هوة الوعي

صورة2

محمد عمر جادين:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

      ها أنا أستيقظ، وبتثاقلٍ أحاول فتح عَينيّ، ترفضان في البداية، ثم تستسلمان تحت وطأة إصراري. أنظر للأعلى، ها هو السقف في مكانه، الأخشاب بنفس عددها وترتيبها وطلائها المقشر وتلك الفتحات الموجودة فيها وبينها، بِيوتُ العنكبوت المهجورة وقد تناثرت عليه وكادت أن تغطيه تماماً، الحاملة الحديدية (الكَمَرَةُ) الصدئة والمُعَلقة عليها مروحة السقف التي تدور منذ الأزل ولكنها لم تُفلح أبداً في تبديد هذه الحرارة الموجودة بداخلي، الجدران الأربعة المتهالكة، والتي أتعجب في كيف أنها ما زالت متماسكةٌ حتى الآن ولم تسقط عليّ برغم كل تلك التشققات الموجودة فيها؟!، لَمبة الحائط الوحيدة، متكورة على نفسها كهرة أكلت أطفالها بعد مسغبة، عصفورة صغيرة تَحطُ باستقرار على أحد الشبابيك الحديدية والتي لا تفلح في أي شيء سوى إصدارُ ذلك الضجيج المزعج عند فتحها وإغلاقها أو عندما تعبث بها الرياح!، الباب الخشبي الذي أنهكته السنين وعوامل التعرية، فصار أشبه بجذع شجرةٍ باليٍ نَخره السوس وسكنته الحشرات، الكتب المُبعثرة هنا وهناك بلا نظام وفي فوضى مطلقة والتي لم تفلح أي من محاولاتي الدائبة في ترتيبها داخل الدولاب الحديدي والمسمى مجازاً مكتبة، فهي سرعان ما تخرج مرة أخرى مُعلنةً رفضها التام لهذا السجن القميء والموحش، مطالبةً بحريتها وحقها في الحياة، ملابسي التي تشكل الديكور الداخلي للغرفة؛ فهي تتواجد في كل مكان فيها، على الشبابيك، معلقة على الحائط بواسطة المسامير، مبعثرة بلا نظام داخل الدولاب الخشبي، فوق وتحت الطاولة العجوز، فوق وتحت الكنبة التي كانت في حياة سابقة جزءاً من أثاثٍ فاخرٍ لمنزل أحد الأثرياء، والذي وجد ميتاً في ذات كساد دون أن يعرف السبب الحقيقي لموته، والتي لا أدري تحديداً كيف وصلت إلى هنا. حسناً إذاً، أنا في غرفتي البائسة، مستلق فوق سريري المَهتوك في المنتصف، والذي تحول إلى حفرة تحتويني تماماً، وقد فشلت كل محاولاتي في ردمها بوضع قطع الملابس والأغطية عليها لأنها تزداد اتساعاً كل يوم. أحاول النهوض، جسدي لا يطاوعني، ورأسي ثقيل جداً وكأن شاحنة ضخمة قد مرت من فوقي. أرفع رأسي قليلاً، أنظر إليّ، يبدو أنني قد كنت متعباً جداً ليلة أمس لدرجةٍ لم أستطع معها خَلع ملابسي؛ فها أنا أرتديها كاملة حتى حذائي، “حذائي المنهك من فرط التجوال”، والذي لم تفلح كل محاولات الإسكافيين الدؤوبة لإصلاح ما به من ثقوب، فها هو يبتسم لي في بلاهة. لكن مهلاً كيف عدتُ إلى غرفتي؟!، وأين كنت قبل عودتي إليها؟. أحاول التذكر ولكن لا أستطيع، آه يبدو أنني قد أفرطت في الشرب ليلة أمس، لدرجة جعلتني أغيب عن الوعي تماماً فلم أعد أتذكر ما حدث، وعلى ما يبدو أن هنالك شخصٌ ما أعادني إلى هنا، لكن من هو؟!، فأصدقائي المقربين كلهم قد هربوا من جحيم الوطن، وسافروا إلى بلاد النفط والثروات لكي يحققوا أحلامهم، ويبنوا لأنفسهم مستقبلاً أفضل، فكيف عدت إلى هنا إذاً؟!، لا يهم المهم أنني قد عدت وكفى. أحاول النهوض مجدداً، لا يطاوعني جسدي وكأنه قد قيد بإحكام إلى السرير من تحته لكن لابد أن أنهض؛ فلدي الكثير من الأشياء التي يجب علي إنجازها، الكثير من الأشياء؟! وعن أي أشياءٍ أتحدث يا ترى؟، فأنا عاطلٌ عن العمل وليس لدي ما أفعله، وعادةً ما أنفق سحابة يومي في التسكع والجلوس على شاطئ النيل فقط. إذاً لابد أن أخرج لأبحث عن عمل، أبحث عن عمل؟!، آه تذكرت ما حدث يوم أمس، ها هي التفاصيل تمر في ذاكرتي كشريط سينمائي، كنت في أحد المراكز الثقافية، مُشاركاً في فعاليةٍ مقامةٍ بذلك المركز بعددٍ من القصائد الشعرية، كانت معي حبيبتي وملاكي الجميل، روحي وحياتي كلها ندى، ندى أيقونة العشق الأبدية، ندى زهرتي البرية التي لا مثيل لها، ندى…. مهلاً … مهلاً، ها نحن نتشاجر!، نحتد في خلافنا وتعلو أصواتنا، ولكن لماذا؟!، ما الذي فَعلتُه حتى غضبت مني ندى هكذا؟!، ما الذي اقترفته يداي ولم تستطع ندى تَقبله؟!، وهي الوحيدة التي استطاعت أن تحتويني برغم غرابة أطواري وتناقضاتي، برغم عبثي وجنوني وطيشي اللامحدود، هي الوحيدة التي استطاعت أن تفهمني وتسبر أغوار ذاتي لتكون ملجأي وملاذي الآمن، ها هو صوتها يتضح شيئاً فشيئاً، تصيح قائلةً:

  • إنتَ لازم تشتغل يا ناصر … لازم تكون نَفسك عشان تجي تَتقدم لي وتخطبني بشكل رسمي … أنا تعبتَ من كلام ناس البيت، وفترتَ من التبريرات القاعدة أقدمها ليهم كلما جاني عريس ورفضته … تعبت من نظرة الناس لي وظنونهم فيني … تعبتَ يا ناصر تعبتَ.

      حسنا إذاً، هذه هي القضية، لقد اتضح كل شيء، ندى تريدني أن أعمل لأجمع المال من أجل زواجنا، تريدني أن أصير عبداً لوحوش الرأسمالية، تريدني أن أسمح للبرجوازيين باستغلالي ليراكموا ثرواتهم بينما أحصد أنا الهشيم، لا لا لن يكون ذلك أبداً، لكن ما الذي حدث يا ترى؟!، لم يكن هذا هو رأيها أبداً!، كانت في تمام الإدراك والتفهم للوضع الذي أنا فيه، ما الذي غير موقفها تجاهي هكذا فجأةً وبدون مُقدماتٍ؟!، لا أدري. يعود الشريط ليعمل من جديد، يعلو صوتي هذه المرة. أصيح فيها قائلاً:

  • كنتَ مُتخيل إنك حَتقيفي معاي للنهاية … كنت متخيل إنك الوحيدة الما حَتتخلى عني ولو إتخلى عني كل الناس … كنتَ قايل إنك مستوعبة تماما للمشروع الإنساني الأنا وهبته ليهو نفسي … لكن شكلي كده كنت غلطان وواهم جداً.

      عندها تبدأ ندى بالبكاء، وينطفئ الشريط فجأةً، تباً … ما الذي حدث بعدها؟، أحاول التذكر، آه … لا أستطيعن أحاول وأحاول وها هو الشريط يعود للعمل من جديد، لكن في مكانٍ مختلفٍ تماماً هذه المرة، ها أنا أجلس على مقعد مُنخفض (بمبر)، أحمل بيدي كأس من الشراب(العرقي)، أشرب منه ببطءٍ وبرشفاتٍ قصيرةٍ، بالقرب مني سكارى يتشاجرون ويُخرج أحدهم سكيناً ثم يُلوح بها لآخر مستفزاً إياه قائلاً:

  • أكان راجل تعال حصلني هنا وشوف لو ما بعجتك بيها.

       لم أخَف منهم، تُحذرني البائعة وتخبرني بأنهم شرسون ويمكنهم الاعتداء عَليّ بدون ذنب. لا أهتم بتحذيراتها وأظل أنظر إليهم بعينين خاويتين، أواصل الشُرب، تتغير ملامح المكان فجأة وأجد نفسي مع ندى يوم زفافنا، أراها تتأبط يدي ونحن نسير وسط أهلنا وأحبابنا ومعارفنا أثناء حفل الزفاف وصوت المغنية يصدح عالياً

ده اليوم

الدايرنوا ليك

يا ناصر

مبروك عليك

      يا إلهي كم هو جميلٌ هذا الإحساس، وكم هي ماتعةٌ هذه النشوة. فجأة تترك ندى يدي وتبتعد، أحاول اللحاق بها، يختفي الحضور، يُظلم المكان، وأناديها، ندى .. ندى .. ندى، ولكن لا تجيب، أحاول أن أجد طريقي في منتصف هذا الظلام، لكني أسقط فجأة في هاوية، وأظل أتدحرج لأرتطم بالأرض ثم أغيب عن الوعي. إذاً هذا ما حدث، تشاجرنا أنا وندى ثم افترقنا غاضبين، وذهبت أنا للشراب ثم عدت بعدها إلى المنزل، ولازلت جاهلاً للطريقة التي عدت بها. لكن مهما يكن يجب أن أنهض الآن، يجب أن أذهب لرؤية ندى، يجب أن أستعيدها ولا أتركها تضيع مني هكذا، ولكن ما الذي سأقوله لها؟، هي تريدني أن أتنازل عن مبادئي وأُصبح مجرد آلةٍ لجمع المال، وهذا ما لم نتفق عليه أبداً، لا لن أفعل ولتذهب ندى للجحيم. آه … لم أكن أتخيل أن يوماً كهذا سيأتي، لم أكن أتخيل أن ندى ستتخلى عني وأنا في أحوج الأوقات لها. هي الخاسرة في النهاية ولست أنا، فسوف تتزوج من أحد المغفلين الذي لن يرى منها إلا جسدها فقط، وسيعاملها كشيء يمتلكه ويحق له التصرف فيه كما يشاء، هنا أحسست ببعض القوة تسري في جسدي، ها أنا أستوي جالساً ثم أقف على قدمي ولكن بصعوبةٍ بالغةٍ، أحس بالأرض تدور من حولي، تتداخل الأشياء وتمتزج المشاهد، لكن شيئاً فشيئاً أستعيد تماسكي وتتضح لي الرؤية، أخرج من الغرفة وأذهب صوب الحمام، أفتح الصنبور لأغسل وجهي علني أستعيد بعض نشاطي، لكن لا ماء في الصنبور، تباً .. تباً .. تباً، يبدو أنه وكالمعتاد قد تم قطع الإمداد المائي منذ ساعات الصباح الباكرة، أمُد يدي متحسساً الإبريق، هنالك بعض الماء فيه وسأقتصد في استعماله عله يكفيني. أتناول فرشاة الأسنان، أبحث عن المعجون، أجده ولكنه فارغ تماماً حتى آخره. يا للنحس، يبدو أنه لا شيء جيد سيحدث اليوم، فكل الأحداث تنذر بالسوء منذ بدايته. أعود أدراجي إلى الغرفة بعد أن اكتفيت بغسل وجهي وفمي ببعض الماء، فأنا لا أملك مالاً حتى أشتري معجوناً جديداً أو حتى صابوناً للاستحمام، إذا لابد أن أخْرُج لأبحث عن عمل، لكن من الذي سيقبل بتشغيل شخص لا يجيد سوى توصيف الأحاسيس والمشاعر وتنميق الكلمات في بلدٍ لا يعترف فيه بأن يكون لك أحاسيس مختلفة أساساً؟!، شخص لا يجيد حتى أدنى المهارات اليدوية، كما لا تساعده بِنيَتُه الهَزيلة على الأعمال الشاقة، إذاً لا فائدة، لن أجد عملاً بهذه الطريقة. وطالما أن ندى قد تخلت عني، وأنني لن أجد عملاً لكي أستعيدها فما جدوى حياتي وما الذي سأفعله فيها ولم أفعله بعد؟!، أقول شعراً فقط؟!، وهل يُسمن الشعر ويغني من جوع؟، آه من الجوع، الآن تذكرت أنني لم آكل شيئاً منذ يومين، بدأت بطني بإصدار أصواتها المزعجة والتي تدل على خوائها التام، كنت في السابق عندما تتهيج هكذا أهدئها بالماء، ولكن لا ماء الآن فما العمل؟، بدأت الدنيا تُظلم في وجهي وتنتشر العتمة من حولي، يبدو أنني أعاني من هبوطٍ حادٍ وسأغيب عن الوعي خلال دقائق، يجب أن أضع حداً لمأساتي، يجب أن أنهي هذا التوهان.

      أنظر إلى الخارج، أرى حبل الغسيل ممداً من على حائط الغرفة وحتى أعلى الباب الخارجي، تلهو به الرياح جيئةٍ وذهاباً كيفما تشاء، فهو مثلي لا حول له ولا قوة، فانا أيضاً تعبث بي الظروف هكذا كما تشاء، ولا أستطيع لها دفعاً أو مقاومة. تَحركتُ نحوه، حللت طرفه الأول عن الحائط ثم حللت طرفه الآخر من فوق الباب بعد عناءٍ؛ فأنا في تمام الإجهاد ولم أعد أقوى حتى على المشي إلا بصعوبة، أحمله وأعود إلى داخل الغرفة، أحرك الكنبة الوحيدة من مكانها، ناقلاً إياها إلى منتصف الغرفة لأضعها تحت الحاملة الحديدية تماماً، أرفع الطاولة وأضعها عليها ثم أتأكد من ثباتها فوقها، بعدها أقف قليلاً لألتقط أنفاسي فقد بدأت باللهاث وتمكن الرهق مني جداً، أصبحت أرى صوراً مزدوجةً للأشياء، يبدو أن جسدي لم يعد يقوى على التحمل، وسأسقط غائباً عن الوعي في أية لحظةٍ، لذلك يجب أن أسرع. أضع الحبل على كتفي، وأستجمع ما تبقى من قوتي، ثم أصعد فوق الكنبة ومنها فوق الطاولة التي بدأت تتأرجح من تحتي ولكني سرعان ما أمسكت بالحاملة الحديدية واستَعَدتُ توازني لتستقر الطاولة من تحتي مرةً أخرى، فلم يَحِن أوان سقوطها بعد، أمسكُ طرف الحبل وأمرره من فوق الحاملة الحديدية ثم ألُفُه حولها عدة مراتٍ ومن ثم أعقد نهايته جيداً عليها، أشده لأسفل كي أتأكد من ثباته، يبدو أنه قد ثبت جيداً فهو لا يتزحزح عن مكانه، أقفُ مُنتصباً وأجمع ما تبقى من الحبل وأبدأُ بلفه حول رقبتي، أشده لأعلى ومن ثم أربطه جيداً، أُحكم ربط العُقدة وأكررها عدة مرات حتى لا تنفك، أنظر لغرفتي طويلاً وللمرة الأخيرة مودعاً، أكاد أسمع بكاء كتبي وتوسلاتها أن لا أفعل، لكنني لا أستطيع، فهي التي قد جَنَت عليّ سابقاً دون أن تدري ورمتني في هذا الجحيم. أتمالك نفسي فليس لدي خيارٌ آخر، وهذا هو الطريق الوحيد الذي أضحى متاحاً لي، أغمض عيني، أتذكر بعضاً من أحداث حياتي فأحس بسكينةٍ مفاجئةٍ وطمأنينةٍ تسري في دواخلي، أُحَركُ الطاولة تحت قدمي محاولاً إسقاطها، تقاوم السقوط في البداية ولكنها تسقط تحت إصراري و … حلقت تلك العصفورة التي كانت تحط على النافذة عالياً مع الروح التي خرجت من ذلك الجسد المنهك والمُثخن بالآلام، لتتركه معلقاً بين السماء والأرض وحيداً كما كان دائماً.

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .

أضف تعليقاً