الرئيسية / العدد التاسع عشر / وحش المدينة (01)

وحش المدينة (01)

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الحلقة الأولى : عين الجحيم

fire_eye_by_emm0100-d34xe40-600x330

كانت صحف اليوم كلها تتحدث عن أمر واحد: “..جريمة حي الشمس رقم 5 و التي وقعت ليلة البارحة بيدي شخص واحد و الذي أصبح شهيراً بطريقة قتل ضحاياه, ثلاثة من الشرطة و مجرم و مواطن ليس له سوابق, فهو من الواضح أنه لا يفرِّق بين مُجرم و صالح, كل ضحاياه ماتت بنفس الطريقة, مشقوقة الصدر و كل الضحايا استُأصل قلبها بواسطة آلة حادة, إلى حد الساعة لا نعرف ما هي و لكن حسب الطب الشرعي فإن المُجرم يملك ما يشبه المخالب و هو أمرٌ عجيبٌ و غير مسبوق, و تُهيب مصالح الأمن الإقليمية على المواطنين باتخاذ الحذر و عدم التردد على المناطق الخطيرة كأطراف المدينة و حي الشمس المهجور.”

  يا للفظاعة, تمتم عبد الغفور, اللهم احفظنا و أطفالنا من هؤلاء المجانين الجدد.
آمين, رد عليه البقال, لقد أصبحت المدينة مخيفة.
نعم, صحيح..
لم نكن هكذا, ما الذي حصل لنا؟؟
لقد تغيرنا على ما يبدوا.
لا, إنهم الغربيون, هذه الفظاعة من صنيعهم, نحن لم نكن بهذه القسوة و لم نُعرف بهذه الأمور التي يندى لها الجبين, إنهم أولئك الدخلاء, لقد اتسخت المدينة بسببهم.
حقا؟ لا أظن ذلك و..
كما أقول لك, قاطعه حاسما الحديث, إنهم السبب!!
أطرق عبد الغفور رأسه ليقرأ بقيت المقال عن وحش المدينة الذي لم يره أحد إلى حد الآن, بينما يتناول وجبته الخفيفة على طاولة منزوية في أخر المحل,كان يرمق العم سعيد بنظرات خاطفةٍ بينما يتردد عليه الزبائن بين الفينة و الأخرى و عندما يَفْرَغُ منهم يولي انتباهه الكامل للتلفاز المُعلق فوق الباب الثاني للمحل و الذي يقابله مباشرةً. بعد أن انتهى عبد الغفور من وجبته اتجه نحوه لكي يأخذ حسابه, و لا يَفُوتُ العم سعيد دائما أن يسأله نفس السؤال: متى ستُشفى عينك اليمنى؟ ليرد عليه عبد الغفور دائما: ليس بعد..
*
كانت سيارة الشرطة تَمُرُّ بين  أزقة حي الشمس المهجور نِسبياً, أربعة شرطين اثنين ثملين و آخرين ينويان ذلك لاحقاً, يتمازحون و يتضاحكون و لم ينسوا في غُمرة ذلك وسم وحش المدينة بكل الصفات المنحطة التي يشتهون, و بينما السيارة تمر من مفترق طرق, لمح أحدهم, شخصاً واقفاً في الظل, نادوا عليه لكنه لم يستجيب, فنزل أحدهم ليتحرى الموضوع, فادى به يركض نحو زُقَاقٍ ضيقٍ, فتبعه الشرطي إلى أن وصل إلى طريق مسدود, فأمره برفع يديه, ليفعل, اقترب منه و طلب منه أن يستدير, فتعجب لمنظره, و بينما هو يلتف ليقيده أحس بشيء حاد يمزق صدره , سقط يتألم, كان يصرخ بقوة, ثم رُكل وجهه حتى فقد وعيه, ليغرز ذلك الغريب أظافره الحادة في صدر الشرطي, و ما كاد يفعل حتى سمع وقع خطوات راكضة نحوه, كان شرطيين من رفاقه و لكنهم لم يجدوا إلا صديقهم مُمَدّداً على الأرض.

كان هذا الحادث يملئ صحف اليوم التالي, و بعناوين عريضة ” الجريمة رقم 6 لوحش المدينة, تكلل بالفشل و القبض عليه أصبح مسألة وقت”, “نجاة شرطي من بين مخالب وحش المدينة, و الشرطة تقول أنها تملك صفاته الآن”, “أينما كنت يا وحش المدينة, الشرطة قادمة إليك..اهرب إن استطعت”.  كان عبد الغفور سعيدا بالعناوين المُبشرة, و التي تُنْذِرُ بنهاية السفاح الأسطورة, بينما يقضم تفاحةً بنهم الفائزين. 
*
عبد الغافور السايح, أحد أكثر الحدادين شهرة و هو صاحب مقاولة الحدادة المتميزة, رغم صغر سنه تميز بالتنوع و الأساليب الجديدة في صناعة تحف من الحديد, ناهيك عن الحدادة التقليدية و ما إلى ذلك..
لم يكن محله الصغير نسبيا يفرغ من زبائن إلا نادراً, اتساع المدينة و نموها المستمر, كان له أثر جد طيب على مقاولته التي نمت بشكل مذهل وتزايدت عليه الأرباح بشكل لم يتوقعه, لكن وسط كل هذه الأمور الإيجابية كان هنالك غموض يلفه و يجعل الجميع في ارتياب رغم نجاحه في عمله, فأغلبية الناس لا تعلم قصة عينه اليمنى التي يخفيها دائما بعصابة بيضاء.
*
بعد عدة أيام, كان عبد الغفور يتناول وجبته الخفيفة المعتادة عند العم سعيد, و بينما هو يشاهد نشرة الأخبار و التي كانت تستضيف مدير الشرطة الإقليمية و الذي كان يحمل أخبار جديدة عن رعب المدينة الجديد:
-ما هي الأخبار الجديدة عن السفاح المشهور “وحش المدينة”؟ سألت المذيعة و على وجهها ابتسامة غبية
– نعم, سيدتي, لقد وصلنا إلى توصيف هذا المجرم, بعد حادثة الاعتداء على أحد أفراد قوات الشرطة في حي الشمس, و الذي نجا منها بأعجوبة, قمنا باستجواب الشرطي المصاب بعد إفاقته و وصلنا أخيراً إلى بعض النتائج الجيدة.
– و ما هي هذه النتائج؟
نظر نحوها مدير الشرطة بازدراء مؤقت ثم استرسل..
– الأوصاف التي وصلنا لها قد لا تبدو كافية و لكنه على ما يبدو يرتدي ما يشبه قناعاً من القماش
– كاللصوص؟؟
– تقريباً, و لكنها تخفي جزئاً كبيراً من رأسه و حتى عينه اليسرى و يضع ما يشبه خواتم في أصابعه كلها و التي تشبه الأظافر الطويلة و هي حادة جداً بحيث أنه تسبب قطعاً في الجسم بسرعة, كما أنه على ما يبدو يملك شعراً أحمر.
– يعني, شخص بشعر أحمر يغطي وجهه كله حتى عينه اليسرى و اليمنى لا؟
– نعم عينه اليمنى هي الوحيدة التي يرى بها, على ما يبدو..
– و له أظافر صناعية حادة.
– نعم..
كان الحديث طويلا لكن عبد الغفور اتجه نحو العم سعيد, و الذي كان يرمقه بنظرة يملئها الارتياب, ليباغته بالقول
-على حسب الموصفات, فلو كنت أنت هو السفاح, لم استطعت أن تمشي خطوتين, ثم ضحك ضحكة قصيرة بعد أن شعر بأنه قد تجاوز بعض الخطوط.
-صحيح, ثم وضع ثمن الوجبة المعتادة و رحل في هدوء
في بيت عبد الغفور و بعد حمّامه الليلي المعتاد, وقف أمام مرآته حيث كان يمسح وجهه و شعره الذي تدلى على جبهته العريضة, بعد أن فقد لونه الأسود, ليعود لأصله, أحمر بلون الغضب القابع في صدره, جمع ببطء المنشفة عن وجهه فأفرج عن عينه اليسرى, ثم أنهى الأمر عندما مد يده اليسرى, كل إصبع منها يحمل مخالب حديدية, لينزل المنشفة عن عينه اليمنى و التي كانت تشبه عين الجحيم

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً