الرئيسية / احدث التدوينات / وانغلقت الحلقة

وانغلقت الحلقة

ايمن

    تساؤل: “ماذا لو كانت الطرائد هي من تنصب الفخاخ للصيادين.”

     النص :

     – مساء الخير، هل تتذكرني.

      قالت الفتاة السمراء ذات الملامح العادية، ثم ابتسمت وجنتاها كإجاصتين شهيتين، كانت تجلس على طرف المقعد الإسمنتي في كورنيش شاطئ البحر لكن عمود الإنارة كان بعيداً، فبدت غير مرئية ل (أ) الذي يرتدي بنطال جينز بحلاقته الأنيقة وإسورة جامايكية.

      – لا أستطيع تذكركِ، اعذريني.

     ردَ بطريقة مهذبة ثم إلتفت ليدقق في ملامحها، فكان الظلام يحجب ملمحها الجانبي. تشاغل بلِي إسورته أو بشئ يشبه ذلك حينما حدق إليها مطولاً.

     – أنت أحببتني منذ زمن.

     لثواني معدودة صمت، لكنه سرعان ما حرك رجليه في قلق، ثم أطلق زفيراً يشبه الضحك، وحرك رأسه بما يشبه الإنكار.

     في خجل أجاب:

     – برغم أنني أعرف الكثير من الفتيات، لكنهن لا يعدن ليحتجوا عليَ، تلك الأمور تصير بالسر، ثم  ماذا تقصدين بأنني أحببتك، هل الأمر سيء. في الحقيقة من أنتِ؟

     قال (أ) الذي يستطيع التحدث لساعات، والكذب أيضاً محاولاً أن يتعرف على ضحية جديدة،  ولعله كان يريد أن يتحرك ليقترب منها.

     – هل أنت جاد في أنك لم تعرفني؟!

     في تلك اللحظة قرر أن يزحف ناحيتها موسعاً رجليه لأكبر حيز بطريقة لا يبدو فيها متطفلاً أو وقحاً، لأن الصوت بدا مألوفاً، لذلك قاطعته بتنحيها ناحية الظلام في جانب المقعد.
      فكر في تدخين سيجارة  كي يتناسى ببساطة، أو هكذا ظن؛ لكنه أحس بالإحراج فقال:

      – أنا لا أعرفكِ.

     خرجت كلماته بصوت أعلى، ولثواني إكتظ المكان بضجة سيارة مارة، إنعكس ضؤها بسرعة، ثمة الكثير من الفتيات اللائي يتمشين.

     – لقد خدعتني، كما خدعت الكثيرات مثلي، لديك الفرصة لتتوقف عن ألاعيبك التي تسميها حب.
     وقف (أ) ليكذب؛ يريد أن يخرج من تلك الورطة، ماذا لو سمعها المارة؟ لكن ما الذي تفعله فتاة في وقت متأخر من الليل، هل تريد أن نتمشى، فكر لحظتها أن يندفع تجاهها ليرعبها على الأقل، لكن ظهر له حشد من الصبيات والبنات، الشابات؛ ربما كانوا أشباح حينها على الأقل سيتعوذ ولكن الأمر استمر:

     – أتذكر الصغيرة (ش) أو (أ) أو السمراء (ع) أو (س) أو (ف) أو الصبية (ج) أو جارتك (و)  .. هل هن موجودات بين هذا الحضور وأشارت إليهن؟

     – يكفي.

      انقسمت الفتاة إلى فتيات كثيرات، وتحركت تجاه الضوء ثلاثة جميلات بخالات على الوجه، ببثور على خدود الصغيرات، بأوجه صافية، قصيرات وطويلات، خمسة ذوات ملامح بدت تتضح، بدينات ونحيفات، بملابس بلدية وإسكيرتيهات… الخ

      – هل أنتِ من سميتهن، آه لا يمكنني تذكر كل تلك الأسماء ولكنهن كن موافقات.

      – خدعتنا جميعنا.

      كان الصوت يتناسل بسرعة في الجو. انزعج جداً، هل يردن إخافتي، أدخل يده في جيبه متشاغلاً بعلبة السجاير، عد السيجار المحشو بالبنقو، لم يشرب واحدة، العدد مكتمل، آه الخيالات مجدداً.
      تحركت الثمانية أشباح بطريقة بشرية، أزاحت إحداهن غصن النيم وهي تتقدم تجاهه.
     تراجع خطوتين للخلف، قطب حاجبيه محذراً، ماذا سيفعلن – إنهن ضعيفات، مجرد فتيات مغشوشات وبإمكاني خداعهن مجدداً، بقدرتي على الإقناع، لكن إجتماعهن أمر مخيف، قد يكون كابوس بسبب سيجار البنقو المغشوش، إنهن غير موجودات ببساطة، أنا من أخلق هذا الوهم وأنا من أُقنع نفسي به – قالها بصوت مرتفع.

     تقدمت في اتجاهه الفتاة التي ترتدي الثوب، ثم أشارت تجاهه بيدها، ظهرت بقايا الحناء، كانت قد رفضت الزواج من إبن عمها لأجله.

     سيزول تأثير البنقو وأنا لن أعترف بأنني أحببتهن، لقد كنت أمارس لعبتي المفضلة، العالم مبني على المصالح، كُنَ يُدركن ذلك، تتعرف الواحدة منهن عليك، وما إن تتحصل على ما تريد تتركك، هكذا لكنني كنت أقتلع حقي، أمنحهن الكذبات مقابل ما أريد.

     – يا لك من بائس، و ما ذنبنا؟ لقد صدقناك!

     – ببساطة لأنكن كنتن تردن ذلك – الأمر يعود لكُن.

     ثم هز كتفيه بلا مبالاة، أخرج سيجارة وأشعلها، كان متوتراً، فارتجفت أصابعه، وهو يمسك بالولاعة.

    – نحن من صنعنا لك ذلك الكابوس، لقد كنت تخافنا.

     – لقد كنت ألبي رغباتكن.

    – لم نكن بحاجة لكاذب، ألا تخاف من العاقبة الأخلاقية؟ من الذنب؟

    احمر وجه (أ)، لأول مرة يُنعت بكاذب، كن يخبرنه بأنه بارع في الكلام، وأنهن معجبات من لباقته في الحديث، لم يفكر في عاقبة ما فعله من قبل فشيء غريب كان يدفعه.

     – أنتن لا شيء، نتاج سيجارة وستزول، ستختفون وسأبقى أنا.

     بدأن بالوشوشة ثم بدأ يزداد الكلام:

     – لن نزول، وسنلاحقك، نحن جزء من تاريخك، من لا وعيك.

      ركض من المقعد، إنقسم ظله لأكثر من ظل بسبب إضاءة الأعمدة، في الشارع المقابل توقف يلهث. فكر في إخراج هاتفه للتحدث مع (ش) ولكنه خدعها، كان يأخذ أموالها يعيد وصل نقاط أحلامها ليعجبها الشكل المرسوم فرأت فيه الرجل المناسب.

      إشعارين محادثات عبر الواتس آب بأصابعه المرتعشة يفتح رسائل (أ)، لقد كان سيل من الكذب فذات الكذبات مررها ل (ع) وبعد ذلك تركها محملة بخيبات، أقرب بيت للكورنيش هو بيت (س) ذات العينين الجريئتين، لكنها (ف) وحدها كانت تطيعه فتقابله أينما شاء، وأكثرهن متاعب كانت (ج).

      عندما استعاد أنفاسه كان قد رفع رأسه مجدداً، فإنحنت عليه (ش):

      – لماذا تُفكر فيَ مجدداً.

      رددت خلفها (أ) الكلام، ثم قالت (س):

      – إنه يلهث، هل سنتركه هكذا؟

      – ماذا تفعلن؟ ابتعدن عني.

      ثم صار يصرخ لكي لا يسمع أصواتهن.

      قالت إحداهن:

      – إنك غير موجود.

      عندما رفع عينيه كان في منتصف الطريق السريع، والإضاءة قد غمرت عينيه تماماً، وإنغلقت الحلقة.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان