ملاك العِرق

خالد

يا شمال

ها أنت تحمل

فوق كاهلك الضعيف خطيئتك

وخطيئة الأوغاد بالأمس الكئيب،

في جنة الموت الكبيرة

حين زارتك ملائكة العدم،

دخلت بساتين الجثث

وقطفت لكَ قبر صغير

حملته من شاهده

قربته من أنفك فشممت فيه

عفن البلاد الطافحة.

موت الطفولة

في جحيم بلادنا الغربي

ذعر أبناء الجبال

تحت إيقاع القنابل

كحة الفقراء

في شرق البلاد المهترئ

ولم تجد شيء يشير إلى الجنوب

من بعد ما أجهضته.

يا ملاك العِرق قل لي

ما هو اللون الصحيح؟

وما الثمن كي لا نموت؟

هل كنت تمنعه إذا

بخضوعنا

أم أننا موتى الخضوع؟

هذا الخراب بلا أمل

لا لستَ لي، أنا لستُ لك

بل أكرهك

يا بلاد كلما بترت لها أطراف

أو نزفت جراح

لعقت خدوش في العروبة.

يا رب كيف أرى الوطن

إن لم تعد فيني عيون؟

إن كان جاري لا يبالي بي وموتي

طالما، لمعاجمه، لغتي تخون

طالما لوني يذكره بنفسه

وهو يكره، في الحقيقة، من يكون.

يا رب لو تمنع جنودك

عن ملاحقة القصيدة

واعتقال الأغنيات.

يا رب لو أغلقت عنا جنتك

حتى نرى إن كان يمكننا

الحياة هنا معاً من دون حرب،

إن ظل جند الموت

رهن اشارتك

من دون جائزة ولا سبعين فرج،

إن كان يمكن للذين

يعاملون نعيمك الأبدي كبيت دعارة

أن يفهموا أن المحبة غايتك.

طاغوت صلى للسماء

وفي يديه سبحة

مصنوعة بجماجم الشهداء

سبحان سجاني العظيم

سبحان ملكوته، ملكوت الهباء.

يا خضرتك

هل يتسع نيلك لغرقي كي لا أموت من العطش؟

هل يستحيل الليل صبح لو معك؟

أشرقي فيني الحياة الحقة

أشرقي فيني المقاومة

الشجاعة للشعوب المستباحة

أشرقي فيني اللغات الضائعة

أشرقي فيني الثياب الزاهية

خلف الجلاليب الكئيبة

والعباءات السواد

أشرقي يا رقصة المردوم

عليّ من غبارك في السماء

أشرقي صقرية

أشرقي بالكمبلا

أشرقي بالطار والنقارة والوازا

وبالطنبور أيضاً أشرقي

أشرقي بالسيف في أيدي الهدندوة العظام.

ويح الحقيقة ليس لي غير

اِلتباس بين شعري والكتب

سأظل اطرق في حوائط صدها الأبدي

صاعد نحو السماء العائمة

بين الحدوث وبين تاريخي المزور

لأدون العادي من أيامنا

حفظاً لحقنا أن نكون

كما ملوك الأرض

قطرات بنهر خلود هذا الكون

تاريخي وتاريخك

علوة ونبتة ثم مروي

وحتى سنار القريبة

أين أبطال التفاصيل الصغيرة؟

أين ربات المنازل؟

أين أصحاب المتاجر؟

أين المزارع والخدم؟

أين الكسالى والعطالة

أين أصحاب المهن؟

أين حلاق الملك؟

وظريف سوبا؟

أين غانية المقرة؟

ومن نديم المانجلك؟

وهل سألت بياكي شاع الدين عن أبناء دنقر؟\

أم تم جرها مثل جارية إلى بيت الملك؟

هل سنترك للجنود حياتنا؟

هل سنترك كتبنا كي يحرقوها

كالنخيل في كل يوم؟

هل سنترك للطغاة مكاننا؟

هذا امتحانك أيها الشعر العظيم

الآن امنحنا الخلود.

عن محمد جمال

mm
كاتب ومترجم من السودان