الرئيسية / احدث التدوينات / وكان الرمز مكي سنادة يمارس الاستيلاء الإبداعي بوعي ورؤية لصناعة مسرح الإجابات والإشارات على الأسئلة المُقلقة

وكان الرمز مكي سنادة يمارس الاستيلاء الإبداعي بوعي ورؤية لصناعة مسرح الإجابات والإشارات على الأسئلة المُقلقة

هيثم

     وكان الرمز مكي سنادة يمارس الاستيلاء الإبداعي من خشبة المسرح للجميع، وهذه سطوة لا يعرفها إلا صاحب رؤية تمثيلية مكتملة الاتجاهات بمعرفية تضع كل الإجابات الاحتمالية والجمالية للسؤال الكلي: لماذا نحن على خشبة المسرح؟

      في يوم المسرح العالمي .. 27 مارس .. عافية المسرح السوداني لن تكون مشمولة بنظام ورؤية وتحقيق حقيقي إلا بمسرحية بطلها مكي سنادة ويخرجها بعمقه الإخراجي ويرسم تفاصيل ديكورها بفنه العلمي والمنهجي.. الحلم في مسرحية يكتبها هاشم صديق .. أو مصطفى أحمد الخليفة.. كل الحلم في صوت مكي سنادة من خشبة المسرح القومي .. هذا الجيل يحتاج ذلك .. رمزنا مكي سنادة .. صاحب الفعل المجيد .. تجربة وفكرة .. صاحب الأداء التمثيلي الرفيع .. تأريخ الحركة المسرحية السودانية يتوضأ به لصلاة الجمال بلا سهو ونسيان .. الشخصية القومية السودانية التي قالت: “بالمسرح يكون الوطن” .. الرمز مكي سنادة .. كل نهضة للمسرح السوداني له فيها أعراق .. متفقة عليه الحركة المسرحية السودانية وكل فيوضاتها .. متفقة على كونه عارفاً وعالماً .. ثم رمزاً ورؤية تعرف كيف تصنع المسرح ونهضته وصوته الصاخب .. الأجمل في مسيرته الإبداعية هذي أنه كان معلماً بمدارسنا .. دفق هناك علمه وتجربته الواسعة تربوياً ومسرحياً .. ويظل بعمق أجمل في كل حياته .. ولو بحثنا في سجل فعله النبيل من أجل مسرحنا السوداني يوم أن كان مديراً للمسرح القومي .. وكيف أنه قام بتأسيس الفرقة القومية للتمثيل .. لتكون صوتاً يضيف لحركتنا مع كل الأصوات .. هي فكرة وطنية لأنها تعني صياغة فرقة بأسس قومية في تكوينها ورؤيتها ومنهجها العلمي والمسرحي والإبداعي .. وتظل هذه الخطوة واحدة من اشراقاته المتعددة في حياته كمسرحي كانت نظرته للبعيد من مدى تطوير مسرحنا وأدواته كلها.

     يقرأ هذا الرمز من باب فكرة مفادها أننا في حياة هذا الوطن لابد لنا من مسرح حقيقي يقود صوتنا ثم يقود المجتمع .. تلك فكرته .. مسرح للسودانيين كلهم .. يصنع منهم تأريخاً .. ثم إضافة للدنيا .. رؤيته المسرح الذي يقود بوعي المجتمع ويقول: “كل أجزائه لنا مسرح” .. يقصد قيمة الوطن كأجزاء وقيمة المجتمع ككيانات تشكل وحدة موضوعية بثقافاتها المتعددة والمتنوعة ليخرج بها المسرح فاعلاً بدائرة تحالف مع اختلاف .. وهذا ما نفتقده في زماننا هذا.

     لو عملنا على رؤيته تلك لصنعنا مسرحاً يشبه صوتنا .. لنقل أكثر من يشبه صوتنا .. بل صوتنا نفسه .. صوت كل مواطن ومواطنة .. يرى كل المجتمع صورته تتحرك داخل خشبة المسرح . ليتحالف معه بدلالة أننا من هنا نصنع حياتنا .. قيمة هذا الرمز أنه يعرف كيف يقول كل الحقيقة الجلية على خشبة مسرح .. ثم يضيء بها .. ثم يستضيء بها كل الوطن .. قناعته أن الوطن إنما هو بعض مسرح فأصبح مساحة وناس وأحلام وأحزان وأشواق .. ولذلك كل خشبة مسرح لنا بالضرورة أن تكون كذلك.

     ويظل السؤال باقياً .. هل عقل الدولة سياسي أم ثقافي؟ وهل آليات الدولة ومؤسساتها تعرف الطريق إلى الأخذ بالثقافة كقوة كاسحة في مواجهة هيمنة السياسة؟

     تستطيع ذلك لو وجدت الأفق والخيال الذي يصنع مسافة بين السياسة والثقافة ومن هذه المسافة لمثقفين الدولة داخل الدولة. وماذا يريد المثقفين غير الاعتراف الكامل بدورهم في صياغة وقيادة المجتمع .. هم الأولى بذلك.. اعتماداً على الخبرات المعرفية والرؤية العميقة التي يملكونها .. ثم إنهم بين الفكرة والفكرة يمكن أن يكونوا قوس قزح .. بمعني أن التماسات التي يصنعها المثقف في علاقته مع السياسي وهو يهم بإدارة شئون نفسه وقيادة مجتمعه قد تقوده إلى صراعات خفية وغير معلنة .. لكنها بالضرورة ليست الصراعات التي تقتل روح المودة بينهما .. فالسياسي معني بالأخذ بأسباب المودة هذه .. والاقتراب بوعي من المثقف .. يحاوره المحاورة المطلوبة والذكية .. فحوار المثقف والسلطة يحتاج لذكاء أخاذ ووعي معرفي وإحاطة بكل جوانب وأوجاع وجراحات المثقف نفسه .. فكل الجراحات التي يشتكي منها المثقفون جراحات التجاهل والتهميش .. هذه المفردة التي أخذت حقها ومستحقها من النقاشات .. وخرجنا بصبر جميل أنها المفردة التي نغضب عليها ونغضب منها.. نغضب عليها ونقول إنها من السياسة .. ونغضب عليها سراً وجهراً عندما نحس أن الحصار المفروض علينا كمثقفين هو حصار التهميش .. لكني دائماً ما أقول أنه بالضرورة للمثقف أن يقود الصراع بنفسه من أجل إثبات دوره وقيادة مجتمعه إلى الأفضل .. يقودها بوعي يمتلكه .. وخبرات تراكمية بين سنوات عمره .. وذكاء محسوب بين عقله وقلبه .. كل ذلك يقوده لصناعة الدنيا التي يريد والعالم الذي يحلم.

     كثير من المثقفين يمسكون أنفسهم أن تطوع لهم قتل روح الصمت في ليل الصراع مع المحيط من الدولة وآلياتها وفكرتها ورؤيتها .. حتى موعد حُلج الندم .. وحُلج الندم هذي هي المرحلة التي نبغضها في المثقفين .. نبغضها لأنها تقود للمثقف الذي يجلس في البيت .. صامتاً في انتظار الفرج والعاصفة.

      نحن نريد من المثقف أن يكون فاعلاً .. فقيادة التغيير لا تخرج بوعي إلا منه .. ولا تخرج برؤية عميقة إلا من بين ثنايا فكرته .. لو أن كل مثقف في بلادنا قال لنفسه لنصنع التغيير بالثقافة لصنعنا الوطن الذي نحلم به .. صناعة وطن من الثقافة .. وبالثقافة ليست مسألة مستحيلة .. لكنها صعبة .. صعبة لو أن المثقف كان من النوع الصامت جداً .. المثقف الذي نريد من نوع المثقف الذي لا يصمت .. يسأل الدولة عن حقوقه .. ويصارع الدولة من أجل إثبات حقوقه .. ولا يسكت إن حاول أحدهم لعب أحد أدواره .. ويخرج في تظاهرة صاخبة إن سمع أن أحدهم حاول أن يقوم بعملية تهميش مرسومة ضده .. نحن في دولة يجب فيها وفرض عين علينا أن نصرخ: لابد من دور خطير للمثقفين .. دور يقود ولا يسكت .. دور طليعي وصاخب!

     كل ما جاءت مناسبة وطنية .. كان احتشاد موسيقى وغناء .. رقصات وشعراً .. فنحن ننجح في شيء واحد .. هو ثقافة الاحتفالية .. ونظن أننا عبرها نقوم بإدارة تنوعنا الثقافي بكفاءة عالية .. فقد فشلنا في صناعة وطن التنوع الثقافي بالشكل المؤسسي والمنهجي .. لذلك نصرخ كثيراً في كل مناسبة: هذا هو تنوعنا! وكذبنا في ذلك.

     أقول أننا نحتاج لرؤية المسرح التوصيفي .. يصنع فيه مخرجه مُناخات النص توصيفاً وصوتاً .. يصيغ به اتجاهين من الوعي والمطلبية .. نحو تعقيداتنا كمجتمع .. مسرح يرسم صخب وجراحات الناس حول قضية ما بحركية واعية واشاراتها من مُناخٍ يقول: لماذا؟ ثم كيف؟ في أزمان بالضرورة أن يكون هذا المسرح التوصيفي قائداً ومُحرِكاً لكل الفعل المسرحي .. عندما تكون المجتمعات في حالة انتقال وتكوين .. وتحيط بها التعقيدات النفسية والاجتماعية .. النص فيه قد يكون مطلبياً .. لكن المخرج بأدواته يمكن أن يضيف له كثيراً من الوعي والرؤية ليصل به لخُلاصة مفادها مسرحنا التوصيفي هذا يُشكل ملامحاً من قضية ورؤية ثم نص وفكرة ووعي .. هو مسرح المرحلة الراهنة في بلادنا .. ليساهم في ترسيخ الوعي أولاً بالقضايا .. ثم يُرسِخ ثقافة المطلبية الواعية .. وفي ذلك كله يناقش مُناخات التعقيدات التي تحيط بنا .. إنه مسرح الإجابات والإشارات على الأسئلة المُقلقة.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن