وحش المدينة (05)

fire_eye_by_emm0100-d34xe40-600x330

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

الحلقة الخامسة : ” وسيلة “

 من تلك النافذة، كانت تحدق بصاحبة الأظافر، ذلك المخلوق العجيب، بينما نسمات من البرد تصبغ الأنوف باللون الأحمر. بعد نصف ساعة من الفوضى لا زال إنقطاع التيار الكهربائي يغرق الحي في الظلام الدامس، لو لم يكن القمر بدرًا، كشمس ليلية، لما استطاع أحدٌ رؤية أحد.

تتذكر وسيلة جيدًا ذلك الوجه الذي يملؤه الخبل، و تعلم كيف يمكن لها أن تتخلص منها.

-هل جننت؟ يكاد رشيد يصرخ في وجه وسيلة.

– أخفض صوتك أيها المعتوه؟

– من فينا المعتوه، لقد رأيت كيف أنها قتلت اثنين منا بسرعة، و ترغبين بكل تهور أن تواجهيها لوحدك!

– لأنني أعلم كيف أوجهها؟

– فعلاً !! و لماذا لم تفعلي ذلك أول مرة، هذا إنتحار!

– أنا لم أكن في موقف جيد، و كنت أنقذ ما يمكن إنقاذه في تلك اللحظة التي هاجمتنا فيها.

– لا يمكنك..

– إسمع، لست هنا لكي أطلب الإذن منك، إن أحببت أن ترافقني، سيكون الأمر جيد. إن لم تحب، سيكون أفضل.

– لا بأس سأرافقك. قال ذلك بامتعاض يملأ وجهه الحاد الملامح.

– إذن إلتزم بالخطة و انتظر حتى أنتهي منها.

 في الطابق الثاني من منزل مكون من ثلاث طوابق، وقف يراقب من النافذة، شبه متأكد من أنه يودع زميلته إلى الأبد. لكن ما حصل كان مختلفًا. خرجت وسيلة إلى الشارع، وقفت أمام ذلك المسخ، ثم إلتفت في إتجاه نهاية الزقاق، أخرجت شيئًا ما من جيبها، في ذات اللحظة كان القمر يغمر وجهه في غيمة عابرة، ربما كان خائفًا مما سيحصل فآثر أن لا يشهد مقتل أحدهم، لمعت في ما تبقى من شعاع القمر كرة فولاذية، و في المقابل كانت صاحبة الجدائل تهم بالإنقضاض على الشرطية، قبل أن تصل إليها بخطوتين دوت جلبة الكرة الفولاذية في الجهة المقابلة، توقفت صاحبة الجدائل كالصنم، و في لحظة خاطفة كانت سكين حادة تمزق قلبها لأكثر من خمس مرات.

بعد أن إبتعدا بمدة عن ذلك المنزل، كان رشيد يرمقها بين الفينة و الأخرى، فلا يرى عليها أي أثر لما فعلته، و كأنها سحقت بعوضة، لا شيء إطلاقاً. بعد مدة من وصولهما إلى الشارع الرئيسي كانت قد إكتفت من نظراته المرتابة.

-إلى متى ستستمر في التحديق بي؟

– أمم.. أسف؟

– لا بأس..

– لم أكن أعلم أنك.. كيف لك أن تفعلي ما فعلته؟

– الحياة القاسية تعلمك القسوة.

 ما قالته لتوها، أجاب على كل الأسئلة التي تدور بذهن رشيد، و في جميع الأحوال، لقد اكتفى من كل شيء و كل ما يرغب فيه الآن هو الخروج من هذا المكان.

-و الآن فلتذهب إلى القيادة، و لتكتب تقريرك الكامل عن ما حصل.

– و ماذا عنك؟

– أنظر في إتجاه الساعة الثانية، هل ترى ما أراه؟

– نعم، بالكاد أراها في هذه العتمة، إنها تلك الفتاة التي ظهرت و كان سمير.. سكت متأثرًا بذكرى صديقه.

– سأقبض عليها.

– ما..ماذا؟

– كما سمعت، هيا أسرع و دعني أباشر عملي.

– و لكن..

لم تنتظر إعتراضاته و اتجهت رأسًا نحو مكان تلك الفتاة الغامضة.

 

*****

 

في الشارع المقفل، حيث الشمعة التي تضيء معظمه، كانت زرقاء، الفتاة التي كان يبحث عنها عبد الغفور، منكمشة على نفسها، و كأنها تهرب من العالم إلى ذاتها. بنطالها الأسود و سترتها السوداء التي تغطي النصف الأعلى من جسدها حتى ذقنها، تتماهى مع سواد المكان، في ظل الهدوء لم يكن يزعجها إلا هبوب رياح تتلاعب بشعلة الشمعة و خصلات شعرها القصير، حتى وصل إلى المكان ضيف غير مدعو لانعزالها، لابد أنه لاحظ ضوء الشمعة فأتى لتفقد المكان. سمعت خطواته، لكنها تجاهلتها، حتى كاد يكون فوق رأسها. هبت ريح قوية على المكان، أطفئت على إثرها الشمعة و أشعلت بداخل الفتاة نارًا من نوع أخر، بينما ذلك الشيء، ضخم الجثة، يستعد للمسها، خرج القمر من مخبئه بين السحب، و رفعت هي رأسها في وجه المتطفل.

في البداية، توقف ليتأكد. لكن مع اشتداد ضوء القمر، تأكد من شيء، عينها اليسرى، دامية كعين الوحش المنشود.

*****

 

ما إن اقتربت وسيلة من الفتاة حتى تلقت منها ركلة خاطفة، تمركزت تحت ذقنها، أفقدتها التوازن قليلاً، تحت ضوء القمر الذي عاد لينير المكان، كانت رؤيتها واضحة، لشابة، تعدو بمهارة في اتجاه قلب القطاع الثاني، حركتها متناسق و كأنها نمرٌ منطلق نحو فريسة. بجانب الطريق كانت هنالك دراجة نارية من النوع الذي يقوم بدوريات مباغتة للسيارات، أو أحيانا حماية السيارات الخاصة بشخصية حكومية مهمة. امتطتها بسرعة، و ذهبت في أثرها.

القطاع الثاني من أكبر قطاعات حي الشمس، شوارعه واسعة و مرصوفة بشكل متقن، لم تكن وسيلة تبالي بالشارع حينها و جماليته، بقدر ما كانت منبهرة بمن تلاحق. كانت سرعة الفتاة تزداد كلما اقتربت منها وسيلة فتتباعد المسافة بينهما، تتحرك و كأنها آلة ميكانيكية، جهدها لا يوصف، زادت وسيلة من سرعة دراجتها لتقترب بشكل أكبر منها، و في لحظة مناسبة، ارتمت على الفتاة، لم تكن تتوقع ذلك، تدحرجا على الأرض كثيرًا، لكنها في النهاية، إستطاعت أن تعلوها و تتحكم في جسدها تحتها، في تلك اللحظة عادت الإضاءة الكهربائية إلى المكان. تحت ركيزة إنارة كانت وسيلة تحكم السيطرة على طريدتها، حين انكشف وجهها أمامها لأول مرة. عيناها سوداوين، لم تكن خائفة و لا غاضبة، بل عينان كبيرتين يملؤهما اندهاش غريب، يكاد يشبه اندهاش وجه القمر الباهت، و كأنهما بلا حياة. لكن ما جمد الدم في عروق وسيلة هي أنها تعلم الآن من هي، لم تكن لتحلم بهذا الموقف حتى في أسوء كوابيسها، أختها التوأم وحش من وحوش الحي..

في أحد شوارع القطاع الثالث المقفلة، كانت زرقاء واقفة، تنظر نحو المصابيح التي أنارت المكان، غير بعيد عنها، كان ذلك الشخص ضخم الجثة يئن و ترتجف أطرافه، إلتفت إليه، ثم بصقت ما بفمها، و رمت باتجاهه قلبه الذي أكل نصفه.

-طعمه سيء، هل لديك أخر؟ ثم ابتسمت لتفرج عن صف من الأسنان النحاسية المسننة و المتسخة بالدماء.

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً