واقع جديد

15302330_1544166338930611_385900515_o

لا مجال للمجادلة أن القرن العشرين هو الفترة التي تغيرت فيها حياة البشرية برمّتها، تغيرات في جميع نواحي وأشكال الحضارة الإنسانية، وحفلت باختراعات غيرت مسار نمط الحياة، وتعتبر اليوم أشياء ضرورية لا استغناء عنها في حياتنا اليومية.

انطلاقًا من الراديو والتلفاز إلى الحواسيب الشخصية والسيارات والطائرات والغواصات، الصواريخ والطاقة النووية، المضادات الحيوية والقلب الصناعي، وأعظم اختراع كان هو الإنترنت.

منذ القرن الماضي، وحتى يومنا هذا وتيرة التطور صارت أسرع مثل الصوت، وأصبحت الدول العظمى تنفق الكثير من الأموال على البحث العلمي، ليكون لهم السبق في إبهارنا بكل جديد، ولأن قوة العلم هي سلاح هذا العصر الوليد.

في استطلاع قامت به جامعة ماساشوستس للتكنولوجيا في نهاية عام 2000 م شمل 300 شخص من جيل الشباب و 300 من جيل الآباء والكهول، طلب الاستطلاع في جزء منه أن يعطي كل مشارك رأيه في ما سيكون أهم اختراعات القرن الحادي والعشرين، تقاربت الآراء كثيرًا، ورأى 40 % من المشاركين أن أهم الاختراعات هي التي ستساعد الإنسان على تفادي أخطار الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير.

أما في الجزء الثاني من الاستطلاع فطُلب من كل مشارك أن يعطي رأيه في أهم اختراعات القرن العشرين، في ستة من المجالات التي تخص البشرية: الطب، الطاقة، البيئة، الاتصالات، الصناعة، السلع الاستهلاكية وأوقات التسلية والفراغ.

جاءت نتيجة هذا الجزء مبينة كيف ينظر كل من الفريقين من الشباب والكهول إلى أهمية الاختراعات الحديثة، أو ما يجب أن يصل إليه الإنسان من اختراعات، حيث لوحظ من النتائج أن الإنسان الذي يشهد ولادة اختراع معين فإنه يدرك أهميته أكثر ممن وجده موجودًا أمامه، فالآباء مثلاً عاش كثير منهم مرحلة من العمر لم تكن فيها المضادات الحيوية موجودة، مما جعلها مهمة جدًا لهم، أما الأبناء فجاءوا إلى الدنيا وليس هناك مشكلة من هذه الناحية، لذلك فكثير منهم لم يدركوا أهميتها، ومن هذا ندرك لماذا حصلت الإنترنت على أصوات عالية حيث شهد ولادتها الجميع فأدركوا أهميتها.

نحن الآن في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وبما أن وتيرة التطور صارت سريعة جدًا، بما يكفي لأن نكتب عما أنجزته البشرية في مجال التكنولوجيا منذ بداية الألفية، والتي بدورها جعلت من العالم الافتراضي الذي جاء به الإنترنت أقرب ما يكون لعالمنا الواقعي.

قبل امتلاكنا للكاميرات الاحترافية وسماعنا عنها، أو لنقل قبل إمكانية أن تكون في متناول الجميع لشرائها، كانت الصور التي نلتقطها بواسطة هواتفنا النقالة مقبولة نوعًا ما في تلك الفترة، حيث لم يكن هناك نموذج متداول أعلى جودة ودقة، بل ربما لم يدر في فلك أفكارنا أن هذه الصور قد يصبح لها معنىً جديد ومختلف عما عهدناه من قبل.

مع إطلاق تقنية التصوير عالي الوضوح ” High Definition ” (HD) صار بالإمكان الاستمتاع بتصوير فديوهات وأخذ صور عالية الوضوح باستخدام الهاتف النقال وحده، وكانت هذه الانطلاقة بداية مؤسسة لتقنيات تصوير أعلى وأكثر دقة ووضوح وأقرب ما يكون للواقع، بدءًا من دقة وضوح ال Full HD ” 1080P ” ودقة 4K و 5K وانتهاءً ب 8K والتي إن لم أكن أبالغ فإن وضوحها يقارب وضوح إبصار عين الإنسان.

دخلتُ يومًا أحد متاجر الأجهزة الإلكترونية وكانوا يعرضون تلفازًا قالوا عنه أنه ثلاثي الأبعاد، نظرت إلى شاشة التلفاز فلم أجد شيئًا غريبًا خارج إطار البعد الثاني، ووجدت نظارات بالقرب من التلفاز، قال لي البائع أن عليّ أن أرتديها، وضعت النظارة على عينيّ وفور التفاتي إلى الشاشة انحنيت بسرعة لتجنب كرة بيسبول كان قد أطلقها اللاعب في التلفاز ناحيتي مباشرة، لم أكن في تلك اللحظة قادرًا على إدراك حقيقة أنني لست داخل ملعب للبيسبول، وأن الذي أمامي مجرد شاشة تلفاز ساكنة في مكانها بقدر ما كنت موقنًا بضرورة تجنب تلك الكرة المتجهة نحو وجهي بسرعة، والتي فور وصولها إلى عينيّ تبددت واختفت في الفراغ.

إن الواقعية التي صنعتها هذه الشاشات ” 3D Televisions ” كفيلة بأن تجعلك تشعر بالإثارة والحماس أثناء مشاهدتك لمباراة كرة قدم لفريقك المفضل في ديربي الدوري، أو قيادتك لعربة في سباق فورمولا ون.

ما زالت تجربة الشاشات ثلاثية الأبعاد راسخة في ذهني بنفس القدر من الدهشة التي أحسستها للوهلة الأولى، ولعل تطورها الذي شاهدناه في أفلام الخيال العلمي قد يبدو ضئيلاً جدًا أمام ما ستكون عليه في نهاية هذه الألفية.

15292723_1544165455597366_1280022709_o

قيل في اللغة أن الإبداع هو الإتيان بجديد أو إعادة تقديم القديم بصورة جديدة أو غريبة؛ وأن الابتكار أصله بَكَرَ، وهو حدوث الشيء باكرًا، ومن هذا يمكنني أن أصف نظارة قوقل ” Google Glass ” بأنها مبدعة ومبتكرة، فعند محاولة الخروج من إطار المألوف قدمت لنا قوقل نظارة بشاشة مثبتة بالرأس، يمكن أن تضاف لها عدسات طبية أو شمسية ومتوفرة بعدة ألوان وسمات منها الكلاسيكية والرياضية.

لكن فكرة الشاشة المثبتة بالرأس ليست بالأمر الجديد، إلا أن قوقل طورت هذه الفكرة بصورة مذهلة بواسطة ” قوقل المختبر إكس ” التابع لهم، فأخرجت لنا شاشة تتصل بهاتف يعمل بنظام أندرويد ويمكن توصيلها بالإنترنت والأقمار الصناعية، وتستجيب للأوامر الصوتية، ويمكنها إجراء مكالمات فيديو، واستخدام خرائط قوقل، وتحديد المواقع على الخريطة ومشاركتها مع الأصدقاء، كما يمكنها أن تعرض لك جدول أعمالك، وتسمح لك بالتقاط الصور وإرسال الرسائل ومعرفة درجة الحرارة والطقس، ويمكن توصيلها بسماعة الأذن، والبحث في محرك قوقل، كل ذلك بمجرد نطق: ” Ok Glass “.

15271678_1544165962263982_1374992980_o

يقوم أساس الواقع الافتراضي ” Virtual Reality ” على محاكاة الحاسوب للبيئات في العالم الحقيقي، وذلك في العالم التخيلي، ويعمل على نقل الوعي الإنساني إلى تلك البيئات الافتراضية ليشعر بأنه يعيش فيها حقًا، وقد تسمح له بالتفاعل معها أيضًا.

والواقع الافتراضي هذا يختلف عما يسمى بالواقع المعزز، فالواقع المعزز هو عالم افتراضي نتفاعل معه ولكن يبقى إدراكنا لواقعنا الحقيقي موجودًا، مثل جهاز محاكاة الطيران الذي يتدرب به الطيارون، أما الواقع الافتراضي فإنه ينقلك من العالم الحقيقي إلى الافتراضي دون أن يترك لك فرصة لتنتبه إلى واقعك.

يرجع أصل التسمية إلى العام 1935 م حيث ورد مصطلح ” الواقع الافتراضي ” في قصة خيال علمي قصيرة للمؤلف ستانلي ج. وينبون تحمل اسم ” نظارات بجماليون ” يصف فيها نظام واقع افتراضي يستند إلى نظارات مع ميزة التسجيل الهولوغرافي (تكوين صورة الأجسام بأبعادها الثلاثة في الفضاء).

تنافست في هذا المجال عدة شركات فبرزت نظارة أوكولوس ” Oculus Rift ” والتي قامت فيس بوك بشرائها وضمها إلى ترسانة شركاتها الضخمة جنبًا إلى جنب مع إنستقرام وواتس آب وفيس بوك نفسها.

15302330_1544166338930611_385900515_o

وظهرت أيضًا نظارة من قوقل أطلق عليها ” Google Cardboard ” وأتاحتها للهواتف الذكية وبسعر لا يزيد عن بضعة دولارات، وجعلت تصميمها متاحًا مجانًا لمن يريد تقليدها، وتعمل بواسطة تقنية ” 360 Video ” (فديو 360 درجة) أي الفيديو الذي تستطيع مشاهدته في كل الاتجاهات، وهذه الفيديوهات موجودة على يوتيوب ” Youtube ” التابع لقوقل ومتاحة للجمهور لمشاهدتها وخوض التجربة الفريدة.

قد يتبادر إلى الذهن فكرة أن الواقع الافتراضي هو مخصص للترفيه فقط ولكن له تطبيقات مهمة جدًا في الطب والهندسة.

15233639_1544166885597223_1130835722_o

أكاد أجزم أن الانطباع الذي طبعته خاصية ” Google Street View ” على خرائط قوقل في نفوسنا هو أكثر دهشة من اليوم الذي رسم فيه الإدريسي الخريطة أول مرة ليربط العالم في ورقة واحدة.

وصلتني ذات يوم رسالة من قوقل على البريد الإلكتروني يطلبون فيها من الجمهور تجربة ” Street View ” في عيد الكريسماس ومرافقة سانتا كلوز في جولته، كانت تجربة مميزة بالفعل، أحسست فيها ببرودة شتاء ولاية جورجيا بالرغم من سخونة الجو في الخرطوم، كنت أتجول في الشوارع وأتجنب السيارات والمارة، قرأت اللافتات وأسماء الشوارع، وعندما أردت التعرف على بعض الأشخاص وتكوين الصداقات انتبهت أنني ما زلت داخل غرفتي !

أطلقت خاصية ” Street View ” في منتصف العام 2007 م حيث ابتدأت بخمس مدن فقط إلى أن وصلت ما يزيد عن 40 مدينة أمريكية ثم غطت حوالي 50 دولة حول العالم.

وتعتمد هذه الخاصية على كاميرا مثبتة على مركبة متحركة تلتقط صورًا بانورامية ب 360 درجة يمكن رؤيتها من جميع الاتجاهات.

وكانت النتيجة على مدار ست سنوات من العمل الدءوب والتجول بالكاميرا حول العالم والتقاط الصور لإنشاء جولات ثلاثية الأبعاد سواء داخل بعض الأماكن الأثرية مثل المتاحف أو حتى في الشوارع وأعالي الجبال والبحار والمحيطات.

15293385_1544167565597155_1152913251_o

إذا كان في منزلك جهاز إلكتروني مفرد لكلٍّ من: تصفح الإنترنت، البريد الإلكتروني، ملفات الأوفيس، التوقيت المحلي والعالمي، التقويم، جدول الأعمال، الآلة الحاسبة، كاميرا رقمية بدقة عالية، جهاز راديو، جهاز تسجيل صوتي، جهاز تسجيل الفيديو، إجراء المكالمات، إرسال الرسائل النصية، معرفة أحوال الطقس، قياس نبضات القلب، متابعة تمارين اللياقة، مصباح، قراءة الكتب الإلكترونية، تدوين الملاحظات، تصفح خريطة العالم ومعالمها، التسلية والألعاب، الاستماع للموسيقى، مشاهدة الأفلام السينمائية، مساعد شخصي رقمي، مشاهدة فيديوهات 360 درجة، الواقع الافتراضي، وشاشة تعمل باللمس، فسيصبح منزلك ممتلئاً بالأجهزة؛ أما إذا كنت تريد كل ما سبق في جهاز واحد، فما عليك إلا امتلاك هاتف ذكي ” Smartphone “.

لو حاولت أن أستطلع المستقبل فإنني أرى اختراعات تجعل من الذكاء الاصطناعي أقرب لتفكير البشر، أي أن يكون له عقل مثلنا، الروبوت والمساعدات الشخصية كانت هي البداية، مساعدات تستطيع تجميع المعلومات التي نقدمها لها ثم تقوم بتحليلها لتعرف ما نريد، وبتراكم المعلومات تكون أكثر فهمًا لأمزجتنا، قدمت لنا آبل ” Apple ” مساعدها الرقمي سيري ” Siri ” وطرحت مايكروسوفت كورتانا ” Cortana “، لكن هل سترقى هذه المساعدات الرقمية لتصبح مثل ” جارفس ” كما شاهدناه في فيلم الرجل الحديدي ؟ أظن أن الحاسوب واتسون “Watson ” الذي قدمته شركة ” IBM ” سيكون هو انطلاقة التغيير الجذري في الذكاء الاصطناعي، من يدري فربما تخبئ لنا الأيام ما هو أكثر دهشة !

إن كان هناك ثمة طريقة لإرسال رسالة تمني للمستقبل في هذه الألفية الثالثة فسأتمنى أن تقوم البشرية بدلاً من الإنفاق على البحوث العلمية الأموال الطائلة والهائلة وتهدرها فيما تجني ضرره أكثر من نفعه على الإنسان والكوكب الذي يعيش فيه، أن تنفق نصف هذه المبالغ على العلوم الإنسانية حتى يتمكنوا من العيش بحرية وأمن وسلام في كل بقاع الأرض، أن يكون العالم اتحادًا كبيرًا لبني الإنسان بدون جوازات سفر أو حدود تفصل بين الدول.

عن عبد الله محمد زين

mm
كاتب من السودان .. مهتم بتكنولوجيا وأمن المعلومات وإثراء المحتوى الرقمي على الانترنت .. عضو القادة المحليين في خرائط قوقل .

2 تعليقات

  1. There are also so many video uploading sites, and these as well offer facility for distribution their video clips, however I think YouTube is the most excellent.

  2. christian louboutin shoes new data file method is arrange

أضف تعليقاً