذلك،وقال لو قلت لكم إن د.عثمان أبو زيد الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والخبير الإعلامي الإقليمي والإسلامي صعب الانتماء للتنظيم كان (فردة كورس مع الفنان صديق أحمد)،الإسلاميين سودانيين،وبالطبع التنظيم له فعله لكن لن يكون بالطريقة التي تحاصرنا حصاراً يجعلنا متطرفين جداً تجاه الغناء.

الأستاذ سعد الدين ابرهيم الكاتب والشاعر،يحكي كيف أنه أندهش يومأً عندما سأله الأستاذ حسين خوجلي ماذا تحفظ من غناء الحقيبة،فأجابه ليس كثيراً، فغنى له حسين خوجلي أغلبية كبيرة من غناء الحقيبة،بل كان يحكي له مناسبة الأغنية ومن لحنها وكيف خرجت للناس، بل إن أغنيات كثيرة من الحقيبة وثق لها وكشف أسرارها حتى تلك التي غير منظورة للعامة والإعلام.

ويحكي الفنان عبد الكريم الكابلي وهو يسجل معه برنامج(أيام لها إيقاع) للفضائية السودانية،أن كل أغنياته التي تغني بها كان يحفظها بألحانها بل كان يرددها معي سراً،بل إنه تغنى لي بأغنيات ليست معروفة بالكامل للناس لسبب أو لآخر،وأنا لا أعتبر أن الإسلاميين لا يحبون الغناء، فقد عرفت الكثير منهم يحبونه ويوثقون له ،بل إن بعضهم عارف معرفة وثيقة به وبتأريخه.

لم يسمع أو يرى أحد من العاملين في التلفزيون يوماً الطيب مصطفى يستمع لغناء أيِّاً كان، ولكن هل هذا يعني أن الطيب مصطفى كشخصية وكمدير للتلفزيون، صورة طبق الأصل،ليس بينهما تناقض مطلقاً.

يحكي الفنان مجذوب أونسة حكاية مفادها أنه في أول سنين الإنقاذ تمت استضافته في برنامج يعده الأستاذ حسين خوجلي ، وسبق أن التقى به الطيب مصطفى على باب التلفزيون فهمس له (عزيز أنت يا وطني برغم قساوة المحن)،وهي أغنية وطنية، لكني تفاجأت بالأستاذ حسين خوجلي يطلب مني أغنية (ده ما سلامك) فتغنيت بها وبالي مشغول بما قاله لي مدير التلفزيون، المهم كانت السهرة جميلة، وبعد فترة سألني مدير التلفزيون عن أغنية (ده ما سلامك)،ومناسبتها فشرحت له قصتها كلها، ويقيني أن الإسلاميين لا يحبون الغناء، ولا يكرهونه،بل يتعايشون معه،وهم يفعلون ذلك،من فهم أن الدولة أصبحت لهم.

تاريخيًا الإسلاميين السودانيين لهم تجارب في إنشاء الفرق الغنائية بفهم معين،يعني فرقاُ تخدم مشروعهم السياسي،ويقول خليفة حسن بلة الممثل المعروف وأحد أعضاء فرقة نمارق للآداب والفنون إن الإسلاميين في هذه الفرقة كانوا يحبون الغناء بشكل مطلق وبلا أي تحفظات،بل إن الأغنيات التي كانت تقدمها الفرقة ليست كلها وطنية أو جهادية، فلديها من الأغنيات العاطفية الرمزية ما لا يعرفه الناس،الفرقة غنت في بعض رحلاتها الفنية أغنيات مصطفى سيد أحمد،الكابلي، الكاشف،لكن لأن الفكرة الأساسية لها خدمة للمشروع الحضاري الإسلامي ظهر منها ذلك في منتوجها.

نخلص من تلك الإفادات أن الإسلاميين علاقتهم بالغناء على مستويين،مستوى الشخصية ،ومستوى التنظيم،الأول يعني العلاقة الخاصة مع الغناء،والثاني يعني العلاقة التنظيمية مع الغناء، وهنا يحدث التناقض في التناول و الإرتباط. ومن هنا تأتي الازدواجية، الإسلامي يحب الغناء، لكنه ما إن يتولى منصباً إعلامياً أو قيادة لجهاز إعلامي رسمي ،فإن الشخصية التنظيمية هي التي تأتي وتملك وتحكم- الطيب مصطفى- نموذجاً سودانياً حصيفاً يحب الغناء النظيف العفيف لكنه يرفضه بشدة على التلفزيون القومي،ورفضه أيام ما كان على قيادته مديراً.

نفسياً هل هذا الأمر يمكن مناقشته، يقول الدكتور يوسف القرضاوي:(إن الازدواجية في الشخصية الإسلامية يمكن أن تأتي إن ذهبت للتطرف والتشدد في الأمر، فالوسطية تجعل نظرة الإسلاميين – إن اعتبرنا التعبير يقصد به الإسلاميين تنظيمياً وحركياً – للغناء النظرة المتشددة التي تميل إلى تحريمه وليس موازنته على طريقة – حلاله حلال وحرامه حرام-،وهي الطريقة التي يتفق عليها معظم الفقهاء.

تطبيقاً على ما قاله الدكتور القرضاوي، فأين يمكننا أن نضع الإسلاميين السودانيين؟

ثم إنهم حاكمين،وهذا يعني أن مسارات العمل كلها بأيديهم،فإن لم يكونوا مع الغناء بشكل حقيقي،فلن يخرج قلم التوقيع منهم يوماً لصالح فكرة أغنية،أغني الأغنية الجمالية لنا كشعب وليست أغنية تأتي لتفعل فعلها السالب في مسيرتنا ليتحسر بعضنا (وأين زمان الغناء النظيف)..

لو أنهم يعشقون الغناء كفكرة،لكانت الفكرة منهم غيمة هنا وهناك،لترسيخ معنى جمالي..

لكن لماذا هو ضد الغناء النظيف..؟

لماذا،جعلوا فترة ما من زماننا غير محسوبة في تأريخنا الجمالي،لماذا،فعلوا فعل المحاصرة لجميل غنائنا،والأولى بالمحاصرة كل القبح الذي حولنا،قطرات الجمال التي كنا بها مع الغناء قالوا،لابد من إيقافها بالكامل..

فعلوا ذلك..

تلك هي سلطة تحكم..

ثم ماذا..

كانت (ماذا) هذي كل الذي بيننا الآن،نغضب عليه،ونصرخ : هل هذا غناء..؟!!

لو لم تفعل الإنقاذ فعلتها تلك،لكانت حركة التأريخ ستمضي باعتيادها وإبداعها الغنائي السوداني لترسم ذات المنهج الأجمل،ولقلنا،ما أجمل غناء بلادي..

فعل المحاصرة للغناء النظيف في سنواتها الأولى،سبب رئيسي لتراجع قيمة الفن والإبداع في المجتمع السوداني،وهي السبب في أن تكون فضاءاتنا الغنائية على غير ما نحلم ونشتهي ونعشق..

قتلت كل فعلنا الجميل..

ولذلك نهض بقوة الفعل غير الجميل..

ثم أصبح كل القوة هنا وهناك..

يا لاستضعاف الجميل من غير الجميل..

تلك هي الهزيمة الحقيقية لنا كشعب تجلياته الإبداعية يعرفها كل العالم..

من هؤلاء ..؟!!

هذا هو السؤال المفصلي مثل سؤال الراحل الطيب صالح (من أين أتى هؤلاء)..؟!!

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن