وحش المدينة

fire_eye_by_emm0100-d34xe40-600x330

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الحلقة الأخيرة – القيامة.

خارج مبنى التلفزيون، في يوم هواه عليل، تقدمت خطوتين ثم توقفت، كانت مداعبة الهواء لخصلتها، له وقع حسن على نفسها، فآثرت الاستمتاع بذلك الشعور لدقائق، مغمضة العينين، يغمرها سلام تحتاجه بقوة، بالكاد تفتح عينها لتراه هناك يلوح لها كالمجانين بجانب عربته التي تلمع تحت شمس الخريف الدافئة.

غير مهتمة بمعظم ما يقوله، كانت تحدق بكل شيء و كأنها تراه لأول مرة، المباني، أعمدة الإنارة، إشارات المرور، و طائر اللقلق المحلق بحرية فوق سمائها الزرقاء. الجو بارد، لكنه بارد بلطف، حين توقفت العربة في إشارة مرورية تصادف وجودها أمام روضة أطفال، كانت طفلة صغيرة تنتظر أمام الباب وفود والديها، و بينما هي كذلك كانت تحدق بفضول في وسيلة، ثم لوحت لها بيديها الدقيقتين، لم تبادرها وسيلة إلا بابتسامة ضعيفة، و في الأفق البعيد كان طائر اللقلق يحلق نحو صومعته بحي الشمس المغلق.

لم تكن لتستطيع الهروب من تذكر كل شيء..

*****

وسط أكياس القمامة كانت شبه غائبة، بالكاد ترى القمر الذي بدأ يأفل عن سماء المدينة، و عن حياتها أيضًا، لم تكن تستطيع أن تتحرك قيد أنملة، و وعيها يخونها شيئاً فشيئاً.

في مكان آخر كان قائد الحملة في خارج الحي يحاول التواصل مع أعضاء الفرق التي لم تعد تهاتفه منذ ربع ساعة، لم يكن أمامه إلا الاتصال بقسم الشرطة المركزي و طلب الدعم، لكنه أثر الاتصال بابنته الصغيرة التي كان عيد ميلادها في ذاك اليوم، و الذي لن يتمكن من حضوره، لم يسلم من عتاب زوجته التي لم يرق لها أن يغيب عن عيد ميلاد فتاته الصغيرة بهذه الطريقة، ثم نقلت سماعة الهاتف لها و التي بدورها لم تدخر جهدًا في معاتبة والدها رغم محاولته ترضيتها بوعود مغرية، لكنها استمرت في معاتبته، ثم أقفلت الخط في وجهه، لم يكن تصرفها ما أغضبه بل أن والدتها لا تساعده على جعلها تتفهم موقفه و طبيعة عمله، لم يكن له من مواساة غير صورته مع ابنته و هي في قمة سعادتها عندما زارت الملاهي أخر مرة.

بينما كان يداعب صورة ابنته سمع احتكاك شيء بالأرض خلفه، استدار ليرها خلفه، تحاول أن تحد من انزلاقها بيدها و قدميها اللتان تفرعتا على الأرض كغصني شجرة قديمة، بينما توزعت خصلات شعرها على نصف وجهها الأعلى مخفيتا عينها الدامية التي ظهرت حين رفعت وجهها في وجهه، في لحظة صامتة، و كأن حدس مر على خاطر الرجل، صعقه و شل حركته، انفلتت صورة ابنته ببطء من بين يديه، مسافرة نحو الأرض بينما تنقض عليه زرقاء كحيوان مفترس، لا رحمة له، كانت الضربة سريعة، قلبه ينبض بحب ابنته، لكن في يد وحش المدينة الحقيقي، بعد أن انتهت منه تركته ملقى على الأرض بجانب الصورة التي غطت وجهه فيها دمائه المتخثرة. لم يزعج استغرقها في نهمها الدموي سوى نداء خفي في الأجواء، لم تستطع تجاهله، ربما كان قادمًا من السماء، محدقة بالنجوم حاولت أن تستمع لمناديها..

*****

لا تعبث أبدًا مع من هجرته الدنيا، فهو كقط بري ظهره إلى الحائط..

كلمات تتردد في المكان دون أن تصدر من أحد، بينما يمشي صاحب الشعر المموج، أو الكلب كما يلقب نفسه، نحو القبو الذي حبس فيه عبد الغفور، لم يكن هذا الأخير في حالة طبيعة، تدلى رأسه على كتفه الأيمن، في صمت مطبق، حتى سمع أحدهم يفتح الباب.

-من السيء أن نخدع الناس، أليس كذلك؟

– …

– ربما أكل القط لسانك، و لكن لا بأس. سأضع لعذابك الآن نهاية، لكنني فعلا أشعر بالإهانة، كيف لك أن تخدعني، كنت أظنك وحش المدينة، لكنك فقط شخص عادي، بل شخص مزيف، مقلد، و عفن فوق كل ذلك.

– …

– ارفع رأسك حتى ترى قاتلك، يقولون أن ذلك فأل حسن، قد تدخل الجنة أيها المحظوظ اللعين..

رفع عبد الغفور رأسه لكن، نحو السقف، كان يحدق به بشكل قوي، بينما تغمره هالة مهيبة، جعلته ينسى مكانه الذي حبس فيه ليسافر إلى مكان ما في الكون، حيث تراءت له النجوم و المجرات التي تسبح في بحر من الظلمة المترامية الأطراف. في الجهة المقابلة كانت هي، زرقاء، تقف هناك، بعيدًا، بالكاد يرى وجهها.

-لماذا؟

– ماذا تقصد؟

– لماذا أنقذتني حينها؟ لماذا لم تجهزي علي كالبقية؟

– ألا ترى ذلك بعد، ظننتك تعلم.

– أعلم ماذا؟

عم الصمت بينهما للحظات بينما كانت تجول بعينيها في قبة السماء، بين النجوم و المجرات البعيدة، تبدو كفوانيس تكاد تلتهمها العتمة.

– أترى كم الكواكب و النجوم حولنا؟

رفع ناظريه نحو صحراء السواد المطرزة بلآلئه اللامعة.

– نعم..

– كل ذلك الجحيم المستعر هو فقط كلمة “لا” في وسط محيط من ال”نعم” السوداء، أنا و أنت، كلمتي لا، أنا و أنت دليل على وجود السواد في عالمنا و من غيرنا لن يعرف أحد بأنه أعمى.

اقتربت منه ثم جمعة خصلاته الحمراء بين تفرع أصابعها، ثم نظرت في عينيه

– حان الوقت لتولد كلمتك، لتصرخ بها في العالم أجمع.

شعر بطاقة الكون كله تصب فيه، ارتخت عظامه قليلاً، فبدى و كأنه قد فقد وعيه، حاول الكلب جزره و إيقاظه من نومه ذاك بكلماته المستفزة، بينما يوجه فوهة مسدسه نحو عبد الغفور. لم يكن الأمر ليدوم طويلاً، حتى بدأت ذراعيه بالتأرجح من الخلف، حيث أوصدهما الكلب بأساور مرتبطتين بسلسلة متينة، نحو الأعلى حتى صارت يديه أمامه، نهض بتثاقل، في شبه لهاث. هب نسيم من النافذة تلاعب بثلاث شمعات تنير المكان، ثم ازداد قوته أكثر فأكثر، اهتزت الشمعات أكثر فأكثر، صفع الباب أكثر من مرة، بينما الكلب في حالة ذهول مما يحدث، حول عبد الغفور، كانت هالة من الرعب تحوم حوله بينما هو في شبه انحناء على نفسه، ليزداد العصف قوة مع هبوب رياح عاصفة، بينما عبد الغفور تصطك أسنانه النحاسية..

-أيها المغرور، أمثالك..

كانت الظلال تترنح تحت كل شيء، بينما صوت عبد الغفور يزداد حنقا و غرابة..

-أمثالك.. حشرات..

حمرت شعره كانت تزداد توهجاً و كأنها تحترق، بينما رعب الكلب يزداد، لم يكن يعلم ما الذي يجب عليه أن يفعله، بينما الباب يصفق بعنف، و رياح عاتية تعم المكان أطفأت شمعتين و رمت بالأخرى بعيدًا. لم يكن ما يحدث مطمئنًا، خصوصاً و أن منظر عبد الغفور كان يتغير من شاب هزيل إلى شيء مقوس الظهر يراقب يده التي كانت تتفرع كجذع شجرة، ثم نظر نحوه بعينه الدامية..

-خلقت لتسحق.

كان كل شيء يدور حول عبد الغفور و يذوب فيه، و هو واقف هناك، يرعب أي شيء قد يقترب منه، لكن بعد لحظات حاول الكلب أن يطلق عليه النار، ثلاثة طلقات، مبعثرة، اخترقت الحائط، بينما اختفى هدفه من أمامه، بدا و كأنه تبخر، تبدد في الهواء كالدخان، حاول أن ينظر حوله، لم يجد أي شيء. في خضم كل هذا هاجمه وجع شديد في صدره، لم يركز عليه كثيرًا بسبب خوفه، ليزداد أكثر فأكثر، ضغط على صدره محاولا أن يحد من الألم، شعر بلزوجة دافئة تغزو صدره، تلوث يده..

– هذا.. ما هذا؟ أهو دم؟

كان السؤال، أشبه بمطرقة حامية تدق دماغه الهش..

-ما الذي يحدث؟؟

كان وراءه ليجيبه.

-قلبك هذا؟ نظر الكلب نحو يد عبد الغفور التي كانت تحمل قلبه، قلب نتن.

ثم رمى به بعيداً، سقط في الأثناء مسدس الكلب بينما تلون صدره باللون الأحمر، زاحفاً نحو قلبه، أخر ما فعله في حياته.

خارج القبو كان عبد الغفور يمشي، بينما عم الصمت المكان، صمت غير اعتيادي، هو أشبه بصمت المصائب و اللعنات حينما تحل على مكان ما، كان يسلك طريقه خارجًا، أشاح الأمير ستائر النافدة ليراه يهم بالخروج من المكان، بالكاد استنتج أن الأمر يتعلق بذاك الفتى الذي قبض عليه، توقف عبد الغفور، ثم نظر نحوه، نحو عيني الأمير مباشرة، زرعت فيهما الرعب إلى درجة جعلته يهرع لإسدال الستائر و إقفال الباب، باحثاً عن بندقيته، متجمد الأطراف في زاوية غرفته.

*****

مسندةً ذقنها على طرف كفها، غارقة في أضواء المدينة البراقة، و كأنها تنصت لكلام خفي لا يسمعه غيرها، رغم ذلك فهي لا تستطيع فهمه.

-وسيلة!!

– نعم؟

– هل كنت تنصتين لي؟

– نعم، أكمل..

– المهم، زرقاء هذه كانت أول سجناء سجن المركز، و أكثرهم تعرضًا للتعذيب، بل يمكن القول أنه لم يتعرض أحد للتعذيب مثلها، بعد أن انفضح أمر السجن، تم تسريح كل المساجين، طبعًا بعد أن تمت ترضيتهم بمبالغ مالية و عناية نفسية، لكنها اختفت في الأسابيع الأولى بعد أن استلمت حريتها، لاحقا بدأت جرائم وحش المدينة، و الذي يعتقد بأنه متعاطف معها، لأن كل من قتل على يده، كان له علاقة بتعذيبها و أخرهم عبد العالي البالي، ضابط الشرطة الممتاز الذي قاد عملية الإغارة على حي الشمس و الذي توفي على مشارف الحي، بنفس الطريقة، نزع قلبه و نزف حتى الموت. في الجهة المقابلة، أطبق الأمير يده فعليًا على ذاك الجزء من المدينة بعد أن أقفل حي الشمس، لكن تدور شائعات بأنه اختفى أو هرب، لم يره أحد منذ مدة، المهم، بعد أزمة حي الشمس، أقفل الحي تماماُ، و بدأت حالة استنفار للقبض على وحش المدينة، لنفاجئ بتسجيل صوتي له، يعلن فيه إقامة تنظيم، أو مجموعة، تقتص للأبرياء و المظلومين، على طريقة الأبطال الكرتونين، باتمان و غيره، يا للسخف، على هذا المنوال فالجميع سيأخد حقه بيده، أليس كذلك يا وسيلة، وسيلة.. وسيلة؟

– نعم؟

– ما بك.. تبدين مهمومة.

– لا شيء..

– حقًا؟

تنهدت ثم ردت و عينيها مغلقتان..

– سوف أستقيل من الشرطة.

– لم؟ مائلاً برأسه نحو وجهها لعله يحصل على نظرة، لكنها أبقت عينيها مغمضتين.

– أريد.. أريد أن أبتعد عن كل شيء، أرغب في البحث عن أختي، أو على الأقل، سأنتظرها في مكان هادئ، أعلم أنها ستتعب يوماً ما من كينونتها تلك، و سترغب بيد تمتد لها لتنقذها من الجنون، سأكون تلك اليد، مهما طال الزمن..

– هل أنت متأكد من قرارك؟

– لا يهم الآن، ابعث لي بالتسجيل الصوتي لوحش المدينة.

– ألم تقولي أنك ستستقيلين، حرك كتفيه باعتراض مزيف.

– فقط ابعثه لي و لا شأن لك بالباقي.

– كما تريدين.

قررت وسيلة في ذلك المساء، أن تتمشى قليلًا، بينما تضع في أذنيها سماعات تنصت فيهما لما قاله وحش المدينة في رسالته الصوتية للعالم:

” ليس هنالك أسوء من الظلم، و الظلم قرين الظلام، فهو لا يتم تحت شمس الحق، و إن غابت شمس الحق، تتحول الدنيا إلى غابة، و هناك بالضبط يولد القهر، الخوف، الجوع، الجشع، و نحن.. وحوش المدينة كما تلقبوننا.

نحن لسنا سوى شموس ترغب في إشعاع الحق بعد أن غابت شمسه في بحار العتمة الكونية، نحن ناقوس الخطر الذي يدق بقوة فوق رؤوسكم لعلكم تعقلون، نحن الإشارة و نحن البشارة..”

في الجهة المقابلة من الشارع كانت هناك تسند رأسها إلى واجهة زجاجية تعرض فساتين سهرة و ما إلى ذلك، تنظر بضجر نحو المارين في الشارع، و كأن أحد لم يلحظها غير وسيلة، لم يلحظ أحد عينها الدامية، و وجودها المخيف غيرها، بينما تنصت لرسالة عبد الغفور التي غلفت بموسيقى أوبيرالية مهيبة.

“.. نحن من قالوا بأننا تعفن لجرح قديم، نحن من قالوا أننا مجرمون، نحن.. نعلن وجودنا، نعلنها صريحة، أننا لن نهدأ حتى نطيح بكل من ينشر عتمته على المدينة، لن نهدأ حتى نقضي على كل الوحوش الحقيقين للمدينة، الظالمين، المنافقين، الفاسدين، االخونة.. لجميعهم أقول، قد حان وقتكم، نحن القيامة”

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً