الرئيسية / احدث التدوينات / وحدة النص في مشروع كرم الله الحكائي: ثالوث الحرف والحُب والحكاية

وحدة النص في مشروع كرم الله الحكائي: ثالوث الحرف والحُب والحكاية

received_906352409545475

بقلم: حفيظ الحاج

مُقدمة

      ثّالوث الحرف والحُب والحكاية، أو مُثلّث كرم الله الحائي، هو المكون الأساسي الذي تخلّقت وتشكّلت عبره وحدة النص في مشروع كرم الله الإبداعي، وقطعاً كُل مشروع بحاجةٍ لهذه العناصر، ويظل المشروعُ ناقصا بوجود واحد دون الأُخريات، فمشروع كرم الله أُوتيَ جَوامع هذا الثالوث بامتياز.

     العناصر، الحرف، الحُب، والحكاية، سترد هنا، بتراتبيةٍ دقيقة، بحسب درجتها وأهميتها في تخلّق وحدة نص كرم الله، وفي كُلِ نص بالتأكيد،  فالحرف أولاً، والحب ثانياً، وثالوث الحكاية آخراً.

     سيتناول المقال هذه الثلاثية مُحلِلاً عبرها مشروع كرم الله الإبداعي. 

الحرف: مِعولُ الحكايةِ وثوبُ القصيد

     الحرفُ هنا أطلقت جزءاً وقُصدتُ به اللغة، اللغة بثوبها الواسعِ الفضفاض، وبرمزيتها الماكرة، التي عَرِف كرم الله الطريقَ لها، ومما لا شك فيه مشروع كرم الله ذو لغة آثرة ترمي بالقارئ بين شِباكها مُنذ القراءة الأولى.

     عُنصُرُ الحرف بدايةَ لا يتأتَ لكل كاتب إلا عبر القراءات المُتأنية، والإغراق بين عوالمها المتعددة، حتى تتشكّل لغة الكاتب التي تخصه، أعني تخصه وحدَهُ، حتى تصبح اللغة مميزاً لِصوتِ الكاتب، وهنا بالفعل ما يتجلي فيه مشروع كرم الله بشكلٍ ملحوظ، حيثُ خَلق لنفسه قاموساً يخصه، وصوتاً يُعرف به دون الآخرين، فما أن تقرأ أي نص كتبه هو، وإن كان غير مدرج اسمه فيه، تعرف أنت كقاري حصيف بأن هذا النص وهذا الصوتُ والقاموسُ يخُص كرم الله، أعني كرم الله وحدهُ، حتى صيّر كرم الله اللغة ضِلعاً في مثلثه، يُستدل بها ويُعرّف بها إبداعَهُ. وعلينا ألا ننسى بأن كرم الله قاريء نَهِم، يقول دائماً في مجالسه: “بالأمس زارني ماركيز،” وحيناً آخر يقول: “أصدقائي كُثر، همنغواي وأرسطو ووماركيز والفيتوري والجنيد والمسيح عليه السلام،” ولطالما تجده يبشّر الجميع بالقراءة كفعل سامي، والتي هي بالكاد فِعل الكتابة الأول ولقاحِها الأبوي!.

الحُب: بيتُ كرم الله وبرزَخهُ الأزلي

     وهنا الحب أو المحبة تأت في الدرجة الثانية من مثلث كرم الله، والحب هنا ينقسم لشِقيّن:

     الشِقُ الأول: حُب الكتابة، كفِعلٍ أولي في حياةِ الكاتب، وهذا بالكاد يتوفر عند كل ممتهنٍ للكتابة، وليس في ذلك بُد، إذ تجد الأسباني ماريو بارغاس يوسا في كتابهِ رسائل إلى روائي شاب متحدثاً عن هذا الشأن  قائلاَ: “الميلُ الأدبي ليس تزجيةً للوقتِ، وليست رياضة، ولا لعبة راقية تُمارس في أوقاتِ الفراغ. إنه انكباب حصري وإقصائي لما عداه، وشأن له أولوية لا يمكن أن يُقدّم عليه أي شيء آخر، وعبودية مُختاره بحرية، وتجعل من ضحاياها، المحظوظين، عبيداً، فيتحول الأدب إلى نشاط دائم، إلى شيء يشغل الوجود، ويستغرق الساعات التي يُكرِّسها أحدنا للكتابة، أظن أن من يدخل الأدب بحماسة من يعتنق ديناً، ويكون مستعداً لأن يُكرِّس لهذا الميل، وقته وطاقته وجهده، هو وحده من يكون في وضعٍ يُمكّنه من أن يصير كاتباً حقاً”1.

     وتبدو بائنة هذه الصفة في مشروع كرم الله، إذ نجده يُكرِّس كل وقته وطاقته في فعل الكتابة، بل يُبشّر بها كعقارٍ ناجع يُخلِّص البشريةَ من أمراضِها المُزمنة. وتجِد الأمر في مشروعِه يتجاوز الاهتمام وتكريس الوقت، حتى صارت الكتابةَ لكرم الله معنى من معان، وسبب من أسباب الحياة فيقول: “أنا لا أبحثُ عن مُتعِ الحكي، أو الرسالةَ المباشرة للأدب كواعظٍ سياسي، بل أبحثُ عن معنى للكون بِرُمتِه، حتى السياسي والفكري والفني تعني لي وحدة عضوية للمعرفة الإنسانية وليس جزر منفصلة”2. ويقول أيضاً: “الكتابة تجربة حقيقية، مقام ودخول لعالم ثاني، الكتابة برزخ أو عالم حقيقي من المعاني”3.  ولا نعرف نحنُ القُرّاء، حتى الآن، مِهنةً أو عمل لكرم الله سوى الكتابة والعمل في محرابها، فحيناً تجده في دور السينما يساهم في إعادة سيرتها، وحيناً تجده في محراب الأطفال يُعلمهم الحكاية والأدب، وتجده في أحايين كثيرة في كل ساحةٍ يُذكر فيها الأدب، حتى كدتُ أن أقول: ما أجتمع الناسُ ببلادنا في أمرِ الأدب، حتى كان كرم الله بينهم حضوراً.

     الشِقُ الثاني: وهو محبةُ الحدثَ والقلق تجاهه، وعُرِف عند أهل الأدب بقلقِ المُشاهدة، وهنا تتجلّى قدرة كرم الله ومهارته من دونِ غيرِه من الكُتّاب محلياً وخارجياً، إذ أنه مُصاب بقلقِ المشاهدة واقتناصِ اللحظةَ، وقدرته العالية في تخليدها كعملٍ عظيم، عبر مشهدٍ بسيط لا تراه إلا عين ماهرة كعينِ كرم الله، ومِن ثم يهِب ذلك المشهدَ حياةً أبدية، تبقى كلما ذُكِر مشروعه وأدبه، ودونكَ ما فعله بالحذاءِ، والفأرة ميسون، وكلبة فاطمة وحمار الوعظ.

     الكل يعرف كرم الله مُهجّسٌ بالأشياء من حولِه، أعني مهجّس بالكون كلِه، فالكون عنده رَحِم، أرقّ وألطف من رَحِم الأم، وذلك يجعله يتعامل مع كل شيءٍ حوله بأنه مشروع إنسان لاحق، أو إنسان متأخر، إذ سَمعتُه يقول في حوار اجرته معه قناة أمدرمان: “أترفقُ حتى بالترابِ من حولي ليس لأنه كان قبراً، بل لأنه سيصبح في يوم ما إنساناً”. وقال ضاحكاً فإن أصغيت ستسمعه يقول لك : ما تعفصنا ياخ!”4.

     هذا الحبُ الجنوني بالرغمِ من جلالته وعظمته ولكنه مُرهق بل قاتل في مُعظمِ الأحيان، ولا تحتمله إلا روح مُجاهدة، فقد راح ضحية هذا الحُب كُتّاب وأُدباء عِظام كماركيز والفيتوري بفقدهم لذاكرتهم، وهمنغواي بإنتحاره، ومعاوية محمد نور بموته المبكّر، وهم كُثر لا يتسع المقال لحصرِهِم. وهنا أسألُ اللهَ النجاةَ لكرم الله من مُكرِ الكتابة وغدرِها اللعين.

الحَكاية:  صِنعةُ كرم الله وحِرفته

     الحكاية أو الحكي، وهنا تعني، القُدرة على الحكي أولاً،  ثم الأسلوب أوالقالب الذي يقدّم به الكاتب حكايته ونصه للقاري ثانياً.

     الكل يعرفُ بأن الحكي حِرفة كرم الله وصِنعته الأولى، فهو رجلٌ حكّاء بالفطرة، إذا تحدّث معك يُخاطبك بالحكاية، وحين تقرأ له قصة أو حكاية تكاد تسمع صوتَه يقول “أهااااا” التي يأخذ بعدها نفساً عميقاً ثم يواصل حديثه الشيّق! يحكي للناسِ في الكتب، والطرقات، ووسائل النقل العامة، فكرم الله تعتّقت بداخله حكاوي المساء في القُرى، مُذ طفولته الأولى وتشرّب الحكي من قصص “أخضر عزاز وفاطمة السمحة، وود الوزير.5. فهو الذي قال في كلبة فاطمة على لسان الراوي لقد حكيت مشهد مطاردة الكلبة للناظر 375 مرّة ولم أمِّل بعد.

      أما الأسلوب، فتُلاحظ لكرم الله مقدِرة ساحرة على خلق اسلوب وعوالم تخَصه وحده في الحكي، مستعيناً بإرثه الصوفي، ورؤيته الفلسفية، ومعول حرفه وطاقة محبته، في خلقِ عوالم وحكايات خالدة، عبر نصوصٍ، في الوهلةِ الأولى تظُنَها سطحية لا فكرة فيها ولا مضمون، فهذا الرجل استطاع أن يحشر “فلسفته تجاه الإنسان ومصائره وتساؤلاته المرهقة، في قصة حذاء”6، مجرّد حذاء فقط، وعرِف كيف يشرّب فلسفته للأطفال عبر قصص قصيرة كعرس الفأرة ميسون7، فشحذ في الأطفال عبرها مفردات الصدق، والتعاون والعمل الجماعي، وكرّه إليهم الغِش والخِداع، وناقش بذكاء مُنقَطعِ النظير حيوات الانسان وتنقلاته من عالم إلى عالم آخر عبر قصة “هبة ورقصة الكمبلا”8 تلك القصة التي تكاد تضاهي نظرية دارون فيما يخص الإنسان وتحولاته العظيمة. ونجده أيضاً يناقش إستبداد أهل الدين في قصته الرائعة حمار الواعظ.9 وفي قصته ” كلبة فاطمة” 10 استطاع أن يحشر السلطة بأجمعها داخل مسرح سوق الحي مُتمثلّة في الناظر بابكر حسن ود سكينه، ومطاردة كلبة فاطمة له، بل قدّم نصّاً جبّاراً، استطاع أن يحرر خلاله الناظرَ ود سكينة من سلطته الوهمية ويعيده لشكله الحقيقي “إنسانيته الأولى”، وعليَّ أن أُشِير هنا، بأن ما يُميّز مشروع كرم الله فعلاً: هو أنه لا يُقدِّم القضية فقط، أو يناقش للقاري الفكرة وحدها، بل يعرِض المشكلة، ويحشر للقاري العلاج الذي يظُنه، والفلسفة التي يتبناها هو، بل ويتيح له مسَاحَته حتى يُساهم معه عبر أخيلته في وضعِ ما يراهُ كقاري من حلولٍ وفلسفةٍ، والأمر أبعد من ذلك حيث تجده في معظم نصوصِه يعيد للقاريء تعريف الأشياء بعد أن يمسك بتلابيب القاري ويترقّى به عبر سُلّم فكرته وفلسفته، كأن يسألك مباغتاً في حكاياته كما ورد في قصة كلبة فاطمة ؟! “ما هي السرعة؟! أهي حبلُ النجاة، أهي الابتعاد عن العدو فقط، أهي العجزُ عن المواجهة، أهي الاعتراف بكينونة الخوف الفطري(11. والأسئلة كثيرة تجدها في متن كل حكاية من حكاياته، وكل حكاية تلدُ بداخلها عشرات الحكايا كما يقول هو “الحكايات تولد الحكايات”12.

     لأجل ذلك أقول بصدق: إن مشروع كرم الله عميق، ويُقرأ على مهل، ومن أوجه عديدة، ونصوصه أبداً لا تُقرأ في مرة واحدة، فذلك الساحر الجبّار الذي إستطاع أن يُخلّق أعظم شاشة سينما على حائط منزله المبنى من الطين وروث الماعز، وشاهد عبرها فلم الكعبة من برّاد والدته حاجة آمنة بنت المنى13.

خاتمة

     ختاماً، إن ذروة وحدوية نصوص كرم الله ومشروعه الابداعي – باجتماع  ثالوثه العظيم – تتجلّى في انصهار كرم الله بين نصوصه، فتجد كل ما يكتبه كرم الله يتمثل في شخص كرم الله الانسان، وكل ما تتلمسه من أفعال وتصرفات من كرم الله الإنسان، تقرأها وتجدها كقاري في حكايته ونصوصه، وبمعنى أدق أقول: إن كرم الله ما هو إلا مجموع حكاياته التي كتبها وسيكتبها متجمعة في شكلِ إنسانٍ بشري، وكُل نصوصه التي في الكتب ما هي إلا جُزئيات وخلايا متفرقة من إنسانِ كرم الله، وبالطبع على كل كاتب أن يُقارب حتى يُسدِّد تلك الدرجة وأنعِم بها من درجة!

     وككُلِ مرة أُقابلك فيها أقول لك: قبّل يداك عنّا! والسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • البورتريه من أعمال الفنان أشرف بلة

1/ رسالة إلى روائي شاب، ماريو بارغاس يوسا.

2،3/ من حوار أجرته معه مجلة جيل جديد الالكترونية، فبرائر 2016.

4،5/ حوار أجرته معه قناة أمدرمان الفضائية أكتوبر 2011.

5/ أخضر عزاز وكلبة وفاطمة السمحة وود الوزير، أحاجي شعبية وردت في كتاب الأحاجي الشعبية، للدكتور عبدالله الطيب.

6/ من روايته الشهيرة آلام ظهر حادة.

7/ حكاية قصّها على الأطفال وتفاعلوا معها في الساحة الخضراء في فعالية يوم القراءة العالمي، أبريل 2016.

8/ رواية هبة ورقصة الكمبلا، رواية للكاتب كرم الله تحت النشر.

9،10،11،12/ قصة شهيرة، من مجموعتة القصصية رائحة الطمي.

13/ من مقالة نُشرت في مدونته بعنوان البراد فوق الكعبة، توفمبر 2009.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة