الرئيسية / احدث التدوينات / هل انتهى العبث بقدوم التواصل؟

هل انتهى العبث بقدوم التواصل؟

76149_231332106997173_1550272648_n

“لا يملك أحد اليوم جوابًا عن السؤال المتعلّق بالكيفية التي سيمكننا بها أن ننتزع أنفسنا من العبثية الكلّية لمثل هذا الوضع”

(حنّا آرنت، في العُنف)

تعتبر الحركات الفنية وجهًا مختلفًا ينظر الفرد من خلاله إلى الواقع بصورة أكثر صدقًا في التعاطي معه فالعمل الفني من المعروف أنه يعكس تصورات عديدة جدًا ، وظهرت العديد من الحركات الفنية لتعكس حالة المجتمع والإنسان ” يمكن اعتبار توجه العديد من الرسّامين في القرن العشرين لتمثيل قلق الإنسان الحديث على أنه محاولة فتح نافذة على المقدس والميتافيزيقي. بل إن حتى ظهور مذهب فني بأسره يُعبر عن هذا القلق جعل المُقدس والميتافيزيقي من أبعاد الفنّ الأساسيّة.

تلك النافذة الفنيّة، كانت نتيجة حاجة ماسة لمعنى يواجه أزمة المعنى، فخلقت مساحة رحبة للمطلق والميتافيزيقي ليس بوصفهم رموزا دينية، بل إرهاصات فنية مُعادلة في القوة ومُضادة في الاتجاه لعصر التنوير برمته. فظهور مذاهب جديدة، مثل التعبيرية والتكعيبية والسريالية وغيرها، كانت بمثابة “نزعة صوفية” في الفنّ ونافذة على كل ما هو روحانيّ ومتجاوز”

الناظر إلى حال تلك الحركات الفنية يرى ترابطًا واضحًا بين ظهورها وما آلت إلى الحداثة بسبب (العقل الأداتي ) ، يعتبر مفهوم العقل الأداتي أحد المفاهيم المهمة التي أفرزت لنا حركات فنية لها نزعة مختلفة تمامًا بل ويمكن اعتبارها مضادة counteraction للتنوير و الحداثة

ما هو العقل الأداتي ؟ (instrumental reason)أو العقل الذاتي أو التقني

إن هذا المفهوم قليل الاستعمال في الوقت المعاصر فكلمة instrumentalisme نجدها في معجم لالاند تتخذ معنى : إنها إحدى استعمالات البرغماتية . من خلال العودة إلى المعاجم اللغويّة أو الفلسفيّة يتبين أولا أن هناك استعمال بمعنى الأداتيّة أي كوسيلة للقيام بشيء ما، كما أن raison instrumental

ليس مفهوما كمفهوم الحريّة أو الديمقراطيّة أو الحتميّة، إنه لا يتضمن محددات داخليّة بقدر ما هو مرتبط بكل ما يمكن استعماله، أو كل ما يمكن اتخاذه كوسيلة، كأداة، كشيء مفصول ومعزول عن أصوله أو محدداته الأخرى. إن العقل الأداتي هو عقل يستعمل كشيء، كوسيلة لإنتاج أشكال، وقائع، مؤسسات، استيهامات. باعتبارها بضاعة قابلة للتداول لها قيمة استعمالية وقيمة تبادليّة كما يؤكد على ذلك هابرماس أما إذا أضفنا كلمة نقد critique «العقل الأداتي «فسنحصل على التركيب التالي : نقد العقل الأداتي هي عمليّة مواجهة وفضح وإبراز لمجالات النقص في الاستعمال المرتبط بالعقل كشيء أو وسيلة لإنتاج العقلنة في العالم. إذا ارتبطنا بهذه الرؤيّة المفهوميّة سنجد أنفسنا عند الحديث عن نقد العقل الأداتي في صلب اهتمام المدرسة النّقديّة لفرانكفورت، بمعنى أن غياب موضوع داخلي للعقل الأداتي يجعله بمثابة عمليّة نقد اتجاه إنتاجات العقل. وبالتالي سنجد هذا العقل الأداتي يتجلى في النظريّة الماركسيّة والرأسماليّة وفي صناعة الثقافة، في التقنيّة. .. بمعنى آخر يمكن القول بأن العقل الأداتي يأخذ عنوانا مركزيا في النظريّة النّقديّة، تتفرع عنه كل المواضيع النّقديّة الأخرى، فعندما يتم انتقاد الماركسيّة فإنه انتقاد لبعد من أبعادها الأداتيّة، وعندما يتم انتقاد الرأسماليّة الصناعيّة المتقدمة أو المدرسة الوضعيّة أو العلم، فإنه انتقاد للأداتيّة التي تحكم كل مجال من هذه المجالات. وبذلك يظهر أن نقد العقل الأداتي ينصب على نقد الأشكال التي يأخذ فيها العقل بعدا استعماليا وكشكل من أشكال التشيؤ

مع وصول الحداثة إلى قمتها الاداتية ظهرت تلك الحركات الفنية لتعبر عن حالة الإنسان القلق ، وعن حجم المعاناة و الاضطراب الداخل في نفس الإنسان ، فنجد السريالية التي عمل غيوم أبولينير على صك مفهوم كلمة السّريالية وظهرت لأول مرة في مقدمة مسرحيته “أثداء ترسياس” Les Mamelles de Tirésias التي كتبت عام 1903 وتم تمثيلها لأول مرة عام 1917.

ولقد قامت الحرب العالمية الأولى بتشتيت الكتاب والفنانين الذين كانوا في باريس, وانخرط الكثيرون في تلك المرحلة بحركة الدّادا مقتنعين بفكرة أنّ القيم البرجوازية جلبت الصّراع والحرب للعالم. وناصر الدّادئيون تجمعات “لا للفن” (رفض الفن التقليدي ومحاربة الفن بفن جديد يتجاهل علم الجمال التقليدي) وكتاباتهم وأعمالهم الفنية. إنشاء ثورة في التّجربة الإنسانية في كافة جوانبها الشّخصية والثّقافية والاجتماعية والسّياسية. فقد أرادوا تحرير الإنسان من العقلانية الزّائفة والعادات والبنى المَقيدة. وأعلن بريتون أنّ الهدف الحقيقي للسّريالية كان ” تعيش الثورة الاجتماعية وحدها”. ولهذا السبب, تماشت السّريالية في العديد من الأوقات مع الشّيوعية والأناركية (الفوضوية أو اللاسلطوية) وقد أعلنوا عن فلسفتهم في البيان السريالي الأول عام 1924. وفي نفس العام أسسوا مكتب البحوث السّريالية وبدؤوا بنشر مجلة “الثّورة السريالية”

” (La Révolution surréaliste)نتيجة لانحراف الحداثة عن قيم التنوير كما أسلفت سابقا وانتكاسها علي اعقابها ، من هنا نعود الي مدرسة فرانكفورت وظهور الجيل الثاني ورائده يورغن هابرماس ، أهم الفلاسفة المعاصرين الذين أبقوا على ثقتهم في المشروع الحداثي، حيث يقول هابرماس “إن الحداثة مشروع لم يكتمل و لم يتحقق بعد”، رغم هذا القول يعترف هابرماس بالمأزق الذي انتهت إليه الحداثة، إلا أنه في نظره لم يصل إلى الطريق المسدود، و لقد حاول في مؤلفه الهام “الخطاب الفلسفي للحداثة” أن يؤسس طريقا أخر للخروج من هذا المأزق الذي ألت إليه في نظره ليس الحداثة و إنما الطرق البديلة ذات الجذور النتشوية، إذ انتهت هذه إلى مآل أسوء من تمزق الحداثة.

يرى هابرماس أن العقل الأداتي الذي أنتجته الذاتية حينما طورت بنية اجتماعية ـ صناعية، جعلت من العقل أداة لإخضاع الإنسان لمفاهيم العقل التي اتخذت شكل علاقات و قوانين وأنساق ثقافية و اجتماعية لا تهدف إلا إلى طمس حرية الإنسان نفسه. يدعو هابرماس إلى عقلانية نقدية توقف طغيان العقل الأداتي الذي أحال فعل العقل الى فعل مضاد بنتائجه العامة للإنسان.

” دور العقل التواصلي الذي اقترحه هابرماس كحل لتسلط العقل الأداتي، هو عقلنة هذا العالم المعيش، وجعل الأفراد هم الذين من يفعلون ذلك بفضل اقتراحاتهم التي يتم الاتفاق عليها والارتقاء إلى مرتبة الحقائق القابلة للتغير، بعدما كانت في البداية مجرد أراء ثم تدعيمها بحجج و براهين عقلية، ليتم بعد ذلك الالتقاء و الإجماع عليها من محاصرة تسلط التقنية والقضاء عليها.

إن التواصل هو البوابة التي اختارها هابرماس و لجأ إليها للإفلات من العقلانية الأداتية، والتوجه نحو عقلانية جديدة هي العقلانية التواصلية، و التواصل عبارة عن علاقة حوارية حرة بين فئات المجتمع المتعددة و المتباينة؛ اديولوجيا و طبقيا، علاقة تتوخى بناء وعي حر لا تحكمه لا المؤسسات أو الاديولوجيات المفروضة من قبل الأنظمة السياسية، علاقة تفرد داخل مؤسسات المجتمع الغربي لتزيح عنها غلاف الزيف و التزييف الإعلامي و الفكري، علاقة تجعل التقدم التقني و المعرفة في خدمة الإنسان.

يتم الحوار و التواصل بواسطة اللغة فهي تشكل الوسيط الممكن من مد جسور التواصل بين الأطراف المشاركة في حوار يراد منه الوصول إلى تفاهم بصدد قضية أو مجموعة من القضايا. فالعقلانية تتجسد في اللغة و باللغة، و هذا ما يؤكده هابرماس بقوله: “إن ما نسميه ـ عقلانية ـ هو أولا الاستعداد الذي تبرهن عليه ذوات قادرة على الكلام و العمل على اكتساب و تطبيق معرفة قابلة للخطأ”.

لم يقف هابرماس عند التأكيد على دور اللغة قي جعل التواصل ممكنا، بل أكد على الدور الهام الذي يلعبه العالم المعيش بفضل مكوناته المتمثلة في كل من الثقافة و المجتمع ثم الشخص… فهذه المكونات تمثل مرجعية و خلفية النشاط التواصلي، إذ نجده يقول “أسمى ثقافة ذلك الزاد الجاهز من المعرفة التي يغترف منها المشاركون في التواصل تأويلاتهم عندما يتفاهمون حول بعض الأشياء المنتمية للعالم، وأسمي مجتمع الضوابط المشروعة التي بواسطتها ينظم المشاركون في التواصل لانتماءاتهم إلى مجموعات اجتماعية و يدعمون كذلك تضامنهم، أما الشخصية في تلك القدرات؛ فهي تلك القدرات التي بفضلها تكتسب ذاتا ما القدرة على الكلام و الفعل و القدرة على الانضمام إلى صيرورة التفاهم و بالتالي تثبيت الهوية الخاصة.”

يخرج هابرماس بفلسفته التواصلية من مأزق الأداتية الي رحاب التواصل بحيث يعيد للحداثة مسارها و قيمها التنويرية التي قامت عليها وتصبح منتجات الاداتية و عبثيتها في مهب التراجع و الانحسار ليظهر فن آخر يعبر عن تواصلية يورغن و ينتقل إلى حيز مختلف تماما ، وينطرح سؤال مهم جدا في آخر المطاف (هل التواصلية موت للعبث و السريالية ؟)

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان