وحش المدينة (04)

fire_eye_by_emm0100-d34xe40-600x330

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

الحلقة الرابعة : ( ضفائر و أنياب )

أمسكت بيدها المرتعشة شمعةً بيضاء، أخرجت من جيبها الواسع ولاعة، طقطقتها أكثر من مرة، قبل أن تستقر الشعلة، ثم قلبت الشمعة على عاقبها، قصد تذويب قاعدتها، ثم ألصقتها بالأرض. بعد ذلك تكومت غير بعيدة عن الشمعة، في شارع مقفل، تنظر نحوها، مراقبةً سحر لهيبها، تذوب ببطء في وسط العتمة، كان ذلك يحيك بداخلها خيوط الذكريات القديمة القادمة من سنوات العذاب واليباب.

حتى شمعة ضعيفة، قد تحرق العالم بأكمله. في تلك الأمسية كانت تلك الشمعة تحرق حي الشمس بما فيه.

*****

قبل ذلك بأربعة أيام..

كان مركز الشرطة يربط الاتصالات بكل من لهم علاقة بالقضية، و التحقيقات كانت كلها حول هذا الموضوع، خصوصًا بعد تسرب سمعة سيئة عن المدينة في العالم أجمع، فأتت أوامر عليا برش المبيد لكل الحشرات التي تسبب الإزعاج.

ليس ببعيد عن كل ما يجري، كان “الأمير” يجلس على حافة جرف صخري، يطل على المدينة بأكملها، مد يده مخاطبًا معاونه:

-أترى.. المدينة كلها في راحة يدي؟

– بالتأكيد يا سيدي، فهي كذلك

حرك يديه في الهواء و كأنه يداعب جسد حسناء تضجع أمامه، لم يخرجه من هذا إلا رنين هاتفه.

-سيدي، الأمور تسير حسب ما توقعنا.

– جيد، أخبرني بساعة الانطلاقة.

– بالتأكيد..

– و الآن، انصرف إلى عملك. ثم أقفل الهاتف.

سأله معاونه باهتمام

-ما الأمر يا سيدي؟

– لقد حان الوقت

– وقت ماذا، سيدي؟

– وحش المدينة

وقف في حالة من الذهول، ثم استدرك سائلاً

– ما دخلنا بذلك الموضوع؟

– لنا دخل و نصف

– ما تقصد سيدي؟

– سجن المركز

– ما به؟

– أي نوع من أنواع الغباء أصبت به، هل يجب أن أشرح كل شيء، ليس هنالك أسوء من أن يكون لك تابع غبي.

– لكن..

– اسمع، أنت تعلم قضية سجن المركز، و ما تبعها من تداعيات، كانت أشبه بجرح تعفن، فنتجت عنه أمراض خطيرة. أحدها كان وحش المدينة، أو صاحب العين الدامية، و أنت تعلم أن كل تلك الأمراض تعمل لصالحنا باستثناء ذلك الحشرة الشرهة، فهو لا يكف عن لفت الأنظار إلى مناطقنا، و ليس هذا و حسب بل يهدد بافتضاح عملائنا الآخرين. باختصار، الشرطة تحاول القبض عليه، و ستقوم بالإغارة على حي الشمس، و ستقبض عليه لا محالة. إن لم نتدخل لمنع ذلك.

– كيف ذلك؟؟ سأله بنبرة اختلطت بها رعشات من الخوف

– لا يفل الحديد إلا الحديد، و لن يوقف ذلك الوحش إلا وحش مثله، بل إنني سأرسلهم جميعا للقبض عليه.

– لكنهم قد يقتلونه؟!

– سيكون ذلك أفضل.. لكن من الأفضل أن نقبض عليه حيًا، ثم نتصرف لاحقًا.

– ذلك حكمة من سيادتكم.

ابتسم “الأمير” بفخر، ثم ولى وجهة ناظريه نحو المدينة و استأنف من جديد مداعباته الغريبة التي تحوم في خياله مجددًا.

*****

ربما تكون صدفة، أو حظ ذميم، لكن القدر وضع وحش المدينة كجائزة لهذا المساء.

 في القطاع الثاني كان سبعة عناصر من الشرطة، مرعوبين مما يسمعونه عبر جهاز اللاسلكي، صرخات غير مكتملة، تأوهات، أنين و طلبات نجدة مهووسة.

– أرجوكم فليتوجه الجميع نحو القطاع الرابع..

كان ذاك نداء صادرعن أحد العناصر هناك.

تبادل السبعة نظرات ليتأكد قائدهم أن الجميع موافق، ثم بدؤوا بالركض نحو القطاع الرابع.

– هل تعتقد بأنه وحش المدينة؟ سأل سمير قائدهم أحمد

– و من غيره؟

– هل هو قوي إلى هذه الدرجة

– و ما أدراني..

– ثم ما تلك الأصوات الغريبة؟ بدت و كأنها..

لم يكمل سمير كلماته حتى توقف الجميع عن الركض، في أخر شارع في القطاع الثاني و المؤدي مباشرة إلى القطاع الرابع المقابل، كانت فتاة تقف في أخره، ظهرها إليهم، تبدو وكأنها تلبس فستان سهرة رقيق، قصير، تتلاعب بأطرفه أحيانًا نسمات خفيفة، تزيدها ألقًا. شعرها قصير أسود كالفحم و تسند يدها إلى خاصرتها و كأنها تنتظر أحدًا. ركض سمير نحوها، ليتبين هويتها، لكنه في الحقيقة كان معجبًا أكثر من كونه شرطي في زي رسمي. فكر، عندما وصل في منتصف الطريق، و هو يقترب منها أكثر، بأن يدعوها إلى العشاء، أو ربما يتأبطها و يترك هذه المهمة للجحيم..

في لحظة خاطفة، لم تدم إلا ثوان معدودة، ظهر كالسهم أسد صدم سمير بكل قوة رمته إلى جانب الشارع، و ما كاد يتململ من مكانه حتى انقض عليه الأسد، ينهشه يمينًا و يسارًا، وسط صرخاته المتقطعة، اليائسة، البائسة.

على الجانب الأخر، كانت بقية العناصر في ذهول تام، غير مصدقين لكل ما يحصل، واقفين كتماثيل شمع، يشاهدون زميلهم يلتهم كشطيرة سريعة، حيث اختفت صرخاته المدوية ليحل محلها صمت الموت الذي كان يثير البرود و التبلد على معالم الشرطيين.

لم يخرجهم من تلك الحالة إلا زئير الأسد الجائع، ثم صرخت فيهم وسيلة مطالبةً إياهم بالهروب نحو داخل القطاع الثاني.

قبل أن يلتف أحمد بسرعة و يغيب عن المكان، لاحظ أن الفتاة البعيدة لم تهتز فيها شعرة، بل لازلت كما هي، غير مبالية بوجودهم أو فنائهم.

*****

في القطاع السادس، كان عبد الغفور ينصت لكل حركة تحدث، صراخ بين الفينة و الأخرى، أصوات غريبة، كان لا يعلم من وراء كل هذه الجلبة التي تنتشر في كل مكان.

أيكون هو نفس الشخص الذي يتبعه، أو لنقل هي، زرقاء، الشخص الذي اهتم لأجله و غير حياته، بل منحه الحياة. بعد محاولاته الكثيرة، ها هي تظهر، لقد نجحت خطته، و أخيرا استطاع لفت نظرها، لكن ما سر كل هذه الجلبة..

كان يمشي بهدوء و روية في القطاع السادس، يحاول أن يرهف سمعه لما يحصل، ربما يستطيع أن يسمع دقات قلبها من جديد. في نهاية القطاع السادس، الشارع الكبير الذي يقسم الحي إلى نصفين، هنالك وقف يسمع دقات قلب خافتة صادرة عن القطاع المقابل له، القطاع الثالث، هي هناك، بالتأكيد.

لم يكن عبد الغفور يلبس قناعه المعتاد، كان شبحه يركض بين أزقة القطاع الثالث، و جنوباً كان القمر يبزغ بقوة على الحي بأكمله، نوره الفضي الحزين يتداخل مع صمت الأبنية فيصبغها بلون الكآبة القاتمة، بين الأزقة، كان عبد الغفور يركض ثم يتوقف، هي هنا، لكن يصعب عليه تحديد مكانها، هي هنا لكنه غفل لبعض الوقت أن ينصت لكل القلوب الهائجة في المكان، و بالخصوص كان غافلا عن قلب يتعقبه.

في لحظة خاطفة، سمع عبد الغفور صوت ارتطام شديد، شيء ما ضرب مؤخرة رأسه بقوة، بالكاد شعر بالألم، متشبثا بأخر خيوط الوعي، رافعا يده نحو الفضاء بلا هدف محدد، بالكاد يرى نور القمر يتخلل الزقاق المقابل، و بصعوبة استطاع أن يسمع شخصا يتحدث.

-لقد وصلت له أولاً، أنتظر جائزتي، بالمناسبة هل أبقيه حيًا أم أجهز عليه هنا؟

صمت لبعض الوقت ثم نظر نحو عبد الغفور مسندًا على كتفه قضيبا حديديًا، ثم توجه نحوه ببطء

-لا بأس سأحضره لك حالاً، أما البقية فلا يهمني أمرهم.

أنهى مكالمته ثم هوى على عبد الغفور بضربة جديدة أفقدته وعيه بالكامل.

*****

في غرفة مظلمة إلا من ضوء القمر المقتحم لها من خلال النافذة، كان أحمد جالسًا على الأرض بقرب خطيبته التي ترتعد في نوبة صرع، و في الزاوية البعيدة كانت وسيلة و رشيد يوزعان أنظارهما بين رشيد  و باقي الغرفة و ما يحدث في الخارج من خلال النافذة. غمر أحمد وجهه في كفيه و بدأ ينتحب بصمت، عيناه زائغتين، يعتصره تأنيب الضمير و الخوف.

في الشارع و بعيد الباب، كانت تقف هناك، بجدائلها المتدلية على جسدها المغطى بقطعة قماش بالية، بضفيرتين كانت تعصر عنقي عبد المنعم و هدى، حتى بعد أن فراقا الحياة، تدندن أغنية غير مفهومة، ثم تفرك قدميها العاريين المتسختين لتعاود الدندنة.

مع ارتفاع صوتها في المكان كان يزداد انتحاب أحمد و خوفه، بينما وسيلة و رشيد كان يتجادلان حول طريقة للخروج من هذا المأزق.

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً